تأخذك إلى أعماق الفكر

الذكاء الصناعي العاطفي: مشاعر الروبوتات

نعيش جميعًا في عصرٍ تسيطر التكنولوجيا على العديد من جوانبه الشخصية والاجتماعية، وحتى نكون أكثر دقة، فإن التكنولوجيا غيرت تفاعلنا تمامًا مع بعض الجوانب والمجالات. فمثلًا، في أواخر القرن التاسع عشر، كان تعداد سكان أمريكا حوالي ٣,٩ مليون نسمة، ونسبة العاملين بالزراعة أكثر من ٩٠٪ من السكان [1]؛ بينما اليوم، يبلغ عدد السكان في أمريكا حوالي ٢٨٧ مليون نسمة، ونسبة العاملين بالزراعة حوالي ١,٥٪ فقط [2]. ومجالاتٌ أخرى، مثل: الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والهندسة وباقي العلوم الطبيعية ما كانت لتتقدم وتصل لما هي عليه بدون التكنولوجيا.

– مجالات لم تسيطر الروبوتات عليها

ولكن لماذا حلت الروبوتات محل المُزارع وعامل المصنع بطريقة شبه تامة، لكنها ما زالت لم تحل محل الطبيب أو الممرض أو العِمالة المنزلية؟ لماذا لم يتم تصنيع روبوتات يمكنها خدمة الإنسان ومراقبة حالته الصحية؟ لماذا لا توجد روبوتات تقوم بالأنشطة المنزلية كالطهي ورعاية الأطفال؟ لماذا لم يتم تطبيق فكرة السيارات ذاتية القيادة إلا في السنوات الأخيرة؟

هل الدقة التي يحتاجها الروبوت لمراقبة حالة الإنسان الصحية أعلى من الدقة اللازمة لتصنيع المنتجات المعقدة في المصانع؟ هل القيام بالأعمال المنزلية أصعب من العمل في الحقول الزراعية بالنسبة للروبوتات؟
الإجابة على كل هذه الأسئلة يمكن اختصارها بفهم كلمة واحدة، وهي “المشاعر“.

حاجة الذكاء الاصطناعي للذكاء العاطفي

مع أن الفكرة الشائعة عن العواطف هي أنها مضادة للتفكير المنطقي، وأن الشخص العاطفي يواجه مشاكلًا اجتماعية في حياته أكثر من الشخص العقلاني والمنطقي، ولكن رغم هذه النظرة السلبية للعواطف، فإنها مع ذلك تظل هي الأساس الذي تقوم عليه مجتمعاتنا والعلاقات فيما بيننا.

إعلان

وعلى النقيض، فإن الروبوتات لا تفهم إلا لغة الرياضيات والمنطق، وأشياء كالمشاعر والتعاطف ليس لها معنى بالنسبة لها، وبالتالي، حتى نتمكن من تحسين التواصل بين الAI وبين البشر، فإن العلماء والمبرمجين يسعون إلى التغلب على هذه المشاكل التي تقلل من قدرات الذكاء الاصطناعي وإمكانياته. [3]

ولكن، هل فعلًا هناك مجال علمي يدرس مثل هذه الأمور، أم أنها مجرد خيال علمي وأوهام؟

ما هو الذكاء الصناعي العاطفي Emotional AI

الذكاء الصناعي العاطفي هو علم دراسة وتطوير أنظمةٍ وأجهزةٍ يمكنها التعرف على المشاعر وتفسيرها؛ حتى تتعامل هذه الأجهزة مع البشر بشكل مُلائم، ويُعرف هذا المجال أكاديميًّا باسم (الحوسبة العاطفية Affective Computing) [4]، وأول بحثٍ علميٍّ ناقش هذا الموضوع نُشر في معهد MIT بواسطة الباحثة الأمريكية روزلاند بيكارد Rosalind Picard سنة 1995؛ أي أن هذا المجال عمره أكثر من 20 سنة وليس مجرد أوهام أو أحلام حديثة [5].

أهداف مجال الذكاء الصناعي العاطفي Emotional AI

 

كما قُلت، هذا المجال يهتم ببرمجة الأنظمة لتحقيق هدف أساسي، وهو: التمكن من التعرف على المشاعر. ولكن قبل أن نفهم ما المقصود بهذا الهدف، يجب أن نتذكر علاقة المشاعر بردود فعلنا الجسدية.

تأثير المشاعر على الجسد:

تخيل أنك تتمشى في حديقة، وفجأة، ولسوء حظك، وجدت ثعبانًا أمامك، بالطبع ستشعر بالخوف، ومن ناحية جسدية: سيزداد نشاط بعض الأجزاء في مخك، وسيرتفع نبض القلب ومستوى ضغط الدم، وينخفض معدل التنفس.

بالرغم من أن المشاعر مصطلحٌ معقد وليس له تعريف واحد يتفق عليه الجميع، لكن لا أحد يختلف على تأثير المشاعر والانفعالات في نشاط المخ ومعدل المواد الكيميائية بالجسم ونبض القلب ومعدل التنفس، وبالتالي تعبيرات الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت.

التعرف على المشاعر:

هذه التأثيرات الجسدية التي تحدث لنا نتيجة مشاعرنا تساعدنا في فهم من حولنا والتعامل معهم، لكن هل يمكن لآلة القيام بنفس الأمر؟ هل يمكن لآلة قراءة مشاعرك؟

هناك أكثر من طريقة تتمكن بها الأجهزة من قراءة مشاعرك وتحليلها، مثل: تعبيرات الوجه، ولغة الجسد، وأسلوبك في الكلام، والتغيرات الفسيولوجية مثل: مستوى ضغط الدم والتخطيط الكهربائي للوجه.

