تأخذك إلى أعماق الفكر

السعي نحو الكمال

هل أنت مستعد لدفع ثمن الكمالية؟

حضرت ساندي في الثامنة من عمرها عرض باليه بعنوان “كسارة البندق”، ومنذ ذلك الحين قررت أن تصبح راقصة باليه. ومع مرور السنين، وضعت ساندي معايير عالية فيما يتعلق بأدائها الراقص ولم تكن لترضى بأقل من ذلك. إذ إنها تضحي بالكثير بالنسبة لامرأة شابة في عمرها، وذلك سعيًا منها لتحقيق هدفها في التميز. ورغم أنّ عائلتها تنصحها أنّ تكون أقل اندفاعًا، إلا أنها تتمسك بقناعتها وتواصل سعيها لتكون راقصة باليه بارزة.

غريغوري هو أول من يلتحق بالجامعة من أفراد عائلته. ونظرًا لأن والديه اضطرا إلى اقتراض المال اللازم لتسد رسومه الدراسية، يعتقد غريغوري أنه يجب عليه التفوق على دفعته لكيلا يغضب منه والداه أو يعتقدا أنه غير ممتن لكل ما فعلوه من أجله. إذ يتجنب رفض والديه له خوفًا من أنهم قد يمسون غير قادرين على دعمه عاطفيًا وماديًا، ولربما ينبذونه. ولذلك فهو يقضي ساعاتٍ طوال في الدراسة، لدرجة أنه لا يقوم بأي شيء آخر تقريبًا بما في ذلك النوم.

يُظهِر كلٌّ من ساندي وغريغوري جوانبًا من جوانب الكمالية؛ الكمالية الموجهة نحو الذات “self-oriented perfectionism” والكمالية المكتسبة اجتماعيًا “socially prescribed perfectionism” (Hewitt & Flett, 1991). فهُم يحددون معايير عالية جدًا لأنفسهم ويولي الواحد منهم أهمية كبيرة لتحقيق أهدافه التي تناطح السحاب. إلا أنّ الدافع الذي يحفز كُلًّا منهما مختلف تمامًا؛ فالمعيار العالي الذي حددته ساندي لنفسها مبنيٌّ على حاجة تنبع من داخلها لأن تكون مثالية -الكمالية الموجهة نحو الذات- أما معايير غريغوري العالية فهي تعكس كيفية إدراكه لتوقعات الآخرين ورفضهم الشديد  لذاته إن لم يكن مثاليًا -الكمالية المكتسبة اجتماعيًا- وبشكلٍ عام، يتميز شكلي الكمالية هذين عن بعضهما البعض بمعتقدات الفرد؛ ولربما ينطوي كلاهما على التضحية والسعي الكبير لتحقيق الأهداف. والبعد المميز الرئيسي بينهما هو الدافع وراء المعتقدات والتصرفات التي قُوِّم بها الفرد. ففي حالة الكمالية الموجهة نحو الذات، ينبع الدافع وراء التفوق ووضع المعايير العالية من رغبة الفرد بأن يكون مثاليًا. أمّا بالنسبة للكمالية المكتسبة اجتماعيًا، فهي تنبع مما يعتقده الفرد حول المعايير العالية التي وضعها الآخرون له وكيف سيكون رد فعلهم إن لم يحققها -إما بالقبول أو الرفض/النقد المفرط- ويمكننا أن ننظر للكمالية من منظور يحدد ما إن كان السعي لها أمرًا طبيعيًا أم مشكلةَ عصبية (Hamachek, 1978). فالرغبة بالتفوق والعمل بجد لتحقيق هدفٍ ما ليس بالأمر الغريب. إذ قد يعكس التعبير عن المثالية هذا الصفة الشخصية المعروفة باسم يقظة الضمير “conscientiousness“. فالأشخاص الذين يتّسمون بيقظة الضمير لا يقبلون بما هو أقل من المثالي في تحقيق أهدافهم؛ فهُم يرفضون -أو يقبلون بتردد- الأداء الضعيف حتى في المواقف الخارجة عن نطاق سيطرتهم -كالإصابة بالأمراض. وغالبًا ما يظل هؤلاء الأفراد غير قادرين على التغيير أو المساومة -فهُم لا يتسمون بالمرونة- أو أنهم لا يشعرون بالاستمتاع عند بذلهم المجهود -فالخوف قد يكون الدافع الذي يحفزهم نحو المثالية. فالأفراد الطبيعيين ممن يسعون نحو المثالية باعتدال هم أكثر مرونة ويستطيعون التكيف للظروف التي يتطلبها الموقف المحيط بهم.

