تأخذك إلى أعماق الفكر

الخوارج من منظور ناجية الوريمي (3/3): المميزات الثقافية للإسلام الخارجي

تناولنا في المقال الأول والثاني إشكالية المصطلح والنشأة الخارجية، وفي مقالنا الثالث هذا، نتناول الجانب الفكري لدى الخوارج كما حاولتْ ناجية الوريمي عرضه وبيانه.

الفكر السياسي

حاول المخالفون للسلطة الرسمية أن يُطَوِّروا خطابَهم السياسيَّ الذي يوضّحُ موقفهم ويُؤَسِّسُ مبرراته الدينية والاجتماعية. وقد حكم البعضُ على الخوارج بأنهم يفتقدون أي فكر سياسي منظم له منطقه الداخليّ، وترى الوريمي أنَّ هذا الحكمَ حكمٌ متسرع، دافعه محاربة الفكر السائد لأي فكر مخالف له.

تحاول الوريمي أنْ تستشفَّ التَّصوُّرَ السياسيَّ وأن تستبين معالمَه عن طريق أقدم المصادر الخارجية التي وصلتنا؛ وهي رسالة عبد الله بن إباض إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، والتي يشرح فيها وجاهة الموقف السياسي للخوارج في مقابل خطأ من أقرَّ سياسة عثمان وعمل على استمرارها بشكلٍ أو بآخر.

المرتكز الأول الذي ارتكزتْ عليه هذه الرسالة هو وصف السياسة الماليَّة الاجتماعية للخليفة عثمان، وبيان مدى إضرارها بحقوق المحكومين، من قبيل اكتناز المال وعدم إنفاقه في سبيل الله مثلًا، وجعل المال دولة بين الأغنياء. ترى الوريمي أن تعديد الخطاب للمخالفات المالية التي أتاها الخليفة عثمان ليس مجرد عملية وصفية تأريخية، بقدر ما هو تنبيه على جوهر العملية السياسية، وهو حفظ العمران وجعل الناس يأمنون على أموالهم وأنشطتهم، وقد انتفى ذلك في حكم هذا الخليفة، الأمر الذي يفيد بشكلٍ آليٍّ ضرورة الاستغناء عنه وعدم إبقائه في السلطة؛ لأنّ أساس الشرعية في الخلافة يُكْتَسَبُ من كيفية ممارستها ومدى استجابتها لآمال المحكومين.

أما المُرْتَكز الثاني، فهو الفصل بين الأصول الدينية الواجبة التي يأثم المسلمون بعدم إقامتها، والفروع التي ليستْ من الدين ويمكن الاستغناء عنها إن اقتضى الأمر ذلك. بمعنى، إذا نجح الناس في الانتظام فيما بينهم دون تدافع أمكن الاستغناء عن الإمام، وهذا رأي معظم الفرق الخارجية، بل إن الإباضية يرون أن الإمامة من الرأي، وليست من التنزيل أو السنة!

إعلان

وفي المرتكز الثالث، نجد الحضور المركزي لرأي المحكومين في الإمام وموقفهم من سياسته، فالمعيار الذي ينطلق منه ابنُ إباض في مدى نجاح هذا الخليفة أو ذاك هو مدى رضى المحكومين عنه. هذه الفكرة التي ستؤسس مبدأ حق الخروج على الحكام الظلمة، بل سيتحول إلى واجب، أو مندوب كما يرى الإباضيون.

أما عن شروط الترشح لمنصب الإمامة، فقد حاولت الوريمي أن تجمعها في ركنين متلازمين؛ الأول: هو جماع المؤهلات الشخصية التي ينبغي أن يتحلَّى بها الخليفةُ من ورع وحكمة واستقامة دون اعتبار إلى نَسَبه؛ لأن شرط النسب قد ألغاه الخوارج، لكونه لا يساهم في مسألة الكفاءة في شيء. الثاني: حُسن قيام المُكَلَّف بمهمته الاجتماعية، وأساسها الالتزام بالعدل مع حسن معاملة الرعية. ترى الوريمي أنه من الجدير بالذكر أيضًا مرونة الفكر الخارجي في ما يتعلق بشرط الذكورة بالنسبة إلى الإمام؛ فبعض الفرق الخارجية أجازتْ أن تتولى الإمامةَ امرأةٌ منهم!