وسأذكر بعض الأنظمة التي قام العلماء بتطويرها للتعرف على مشاعر البشر عن طريق إحدى الطرق المذكورة أو بواسطة أكثر من طريقة.
في شهر يناير بعام 2019، تمكنت مجموعةٌ من الباحثين بجامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين من تطوير نظامٍ يتمكن من التعرف على المشاعر عن طريق تحليل تعبيرات الوجه ونبرة الصوت. وبعد القيام بتحميل 653 فيديو وملفٍّ صوتيّ، تمكن النظام بشكل صحيح من تحديد بعض المشاعر، وهي ‘السعادة’ و’الدهشة’ و’الحزن’ و’الغضب’ و’الاشمئزاز’ و’الخوف’، بدقةٍ نسبتها حوالي 62,5%، ومن الملاحظات الطريفة، أن النظام تمكن من تحديد المشاعر ذات التأثيرات الأكثر وضوحًا، مثل السعادة والغضب والخوف [6].

اكتشاف الاكتئاب

– المرض القاتل

الاكتئاب واحدٌ من أوسع الأمراض النفسية انتشارًا، فيوجد في العالم حوالي 300 مليون شخصٍ مصاب به، وتحدث حوالي 800 ألف حالة انتحار سنويًّا نتيجة الاكتئاب [7].

و مما يزيد الأمر تعقيدًا صعوبة تشخيص حالة الاكتئاب، فحتى يتمكن الأطباء من تشخيصه يعتمدون على عدة خطوات، مثل: الاختبارات الصحية والبدنية، والفحوصات، والتقييم النفسي [8]. ولكن إذا كان الأمر بهذه الصعوبة، هل يمكن لتقنية “الذكاء الصناعي العاطفي Emotional AI” مساعدتنا في حل هذه المشاكل؟

– الذكاء العاطفي الصناعي وتشخيص الاكتئاب

في عام 2018، قام فريق مكون من 3 باحثين بمعهد MIT بتطوير نظام يستطيع تحديد إذا كان شخصٌ ما مُصاب بالاكتئاب؛ عن طريق تحليل أسلوب حديثه وطريقة كلامه سواءٌ عن طريق الملفات الصوتية أو المكتوبة. وفي إحدى التجارب على هذا النظام، قام الباحثون بتوزيع مجموعة من الأسئلة على 142 شخص، وترك الأشخاص يجيبون على هذه الأسئلة بكامل حريتهم، ثم قام الباحثون بتحميل هذه الإجابات على النظام وجعله يحاول التنبؤ بالأشخاص المصابين بالاكتئاب، والنتيجة المدهشة أن نسبة دقة التشخيص وصلت في بعض الحالات إلى 77%. ومن الملاحظات الغريبة، أن قدرة البرنامج على تجميع المعلومات من الملفات المكتوبة كانت أعلى بأربع مرات من الملفات الصوتية، حيث أن البرنامج يحتاج حوالي 30 ملفًّا صوتيًّا أو 7 ملفاتٍ مكتوبة فقط [9].
كانت هذه مجرد أمثلة على أنظمة يمكنها قراءة المشاعر بمستوى دقيق نسبيًّا، ولكن هل يمكن للروبوتات استخدام هذه القدرة لتحسين التعامل بينهم وبين البشر؟
هذا سيكون موضوع الجزء القادم.

تساؤلات

وأحب أن أشارك معك بعض التساؤلات الخاصة بالموضوع حتى الآن؛ كيف ستؤثر هذه التقنيات الحديثة على حياتنا؟ كيف ستغير هذه التقنية في الطب النفسي؟ كيف يمكن استخدام هذه التكنولوجيا في تقليل عدد الجرائم وحالات الانتحار؟ كيف يمكن استخدامها في المدارس لتحسين عملية التعليم؟ وبما أن التقنيات التكنولوجية ليست خيرًا مطلقًا، ودائمًا ما يكون لها سلبياتها، إذًا ماذا ستكون سلبيات تلك التقنية؟

ولنتذكر أن أكثر ما يميز التكنولوجيا أنها دائمة التطور والابتكار، فمنذ سنواتٍ قليلة، كانت فكرة أن يحمل شخصٌ ما هاتفًا محمولًا معناها أنه يحمل معه جهازًا بحجم القمر الصناعي، وكان من السخافة ادعاء أن جميع الأشخاص قد يتمكنوا من حمل هواتف محمولة. أما اليوم، ففكرة أن شخصًا ما لا يملك هاتفًا محمولًا هي الفكرة السخيفة.

نرشح لك: 15 روبوتًا طبيًّا قد يغيرون العالم

المصادر:
- Affective Computing- Wikipedia
[1] 1790s Population and productivity- Growing Nation
[2] Population and productivity from 2000 to 2017- Growing a nation
[3] Affective Computing. R.Picard
[4] We need computers with empathy- MIT
[5] The first article about affective computing. R.Picard 
[6] Facial and speech recognition- AI news 
[7] Facts about Depression- who
[8] Diagnosing Depression- Mayo clinic.
[9] Depression and speech expressions- Turkey AI

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يوسف مدحت

تحرير/تنسيق: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.