تأخذك إلى أعماق الفكر

هل حقًا أنت (أقوى) من المخدرات؟

في عام 1982 أطلقت السيدة نانسي ريغان سيدة أمريكا الأولى شعار (  Just Say No : فقط قل لا ) في حملتها “الحرب على المخدرات“، يُقَابل الشعار بقليل من السخرية إذ أن الأمر ليس بهذه البساطة فحرف (لا) في وجه المخدرات هو حرف ثقيل للغاية لا يقترن أبدًا بكلمة (فقط) الخفيفة والهينة والمُهوّنة.

ووصولًا لوطننا العربي وفي كل حملة توعية لأثر المخدرات يخرج علينا رجال الدين وبائعي التنمية البشرية ليلقوا علينا قصصهم الوعظية وخطابتهم التحفيزية الموجهة لمدمن المخدرات, فيكفي أن تحضر ندوة لتلك الحملات يتصدرها رجل دين حتى تخرج ولديك الكثير من القصص حول الخواتيم البشعة لمدمني المخدرات لتقصها على أصدقائك في إحدى جلساتكم المسائية تتبادلون فيها جوبات الحشيش.

وبعيدًا عن السرد التهكمي للشعارات التحفيزية والإعلانات المجوفة!

هل حقًا تلك الدعاية تجدي مع مدمن المخدرات؟

هل حقًا الإرادة أو القوة فقط هو كل ما يحتاجه المدمن حتى يتعافى من إدمانه ويبرأ من مرضه!

إعلان

أم ربما الأمر أعقد من هذا قليلًا؟

آرنولد واشنطون في كتابه الإرادة وحدها لا تكفي : الفَهم والتغلب على الإدمان والإكراه يؤكد على أن الذي يحول بین المدمن وبین شفائه الكامل ھو اعتماده فقط على قوة الإرادة في علاجه، كما أنه في واقع الأمر “قوة الإرادة” التي يعتمد عليها المدمن قادرة على إخراجه من الھوة الإدمانیة لمدة أسبوع وربما تطول لتصل إلى شھر لكي يجد نفسه مدمنًا مرةً أخرى عندما يتعرض للضغوط أو تواجھه بعض المشاكل أو الأزمات في حیاته من جديد، حيث أن عقلية المدمن هي الدافع لإدمانه وإرادته خارجة من عقليته وتفكيره المؤذي المسبب أصلًا  لإدمانه، فكيف لنا نرجو شفاءً؟

هل الإدمان مرض، أم اضطراب تعلُّمي؟

لفهم موقف “الإرادة” في معركة الإدمان يجب علينا أن نمر على الجدال القائم في الأوساط العلمية حول “مَرَضية الإدمان” ، بالرغم أننا ومنذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي، نستطيع أن نجزم بالانتصار للفريق القائل بأن الإدمان هو مرض دماغي عضوي.

فجمعية علم النفس الأمريكية (APA) تؤكد في تعريفها للإدمان بأنه “مرض عقلي يتجلى في استخدام المواد الضارة بالرغم من عواقبها السيئة والخطرة، بصورة قهرية ومتكررة”. وبعيدًا عن المبالغات المتكررة حول كون الإدمان مرض عضوي بحت كأمراض القلب، والسكر، والأمراض العضوية، فإن هذا الرأي مدعم بكثير من الأبحاث العلمية ومدعم بتفاسير وتوضيحات، قد نستطيع نحن غير المتخصصين فهم بعضها.

إذ يعرض علينا علماء الأعصاب بأن المدمن ليس إلا سجين لمادة الدوبامين (الدوبامين : “اختصارًا”هو إحدى المواد الكيميائية العصبية المسؤولة عن نظام المكافأة في أدمغتنا وشعورنا بالمتعة)

نحن البشر وكأي عضو في المملكة الحيوانية نسعى خلف المتعة، ونتجنب الألم، فما يدفعنا للبقاء والنجاح وللاستمرار في وجه الحياة القاسي هو ذلك المستوى الطبيعي في أدمغتنا من الدوبامين.
فذلك الطالب سيقاتل ليلًا  كي يحصل على درجات أعلى في امتحانه القادم، لكي تتكرم عليه دماغه بدفعة من الدوبامين التي تؤكد له أنه على طريق المكافأة الصحيح، وكذلك ذاك العامل المجتهد صباحًا من أجل مستوى معيشة أفضل.

ولكن ماذا إذا استطعت أن أعطيك مكافأتك الدماغية دون أن تبذل مجهود يذكر!