وإذا ما أتينا إلى العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الحاكم والمحكومين، فهي علاقة لا بد أن تقوم على ضربٍ من الاشتراك في السلطة يقتضيه موقع كلا الطرفين. فللحاكم حق الطاعة في كل ما يتعلق بالشؤون المعيشيَّة والدينية، شرط أن يكون عادلًا؛ ولهم عليه حق المراقبة المستمرة على سياسته، هذا الحق الذي يُخَوِّلُ لهم عزله ومحاسبته إن هو سلك سلوكًا سياسيًّا مخالفًا لمصالحهم [1].

الفكر الكلامي

ترى الوريمي أنَّ نشأة علم الكلام جاءت كإشكاليَّة؛ حيث حاربتْه بعنفٍ الثقافةُ السائدة والقائمة على العقل الفقهي، وطورتْه الثقافة المُهَمَّشَة؛ ثقافة القوى الاجتماعية المعارضة، التي من بينها الخوارج. وكان الموقف الخارجيُّ متأسِّسًا على تطوير النظر العقلي؛ فقد اشتهر الخوارج منذ ظهورهم بالمحاجَّة العقلية التي تبْني منطق تحليلها للمواضيع على الترابط السببي بين المقدمات والنتائح.

تُوَزِّعُ الوريمي جملةَ القضايا الكلامية التي شغلت العقل الخارجي حسب العقيدة الإباضية على ثلاثة مستويات كبيرة؛ الإلهيات: مثل وجود الله، والذات، والصفات، وغير ذلك، والرساليات: مثل النبوة، والرسالة، والمعجزة، وغير ذلك، والإنسانيات: كالإيمان، والكفر، والنفاق، وغير ذلك من القضايا.

ليستْ غاية الكاتبة التأريخ لعلم الكلام كما عند الخوارج، ولكنها انتقتْ ثلاث قضايا عَدَّتْها من أهم القضايا الكلامية التي وقف عندها علماء الخوارج، وهذه القضايا هي: الإسلام والإيمان، والجبر والاختيار، وخلق القرآن أو قدمه. بالنسبة إلى القضية الأولى، فقد ذهب الخوارج إلى أنَّ العملَ لا ينفصل عن الاعتقاد؛ فالإسلام لا يتم إلا بقول وعمل، وبما أنَّ العمل يزيد وينقص؛ فإن الإيمان يزيد وينقص أيضًا. أما بالنسبة إلى قضية الجبر والاختيار، فقد اختار الخوارج جانب الاختيار بتفصيل عندهم. وأما قضية خلق القرآن، فكل الاتجاهات الخارجية تقول بخلق القرآن، بل اعتُبِرَ القول بالخلق شرطًا من شروط الانتماء الخارجي عند الإباضية [2].

الفكر الأصولي

يمثل الفكر الأصولي- في رأي الوريمي- الفلسفة التشريعية أو القانونية التي تقوم عليها اختياراتها العملية. وترى الوريمي أنَّ إقرار سلطة العقل في فهم النص وتطبيقه بما يلائم الظروف التاريخية المتحولة مما تميز به الفكر الخارجي؛ فقد أقرَّ إمكانيَّة مخالفة الحكم الصريح في النصّ إذا رأي المجتهد ضرورةً اقتضتها المصلحة العامة، بل هو الفكر الوحيد الذي اعترف بقيمة التجربة التشريعية التي خاضها الخليفة عمر بن الخطاب وأقر فيها اجتهاداتٍ كثيرةً خالف بها أحكامًا صريحة في القرآن (أبطل حق قرابة الرسول في الخمس، أبطل حق المؤلفة قلوبهم، أبطل في عام الرمادة حكم قطع يد السارق، إلى غير ذلك)، والحجة أنَّ مصلحة المسلمين تقتضيها.

ترى الوريمي أنَّ الفكر الخارجي يلتقي مع أهل السنة في حدِّ الكتاب؛ فهو الذي أنزله الله على محمد، وأخبر فيه أنه محفوظ مُصَان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. توضح الوريمي بعد ذلك أنَّ الأحكام المنصوصة في القرآن ليست ذات دلالة مطلقة معزولة عن مصالح المسلمين المتحولة لدى الخوارج، بل إنَّ الخطاب الأصولي الإباضي يقوم على مبدأ المصلحة العامة للمسلمين ومسايرة إرادة الله لها.