ورغم أنّ السعي للمثالية قد يكون ناتجًا عن يقظة الضمير أو اعتياد المرء على العمل بجد، إلا أن أشكال الكمالية التي ذكرناها في المثالين السابقين من الأشكال المتطرفة. فحاجة المرء لأن يكون مثاليًا بالنسبة لمن يتعايشون مع الكمالية الموجهة نحو الذات هي حاجة قهرية ومتفشية وغير واقعية. وعلاوةً على ذلك، فحاجة المرء للمثالية بالنسبة لمن يتعايشون مع الكمالية المكتسبة اجتماعيًا ليست مقتصرة على حاجة المرء ليكون مشهورًا أو لأن يتجنب تخييب آمال الآخرين؛ إذ إنها مبنيةٌ على اعتقاد الفرد بأنّ الآخرين يطالبونه بأن يكون مثاليًا كما ويبالغ الواحد منهم في تحقيق هذه المعايير العالية بُغية تجنب الرفض. فرغبة المرء بأن يكون الأفضل صفة تستدعي الاحترام، لكن إن كنت الأفضل، هل يعني ذلك أنك مثالي؟ قد يجيب البعض على هذا السؤال بِنعم، فقد يكون هؤلاء الأفراد قد وضعوا معايير عالية جدًا لأنفسهم لدرجة أنّ ارتكاب أيّ خطأ أو عدم تحقيق الهدف يُترجم بأنه فشل (Stairs et al., 2012). فمن الشائع لدى الأشخاص الذين يتعايشون مع الكمالية المكتسبة اجتماعيًا أنّ يخفوا الأخطاء التي ارتكبوها؛ خاصة الأفراد الذين يرغبون أن تبدو مثاليتهم عفوية (Flett et al., 2016). هنالك تداعيات عاطفية كبيرة تصاحب الحاجة للمثالية؛ فقد تساهم في إصابة المرء بالاكتئاب أو القلق أو اضطراب الهلع أو اضطرابات قهرية أو اضطراب الأكل (Stairs et al., 2012). كما وقد يصاب المرء بمشكلات نفسية أخرى، كالقلق الاجتماعي أو التوتر أو المشاكل العاطفية.

كما ويجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ هنالك البعض ممن يرغبون أن يكونوا أفضل من غيرهم (Travers et al., 2015). فمن الضروري بالنسبة لهم أن يؤمنوا بأنهم أكثر نجاحًا أو أكثر إبداعًا أو أكثر ذكاءً من غيرهم؛ إذ يهُمهم أن يكونوا الأفضل على جميع الأصعدة. وطبيعة المقارنة الاجتماعية هذه تشجع الفرد على التفوق على الآخرين؛ وبالتالي يغمره الرضا عن إنجازاته. وعلاوةً على أنّ الصفات الشخصية تدفع المرء ليؤمن بأنه يجب أن يكون مثاليًا، فقد يؤثر الوالدان والمعلمون على تنامي الكمالية لدى الفرد. وقد تلعب القضايا الثقافية دورًا في ذلك؛ فمن الشائع لدى بعض المجتمعات أن يُنظَر بعيون ملؤها الإعجاب والاحترام إلى من هم استثنائيون بالفطرة دون بذل أدنى محاولة. فأن يرزح المرء تحت وطأة لزوم تحقيق الأهداف والمحافظة على منزلة رفيعة قد يكون أمرًا هائلًا وقد يسبب الكثير من التوتر. فغالبًا ما يرفض المرء التحدث عمّا يقاسيه أو لربما لا يوجد في حياته شخص يمكنه الإفضاء له؛ وبذلك نرى أنه يفتقر لوجود صمام يحرر من خلاله مكنونات نفسه.

إعلان

إن تفهم الدوافع والضغوطات الكامنة وراء السعي للكمالية خطوة حاسمة في مساعدة الأفراد على تعديل أفكارهم وسلوكياتهم بحيث تمسي أفكارًا وسلوكيات تكيفية وصحية من الناحية النفسية. ومن أهم الاعتبارات هنا أن يتبنى المرء عقليات مختلفة؛ إذ يناقش Hornsey et al “مبدأ الاعتدال” الذي يشير إلى أنّ “المستوى المثالي غالبًا ما يكون نقطة الالتقاء بين حدّين متضادين؛ إحداهما مفرط والآخر منقوص” (p. 1394). ويُنظر للاعتدال على أنه “الكمال” لدى العديد من الثقافات والديانات؛ وبالتالي فإنّ إعادة النظر بماهية “الكمال” قد تكون قضيةً محورية في مساعدة الفرد على تحديد معالجة الأعراض النفسية والسلوكيات الإشكالية.

من  السمات التي تميزنا كَبشر هي أننا لسنا مثاليين؛ فقد نرتكب الأخطاء وتكون لدينا جوانب ضعف. إلا أنه يمكننا التعلم من أخطائنا وتعديل نقاط ضعفنا، وهو ما يجب علينا القيام به مع الإقرار بأهمية صحتنا النفسية والجسدية. فالمعجزة الحقيقية التي ينطوي عليها “عدم الكمال” هي أنّه -وبأسلوب تكيُّفيٍّ- يحفز تطورنا لنصبح أشخاصًا أفضل.

إعلان

مصدر المقال باللغة الانجليزية
فريق الإعداد

ترجمة: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.