تأخذك إلى أعماق الفكر

الدراسات الإنسانية: واقعها المتدهور وعلاقته بالاستبداد

تحتّل الدّراسات الإنسانيّة مرتبةً متأخرة في بعض دول العالم، فغالبًا ما يُنظر إلى طلبة ودارسي العلوم الإنسانية على أنّهم فشلوا في دراسة العلوم الطبيعية البحتة والتي هي على تماس مباشر مع الواقع الفيزيقي والمادي، لا ضير فقد تكون وجهة النظر هذه تعبر عن واقع في زمان ومكان معين، فهي ليست حصرًا على فئةٍ معينة في المجتمع، بل قد تمتد لتصل إلى بعض الأكاديميّين والحاصلين على درجات عليا ومتقدمة في العلم وأصحاب مناصب مرموقة، وكي لا نستغرب فمن الممكن أن تجد بعض دارسي العلوم الإنسانيّة يقرّون بأنفسهم وجهة النظر هذه.

لكن إن قمنا بتحليل هذه الواقعة أو من الممكن أن نطلق عليها مفهوم الظاهرة؛ كونها اتّسمت بالتكرار والبروز بشكل يمكن معاينته في بعض المجتمعات، فقد يكون تدني الإقبال على دراسة العلوم السياسية ظاهرة امتدت على مدار عقود ويتم نقلها و”توريثها” من أجيالٍ سابقة إلى أجيالٍ لاحقة. نعود إلى النقطة الأساسية، وهي تحليل هذه الظاهرة، فنجد أنها ذات أبعاد عديدة وقد تبدو متشعبة إلى أبعد الحدود، منها البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو البعد الأهم، ولكن قبل حديثي عن هذه الأبعاد وتناولي لها، خاصةً البعد السياسي وهو المحور الأساسيّ الذي سأرتكز إليه لتوضيح العلاقة بين الاستبداد وتدهور الدراسات الإنسانيّة، يجب أن أقوم بتوضيح المقصود بالعلوم الإنسانية والطبيعة البحتة وأساس هذه الثنائية، مع العلم بأن هناك من يرفض هذه التفرقة، فالبعض يتعامل مع العلم بمنهجه لا بموضوعه على اعتبار أن الإنسان هو موضوع الدراسة في العلوم الإنسانية، بينما الطبيعة والكون أو المادة هي الموضوع في العلوم الطبيعية، ومع ذلك فيجب لفت الانتباه إلى أن هذا الطرح يتعلق بمشكلة الموضوعية في العلوم الإنسانية، وكانت هذه النقطة في غاية الأهمية فقد احتدم الجدال حولها في القرن المُنصرم.
أولًا: تُعرّف العلوم الإنسانية والاجتماعية بأنها العلوم التي تدرس الإنسان وكل ما يخصه ويتصل به أو ما يمكن وصفه به من صفات كالمُريد، الفاعل، الفرد، المواطن، العاقل، فتقوم بدراسة الإنسان لكن ليس بوصفه مادة صمّاء، بل تضع نصب عينيها ما يميّز الإنسان عن سائر الكائنات أو الموجودات في الكون، مثلًا تهتم بموضوع الإرادة فيُطرح السؤال التالي: هل الإنسان مُريد وفاعل لفعله أي خالقٌ له؟ (معنى الخلق لا يُقصد به الإبداع على غير مثال ولكن يُقصد به أنه فاعل بالمعنى الحقيقي) وهذا كان مدار الحديث في علم الكلام الإسلامي (كمثال) بين المعتزلة من جهة وبين الأشاعرة من جهةٍ أُخرى.

ثانيًا: فروع العلوم الإنسانية فهي مُتعددة ومتشعبة وتتداخل مع بعضها البعض أحيانًا منها علم النفس ويدرس سلوك الفرد، وعلم الاجتماع وهو يدرس الظواهر الاجتماعية وتكوين المجتمعات وتركيبها، وكذلك الأنثروبولوجيا فتهتم بدراسة نشأة المجتمعات البدائية وسماتها وتطورها، والإثنولوجيا فتدرس الشعوب وعلوم اللغة واللّسانيات، والفرع الأهم هو الفلسفة (أم العلوم) أعلى درجات التفكّر هو التفلسُف، فتنقسم الفلسفة إلى ثلاثة فروع أو مباحث أساسية منها الأنطولوجيا Ontology علم الوجود، والأبيستيمولوجيا Epistemology المعرفي، والدراسة النقدية لمبادئ العلوم ومفاهيمها، والبعض يتعامل مع هذا المبحث كونه مختصًا فقط بنظرية المعرفة ومبحث الأكسيولوجيا Axiology أي المبحث القيمي ويبحث في كل ما يختص بالقيم وفلسفة الأخلاق ودراسة مفاهيم الخير والشر، كما أنه يدرس الجمال وفلسفة الفن ومحاولة لتقديم دراسة نقدية للأعمال الفنية.