أما مصطلح السنة، فهي ما تُوَضِّح به الكتاب لا غير؛ فلا يمكن أن تستقل السنةُ بالتشريع، ومعيار الصحة فيها هو عَرْضها على ما جاء في القرآن، لذا هم لا يرون حكم الرجم على سبيل المثال؛ لأنه لم يرد في الكتاب. ترى الوريمي أنَّ في هذا الأمر تضييقًا واضحًا لدائرة المرجعية المقدسة، وإغلاقًا لها في وجه التوظيف السلطوي.

أما المصدر الثالث للتشريع فهو الإجماع، وهو مقترن بالاجتهاد، ومُعْتَرَفٌ له بسلطة تناظر، بل تفوق أحيانًا، سلطة النص ذاته إذا ما اقتضت مصلحة المسلمين ذلك. والمجتهدون الذين يحصل بهم الإجماع يستوون من حيث التوزيع الزمني والمكاني؛ فلا أفضلية للتقدم في الزمن (الصحابة مثلًا)، ولا للارتباط بمكان معين (المدينة)، والإجماع قد ينسخ الكتاب والسنة[3]!

وظيفة الأدب

كان للخطاب الشفوي لدى الخوارجِ حضورٌ بارز في اهتمام المجموعة بوسيلة الانتشار والاستمرار في نفس الوقت. وقد كان الإنتاج الأدبي لدى الخوارج يصدر عن إيمان الأديب بأنه صاحب رسالة ينبغي أن يؤديها عبر التشكل الفني للخطاب، مُعَبِّرًا من خلاله عن مشاغل المجموعة التي ينتمي إليها، وعن مبادئها وطموحاتها؛ لذا كان بعيدًا كل البعد عن التكسُّب بالشعر والأدب، لما يحتويه هذا الأمر من استلاب ذات الشاعر، ومن مغالطات تؤدي إلى زيف الوعي بالواقع، بل جاء الشعرُ الخارجي متطابقًا مع الواقع تطابقًا لا يكون معه كذب أبدًا، وقد أُثِرَ عن عمران بن حطان الخارجي أنه حلف أنه لا يكذب في شعره.

وجاء الأدب الخارجيُّ واعيًا بواقعه المأسوي، فهو بعيد كل البعد عن معاني الدعة والراحة وطلب اللذة. تقول الوريمي: “إن للأدب الخارجي مرجعية تاريخية مخصوصة جعلته بقدر ما يعتني بالبناء الفني، ويعتني بحسن القيام بالوظيفة المباشرة الموكولة إليه؛ وهي وظيفة الدفاع عن اختيارات المجموعة المنتجة له”[4].

التجربة الخارجية في مستوى الممارسة:

أشكال الوجود السياسي الاجتماعي في المجتمع الإباضي

تحاول الوريمي أخيرًا عدمَ الاقتصار على الخصائص الفكرية السياسية للإسلام الخارجي فحسب؛ ذلك لأن الخطاب التنظيريَّ في أية تجربة من التجارب يركز كثيرًا على الأبعاد النموذجية التي تعكس مُثُلًا تطمح إليها الذواتُ الاجتماعية، أكثر مما تعكس مُثُلًا مخصوصة قابلة للترجمة، ثم تحاول الانتقال من الكتابة التنظيرية إلى الكتابة التسجيلية/التوثيقية. ترى الباحثةُ أنَّ الواقع قد فرض على المجموعة الطامحة إلى تجسيد مبادئ العدل والمساواة بالانطلاق من حسن تطبيق الشرع، أن ترسم طرقًا للعمل السياسي تستمد مفاهيمه من مِعْيَارَي الوفاء للمنطلقات النظرية والنجاعة العمليَّة.

إنَّ الإباضية قد حدَّدَتْ أربعة أشكال للانتظام الداخلي للمجموعة حسب ما تقتضيه الظروف، وسمّوها: مسالك الدين، وهي: الكتمان، والظهور، والدفاع، والشراء. أما الكتمان؛ فهو إخفاء الشخص لمعتقداته، وفي هذه الحالة يحتفظ المؤمنون بمعتقداتهم سرًّا لتجنُّب القمع من قبل أعدائهم. أما الظهور؛ فمعناه: إعلان الإمامة المستقلة، وهي المرحلة التي ينبغي أن يحافظ عليها المسلمون. ويعني الدفاع: أن يقوم المسلم بواجب الدفاع حين يتعرض المسلمون لهجوم أو يحتملونه. والشراء معناه: التضحية بحياة المرء في سبيل الله لبلوغ الجنة.