تبدو غنيمة سهلة للغاية، ها؟

هذا ما تفعله المواد الإدمانية بالدماغ، إذ أنها تعطيك كمية ودفعات فوق الطبيعي من الدوبامين والهرمونات المسؤولة عن السعادة. إنها فقط تعبث بمستويات الكيمياء بدواخلنا، فينجرف المدمن لاهثًا وراء جرعته الدماغية  العالية لكي يستطيع أن يبقى فقط لمدة أطول في الحياة، حتى ولو فسدت تلك الحياة. مصدر

فمن المحزن، أن نظام المكافأة الدماغي المتشوه  لدى المدمن، يحوّل مادته الإدمانية (أيًا كانت، كحول/مخدرات/قمار/تسوق) لأولوية في دماغه، وفي نظامه البيولوجي كاملًا، فيقف المدمن عاجزًا أمام مادته الإدمانية كوسيلة نجاة أولية يماثل احتياجه لها، احتياجه للطعام والماء، دافعًا احتياجه العميق هذا إلى العود تكرارًا لتعاطي مادته حتى بعد أن تفقد متعتها ورونقها.
تتردد بين أوساط المدمنين المتعافين عبارة “كنت أظن أنني سأموت لو تخليت عن مادتي“.

على جانب آخر

تجد مارك لويس، في كتابه “بيولوجيا الرغبة“،  يعرِّف الإدمان بأنه أنماط متداخلة بين (المتعة) و(مطاردة المتعة)، هذه الأنماط قادرة على غرز صورًا عصبية مميزة في اللُّب التحفيزي للدماغ (منطقتا الرغبة العفوية والرغبة القهرية).

يعتقد لويس أن الأدلة التي ارتكزت إليها الأقوال بمرضية الإدمان ربما مضللة بعض الشيء، حيث أن أدمغتنا كبشر لا تتبع نظامًا واحدًا للتكيف مع ما يستقبله الدماغ، بل تتبع عملية “تنسيق الدماغ“.

منذ الأزل وكل الأدمغة تتغير لتتكيف مع المؤثرات المحيطة، قد يكون التغير في نشاط الدوبامين المذكور، هو نفس التغيير الذي لوحظ على أدمغة سائقي سيارات أجرة لندن، إذ وُجد أن المنطقة المسؤولة عن تذكُّر المساحات والخرائط  تضخمت في أدمغتهم، ولا يعني هذا أنهم مريضون بقيادة سيارات الأجرة، بل الأمر كله مجرد “تنسيق ذاتي للدماغ

ويؤكد لويس أنه بالمقياس نفسه، إن ما يحدث من تحول من “منطقة الرغبة الحرة” إلى “منطقة الرغبة القهرية” في الدماغ، يحدث بالفعل مع كل ممارسة تتحول إلى أي عادة.
فهل نعتبر كل عادة سيئة مرضًا مرة واحدة؟
أم أن كونه عادةً يصعُب التخلص منها في كثير من الأحيان يمنحنا حق وصفه بالمرض؟

الفرق بين العادة والإدمان:

نعود لدكتور أرنولد واشنطن في كتابه “الإرادة لا تكفي”, حيث يسحبنا دكتور واشنطن خارج الإطار العضوي لمرض الإدمان ويدفعنا داخل الغرف النفسية للمرض، فيظهر لنا أربع علامات نفسية أساسية للإدمان تفرقه عن العادة، نذكرها هنا إيجازًا:

1)   الاستحواذ الفكري للمادة على عقلية المدمن.

2)   العواقب السلبية، والخطرة للمادة.

3)   فقدان السيطرة تمامًا، وعدم القدرة على التوقف بالرغم العواقب والخسائر المستمرة.

4)   الإنكار عمومًا من جهة المدمن لوجود أي مشكلة سواء إدمان أم وجود خسائر أصلًا.

 

ما يهمنا يا سادة هنا هو ليس نتيجة هذا الجدال حول كون الإدمان مرضًا دماغيًا أم اضطراب سلوكي تعليمي، فكلاهما يؤكدان على أمر واحد وهو قهرية الفعل، ورفع الإرادة عنه.

فالإدمان ليس اختيارًا، لم يختر أحد ما بأنه العام القادم سيصبح مدمنًا للكحول، أو أنه سيقيم في إحدى السجون متوسلًا لأي قطعة من مخدره، لم يختاروا مرضهم، المدمن هو من وصل إلى مرحلة لا فكاك منها بقوة إرادته، مرحلة لم يعد يملك خيارًا، أما المتعاطي الذي يستطيع التوقف فهو بالتأكيد ليس مدمن.

الإرادة فقط تجعل الأمور أسوأ

معركة المدمن ضد إدمانه يوميًا، وهو يرى خسائره تتوالى أمام عينيه ولا يستطيع الفكاك، هي معركة قاسية ومؤلمة ومدمرة، مسببة لمزيد من الشعور بالخيبة، وانغماس أعمق في مادته الإدمانية في محاولة منه لتسكين الآمه.

يوضح الطبيب الهولندي باسيل في كتابه “الجسد يحتفظ بالنتائج” أن الذكريات أو الخبرات المؤلمة/الصادمة (traumatic) تُخزَن في دماغنا بطريقة مختلفة عن الخبرات الاجتماعية والمعتادة.

إذ أن الخبرات المعتادة تُخزَن مضمنة في سياقها وبطريقة منسقة ومترابطة، كما أنها مرنة وقابلة للتكيف عند الحصول على خبرات جديدة.
بينما الخبرات الصادمة والمؤلمة تُخزَن بطريقة منعزلة، خارجة عن السياق، جامدة، وبالتالي،عندما يكون لديك ذاكرة مؤلمة، تتعطل شخصيتك متجمدة لايمكنك العيش في الوقت الحاضر، وبالتالي، لايمكنك تجربة تجارب جديدة، وحتى إذا قمت بذلك، فإنها لاتتشابك في ذكرياتك السابقة بطريقة صحيحة.