أشرت سابقًا إلى مشكلة الموضوعية في العلوم الإنسانية وكانت مما ينبغي التأكيد عليه، وأساس التفرقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية هو موضوع الدراسة، ففي العلوم الطبيعية يكون موضوع الدراسة هو العالم المادي أو الطبيعة مثل البيولوجيا أو الفيزياء وتكون الذات هي الدارسة، أما في العلوم الإنسانية فيكون الذات والموضوع كلاهما واحدًا، فالذّات تدرس ذاتاً مثلها وبعبارة أُخرى أن الإنسان يدرس إنسانًا، مثلًا يدرس عالم النفس سلوك الفرد وكلاهما ذات، كان لا بد من هذا التوضيح وكمحاولة لتقديم فكرة عن العلوم الإنسانية يجب علينا الخوض في لُبِّ موضوعنا ألا وهو تدهور الدراسات الإنسانية وعلاقته بالاستبداد.

إعلان

إن من أهم من تناول فكرة الاستبداد في الفكر العربي الحديث هو المفكر والعلامة عبد الرحمن الكواكبي في كتابه المشهور “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” وقدّمه على عدة فصول ( هي بالأصل مجموعة مقالات ) رابطاً بين الاستبداد بشتى أنواعه ( وخاصة الاستبداد السياسي ) وبين جوانب الحياة المتعددة منها العلم فيقول الراحل الكواكبي: ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم كما أنه لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرّعية حمقاء تتخبّط في ظلمات الجهل وتيه العماء.
لكن ما هي أنواع العلوم التي يخشى منها المستبد هل هي العلوم الصناعيّة والطبيّة ؟ في الواقع لا يخشى المستبدّ من علوم الصّناعة واللّغة واللّسانيات، وإنما يخشى الحكمة النّظريّة والفلسفة العقليّة وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع والسياسة المدينة، ومن المعروف أن من أهم المشكلات التي تتناولها الفلسفة هي مشكلة الحريّة فكانت محوراً لحديثٍ طال بين الفلاسفة على امتداد قرون، مما جعلهم يصيغون النّظريات والتصوّرات لحريّة الفرد، فكان لفلاسفة العقد الاجتماعي من أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو أثر كبير جداً على مسرح السياسة العالميّ فأسّسوا فلسفياً المفاهيم السياسية الحديثة و أجابوا عن سؤال مهم لماذا تكون السّلطة؟ كما أن عصر النّهضة قامت فيه نقلة نوعية في الدراسات الإنسانية والفلسفية وكانت الثّورة الفرنسية بمثابة تتويج لجهود فلاسفة ومفكرين في ذلك الوقت.
إذن يخشى المستبد من العلوم الإنسانية فيشرع في التّدخل لغاية الحفاظ على سلطته فيقوم بالتّأسيس لنظرة اجتماعية تقلل من أهمية الدراسات الإنسانية وتجعل منها الخيار الأسوأ للطلبة، والسلطة الاستبدادية تنظّم المجتمع معرفياً وتستغل كل النفوذ لنشر الأفكار التي تتماشى مع سياساتها، ولا ننسى أن المستبد إذا استطاع أن ينجح في التأسيس لنظرةِ الازدراء للعلوم الانسانيّة فإنه سينجح على مستوى عامة النّاس فقط وأنه سيفشل إذا واجه من يقرأ ويبحث ويطرح الأسئلة ويطّلع ويبني ملكاته العقلية والفكرية ويمتلك الجرأة على استخدام عقله، ما أجمل مقولة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: تجرأ على استخدام عقلك.
فالعوام هم قوة المستبد وقوته بهم وعليهم يصل إلى الحكم ويسطو به ويأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم ويهينهم فيثنون على رفعته والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف (الخوف هو عدو الفكر وعدو الفلسفة)، وللعلم سلطانٌ أقوى من كل سلطان فلا يحب المستبد أن يرى وجه عالمٍ يفوق عليه فكراً، أما إذا اضطر إلى عالم أو باحث فإنّه لا يختار إلا المتملّق المتصاغر وعلى هذا بنى ابن خلدون قوله فاز المتملقون. وينتج عما سبق أن بين الاستبداد والعلم حرب دائمة يسعى العلماء إلى تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء أنوارها، رحم الله الكواكبي العلامة حينما قال: ما انتشر نور العلم في أمةٍ قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رجال دين.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.