وفي حالة الظهور، على الإمام أن ينشر العدل في الأماكن التابعة له، وأن يقيم الشرائع، وأن يكون حسَن السيرة والمسلك؛ أما في مرحلة الكتمان، فعلى المجموعة أن تحافظ على الدعوة وخصوصياتها الاجتماعية والثقافية عن طريق شكل من الأشكال التنظيمية، وأشهر هذه الأشكال: نظام العزابة، أهل الحلقة، والعزابة جمع عزابي، وهو لقبٌ لكلِّ من لازم الطريق، وطلب العلم، وسار سير أهل الخير. ويتكون مجلس العزابة من جماعة يُنْتَخَبُونَ من أهل الورع والصلاح والتفقه في الدين والأمانة والصدق، يتولون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باليد واللسان، ويقومون بجميع الوظائف الدينية والدنيوية في المجتمع الإباضي لحفظه حتى يحين موعد الظهور[5].

أهم المُمَيِّزَاتِ الاجتماعيَّة: مكانة المرأة الخارجية

تقول الوريمي: “[إنَّ] المرأة لا تكاد تقل فعالية [في المجموعة الخارجية] عن الرجل في حمل السيف والقلم على حدٍّ سواء”. ترى الباحثة أن تميُّزَ المرأة بالفاعلية على المستويين العملي والفكري من أبرز الخصوصيات الأنثروبولوجيَّة للإسلام الخارجي. إنَّ الدور الفاعل الذي كانت تقوم به المرأة الخارجية قد وصل إلى درجة تَوَلِّيها الإمامة في بعض الفرق الخارجية، وارتقتْ هذه التجربة إلى مستوى التنظير؛ فيرى الشبيبية مثلًا إمكانَ إمامة المرأة منهم. وكان للمرأة الخارجية دورٌ عسكري؛ حيث انخرطتْ في صفوف المقاتلين تحت راية قُواد معيَّنين، وصولًا إلى المشاركة الفعلية في القيادة. وكان لها دور ثقافي أيضًا تمثَّل في الإنتاج الأدبي المُخَلَّد لمآثر المجموعة. إن المرأة الخارجية تحضر مجالس العلم كما يحضرها الرجل، بل وتشارك في تنظيمها، وعنها يؤخذ العلم وتُنسَخ الكتب، وهي من الحكماء الذين يُستشارون في المسائل المهمة، ثم هي ليستْ أقلَّ من الرجل مكانةً داخل المجموعة[6].

خاتمة

تنتهي الوريمي من بحثها إلى نتيجة مفادها: “لقد كان الإسلام الخارجي- شأنه شأن سائر الفرق- قراءةً تاريخية للإسلام، صدرتْ فيها المجموعةُ المُمَثِّلَة له عن جملةٍ من المعاني والمُثُل المُسَبقة الموجِّهَة للسلوك الجماعي، وعن مواقع اجتماعية مخصوصة. إنه ليس نتاجًا لأطوار حَدَثِيَّة جزئية وقعتْ عَرَضًا، وكان الصراع العسكريّ إطارًا لها، وليس عنوانًا لمحاولات انفصاليَّة سعتْ إليها هذه المجموعةُ أو تلك لغايات ودوافع مختلفة، كما أنه ليس فهمًا مُتَطرِّفًا للإسلام أدَّى إلى تَصَدُّع المجموعة الإسلامية الكبرى طوال فترات تاريخية مُتلاحقة[7]“.

[1] الإسلام الخارجي، ناجية الوريمي بوعجيلة، دار الطليعة- بيروت، الطبعة الأولى، سبتمبر 2006، ص 145: 172.

[2] المصدر السابق، ص 172: 182.

[3] المصدر السابق، ص 182: 194

[4] المصدر السابق، ص 194: 205.

[5] المصدر السابق، ص 207: 228.

[6] المصدر السابق، ص 228: 237

[7] المصدر السابق، ص 245.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.