ما يقصده دكتور باسيل أن الخبرات المؤلمة تتكون في الدماغ كعُقد منفصلة من الجلطات النفسية، لا تستطيع أنت وحدك أن تفهمها، وتعقلها وتخرج منها بتجربة معززة لك، فالخبرات الصادمة لم تخزن بطريقة يمكنك أن تستفاد منها وأنت لوحدك، إذ أنت لا تستطيع أن تفهمها بشكل سليم أصلًا.

يعتقد الكثير من الناس أن ما يحتاجه المدمن هو قوة الإرادة، ولكن لاشيء أكثر من البوح بأمانة.

– د. ارنولد واشنطون

لذلك كل ماتحتاجه هو أن تخرج خارج دماغك لتشارك ما لديك، فمحاولة التغلب على الإدمان من خلال قوة الإرادة فقط تقمع وتركز الألم.

السبب بسيط: قوة الإرادة هي معالجة أو معركة فردية لشيء يتطلب الاتصال.

إن المدمن لايحتاج إلى نقد أو حكم عليه، أكثر مما يحتاج إلى بيئة مليئة بالتعاطف والرحمة تسمح للمدمن أن يشعر بالأمان الكافي ليصبح منفتحًاعلى آلامه.

في خطاب منصة TED  الشهير حول الإدمان، يحاول جون هاري تغيير الخطاب العالمي من الحكم على المدمن ووصمه ونبذه إلى طريق آخر من التعاطف، والرغبة في تقديم المساعدة.

لا يمكنك معاقبة الناس على آلامهم

السبيل الوحيد للخروج من الإدمان هو من خلال التواصل، فالإرادة وحدها معركة صامتة خاسرة.

وهذا ما يؤكد عليه برنامج ال12 خطوة الشهير، والأكثر فاعلية على الإطلاق.

برنامج 12 خطوة يقول لا!

عكس قوة الإرادة، التواصل
– جو بوليش

تنص الخطوة الأولى من البرنامج الأكثر فاعلية في معالجة المدمن، والمبني على روح الزمالة والتشارك، والبوح الأمين.

  • اعترفنا أننا بلا قوة تجاه إدماننا، وأن حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة.

 فالخطوة الأولى للعلاج المدمن تنزع عنه الإرادة، وتطالبه بأن يكون منفتحًا كفاية لأن يعترف أنه عاجز تمامًا أمام مادته الإدمانية.
فالخطوة الأولى من العلاج هي (التسليم) والتخلي عن القوة.

ألا يبدوا هذا متناقضًا نوعًا ما؟

لكي نستطيع أن نفهم هذه المفارقة، ربما وجب علينا زيارة تجربة علمية مثيرة للغاية قام بها عالم النفس إبراهيم سناي من جامعة إلينوي حيث وجد طريق مختبرية ما يمكن أن يقيس بها دور “قوة الإرادة والإصرار” من عدمه.

لقد فعلها سناي من خلال استكشاف الحديث الذاتي، ذاك الصوت التي تتردد به أفكارك في رأسك موضحًا خياراتك، نواياك، آمالك، ومخاوفك، وما إلى ذلك.
اعتقد سيناي أن شكل وطبيعة وبنية جملة الحديث الداخلي قد يكون مهمًا في تحقيق الخطط والإجراءات، بل وان الحديث الذاتي قد يكون أداة لممارسة الإرادة.

إذا ستكون أداتنا المختبرية هنا هي “الحديث الذاتي

اختار سناي مجموعة من المتطوعية ليعملوا على إيجاد عدد من الجناس الناقص فمثلا (ساق) يجانسها (مساق)، أو (sauce=cause).

ولكن قبل بدأ الاختبار ببضع دقائق طلب سناي من نصف المتطوعين أن يفكروا بطريقة التساؤل والتسليم.
هل أنا قادر على إتمام جميع الكلمات، أم فقط سأتم بعضها؟

بينما النصف الآخر جعلهم متأكدين للغاية على حقيقة أنهم سيتمون المهمة على أكمل وجه.

الفرق رقيق نعم، ولكنه واضح، الفريق الأول كان يضع أفكاره بشكل أساسي في وضع التسليم والتفويض الذي يرفع معنى الاعتماد والقهر النفسي للفعل، بينما كان الأخير يعتمد على نفسه وإرادته فقط.

جاءت النتائج مثيرة، فالأشخاص ذوو العقول التسليمية أكملوا عددًا أكبر من الجناس الناجح مقارنة بأولئك الذين لديهم عقول معتمدة. بمعنى آخر، كان الأشخاص الذين أبقوا عقولهم منفتحة أكثر توجهًا نحو الهدف وأكثر تحفزًا من أولئك الذين أكدواعلى هدفهم لأنفسهم.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.