تأخذك إلى أعماق الفكر

السجن…أشكال أخرى لا ندركها

أي مكان لا تغادره “سجن”

كانت تلك إحدى الجمل بحوار دار بين أستاذ جامعي -تقاعد وسيغادر المدينة التي عمل بها لمدة كبيرة من الزمن- لصديق له، والذي كان أحد تلامذته بفيلم “liberal arts“.

أي مكان لا نقدر علي مغادرته هو بلا شك سجن، نظن أننا داخله نملك حريتنا ونقدر علي التنقل وممارسة الحياة بشكل طبيعي، ولكن في تلك الحالة يتجلى السجن داخل قلوبنا وأرواحنا، وكثيرًا ما نقلع عن فكرة الانتقال من المكان الذي نعيش به في أي وقت، ونفكر بالأمر الكثير والكثير من المرات، لا نقدر علي الذهاب؛ لعدم قدرتنا على تحمل تكاليف المعيشة بالمكان الجديد الذي نريد الذهاب له، نرتبط بعائلة، أصدقاء، أبناء، زوجة أو حتي بالدراسة؛ مما يجعل الأمر شاقًا وكأننا داخل سجن.

قد لا نقدر علي الذهاب؛ لاعتيادنا علي الأمر هنا بالمكان الذي نقيم به، وليس لكل شخص المقدرة علي قلب حياته رأسًا علي عقب بشكل سريع، جرأة التغيير ليست بالهينة ولا يملكها سوى القليلين، لا نملك القدرة علي مواجهة الكثير من الأمور الجديدة علينا وتحمل الأعباء النفسية الناتجة عن ذلك، والتي نكون بحاجة لرغبة كبيرة ومحاولة شاقة للتأقلم من جديد حينها بعدما مر الكثير من الأعوام بمكاننا فاعتدنا كل الأمور؛ اعتدت كل الأشخاص جيدهم وسيئهم، اعتدت الشوارع والمنازل والمحلات التجارية، حفظت كل شبر بالمكان عن ظهر قلب وكل جزء بشكل بارع؛ مما يجعلك مع مرور الوقت وبعد حدوث التغيرات تتذكر كل مكان بكل تفاصيله.

عمر طاهر بكتابه” كتاب المواصلات” بأحد أجزائه تحدث عن الفراق ومدي صعوبته علي النفس، تحدث عن عدم قيامه بالارتباط بالمكان أو بالأشخاص بشكل كبير، حتي عندما يحين وقت الافتراق؛ يتم كل شئ بسهولة وبخفة على نفسه.

إعلان

عدم القدرة علي التعبير عن الأفكار التي نملكها بين من حولنا يجعلنا نشعر باغتراب بينهم، يحول عقلنا لسجن ويحولنا لسجاني فِكَرنا، لا نخرجها سوى قليلًا مع من نقدر علي فعل ذلك معه وهم قلة قليلة.

ببعض أو قُل بكثير من الأوقات أري أناسًا يتحدثون عن حزنهم الشديد؛ لانتهائهم من رواية ما أو كتاب ترك أثرًا كبيرًا بهم، لا اعتقد أني مررت بهذا الإحساس حتى الآن، أو لا أدري ربما حدث ولا أذكر، ولكني كلما رأيت أحدهم يذكر هذا أشعر بدهشة من هذا السبب.

التعلق بكتاب أمر ليس بالجيد -التعلق بالشكل العاطفي أقصد- فنحن بحاجة لأن نقرأ الكتب والروايات بعناية فائقة نعم… بلا شك، والاستفادة منها على قدر الإمكان، ولكن لا يتحول الأمر كعلاقة بين حبيبين وعند الانتهاء نشعر بألم الفراق، علي العكس أرى أن نهاية كتاب أو رواية ما أمر رائع؛ فكل نهاية قد تكون بداية مميزة.

الانتهاء من كتاب أو رواية يضيف لنا الكثير، قد يغير بنا بشكل بطئ لا نشعر به، ولكن علي مر الوقت يظهر التغيير الناتج عن تأثير قراءتنا علينا وفي تفكيرنا وسلوكنا.

انتهاء رواية أو كتاب قد يدلنا علي ما هو أروع وأجمل، قد يجعلنا نقرأ مرات أخريات لنفس الكاتب، وتكون بدأت بذلك سلسلة شيقة ورائعة ومفيدة من القراءات التي تجعلك تنحسر وتقع بغرام القراءة، وإن كان هناك عشقٌ يجب ممارسته فهو عشق القراءة.

نعود بحديثنا عن أحد شخصيات الفيلم وهوطالب بالجامعة كان مريضًا وتم نقله للمستشفى، وعاد للجامعة بعد عام وسط دهشة بين من حوله.

تعرف علي بطل الفيلم “جيسي”

نتيجة حوار عن كتابٍ ما كان بجواره خلال غفوته بأحد المقاهي، والذي كان قد استيقظ نتيجة قيام جيسي بامساك الكتاب من مكانه، هكذا تعرفا إلى بعضهم البعض وبإثر ذلك الموقف.

دار حوار بينهم وجه به” جيسي” بعض الكلمات له داخل مستشفي بعد انتقاله لها بعد محاولة انتحار فاشلة انقذه “جيسي” خلالها رغم المسافة الكبيرة الفاصلة بينهما حينها.

أخبره “جيسي” بأنه عليك أن تتخلص من هذا الكتاب؛ لأن من به يموت بالنهاية وأنت لن تفعل ذلك، فعليك بقراءة شيء آخر.

تحول الكتاب من مجرد كتاب يحبه إلى سجن له لا يملك الخروج منه، يعيد قراءة الكتاب والانتهاء منه كلما امتلك المقدرة رغم أن الكتاب تتجاوز صفحاته الألف!

فقد يكون السجن لا علاقة له بالمفهوم التقليدي لمعنى الكلمة كما قال الأبنودي: “في قلبي مش على رسم السور”.

 

فريق الإعداد

إعداد: أمجد العايدي

تدقيق لغوي: ياسمين الشريف

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...