تأخذك إلى أعماق الفكر

الحقيقة والمعنى-نظرة على أهم ثنائي في تاريخ الفلسفة التحليلية

يسعى هذا المقال إلى تقديم إطلالةٍ سريعةٍ ومقتضَبة حول زوجٍ من المفاهيم التي، ربما، تشكِّلُ أهمَّ ثنائيّ في تاريخ الفلسفة التحليليّة وهما مفهوما الحقيقة والمعنى.

ارتبط المفهومان مع المنعطفين المركزيَّين اللذين شكّلا تاريخ الفلسفة التحليليّة، المنطعف المنطقي والذي بدأ مع نشأة الفلسفة التحليليّة مع أعمال غوتلب فريجة وبراتراند راسل ولاحقًا التجريبيّة المنطقية لحلقة فيينا ويتمركز حول مفهوم الحقيقة، والمنعطف اللغوي الذي ارتبط بأعمال فيتجنشتاين وحلقة فيينا ويتمركز حول المعنى. يهدف هذا العرض إلى تقديم نظرة عامة إلى الإطار والإشكاليات المرتبطة بالتفكير في هذا الزوج، الحقيقة والمعنى، والرهانات التي تحكمه دون الدخول في التفاصيل وهي موضوع متشعب وواسع بشكل كبير.

يُقدِّم مفهوما الحقيقة والمعنى ثنائيًّا متداخلًا، بحيث يصعب فصلهما عن بعضهما البعض، الأمر الذي نلاحظه في العديد من التجارِب اليوميّة. فكثيرًا ما يظهر خلال النقاشات العادية بأنَّ الخلاف حول قضية معينة لم يكنْ حول صدق القضية نفسها، بل على فهمها (المعنى الذي نضفيه عليها). فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما نُدرك أنَّ الخِلافَ حول هل الاشتراكية أمرٌ جيدٌ أم سيء ينته إلى أن يكون خلافًا حول معنى الاشتراكية نفسه، أو خلافًا حول كون سلوك ما عادل، ينتهي إلى كونه تباينًا حول معنى العدالة.

هنا، يمكن القول أنّ ما يظهر وكأنه تباينًا بصدد صدق قضية ما، قد يكون في الأساس تباينًا حول معنى هذه القضية (ومعنى الكلمات التي تشكل فحوى هذه القضية). والعكس صحيح، فتحديد معنى مفهوم ما يتحدد بقدرتنا على استخدام هذا المفهوم بشكل صحيح، فنحن نعرف أن الطفلَ قد يتعلّم معنى كلمة “أحمر” عندما يظهر قدرته على استخدام الكلمة في عبارات صحيحة، مشيرًا إلى الأشياء التي لونها أحمر وهو يقول أحمر. بتعبير آخر، إنّ ما يدل على معرفة المعنى هو القدرة على الاستخدام الصحيح الذي يحيل بدوره إلى القدرة على استخدام المفهوم في قضايا صحيحة، الأمر الذي يعيدنا إلى مفهوم الحقيقة.

هنا يظهر الارتباط الدائري بين مفهومي الحقيقة والمعنى، فلكي نستطيع أن نحدِّدَ صحة قضية ما أو خطئِها (مثلما نفعل في النقاشات) فعلينا أولًا تحديد معنى المفاهيم، ولكن معرفتنا بمعنى المفاهيم يتحدد بدوره باستخدامها بشكل صحيح.

لهذا فإن مفهوم الحقيقة يحيلنا إلى مفهوم المعنى، والأخير يُعيدنا بدوره إلى مفهوم الحقيقة، بما يُظهر الارتباط والتداخل بين هذين المفهومين.

هذا الارتباط المتبادل بين المفهومين يحيلنا إلى عدة إشكاليات،تتمثل الأولى بأنّ فهم كل مفهوم يفترض الآخر بوصفه معطى أوليِّ وواضح (أقلّه قياسًا إلى الآخر)، الأمر الذي يضعنا في مواجهة براهين واستدلالات دائرية أو يفرض علينا خيارات يصعب الاتفاق عليها، مثل الاختيار بين المعنى والحقيقة، أيهما نعتبره مفهومًا أوليًّا وواضحًا قياسًا بالآخر. إشكالية أخرى ترتبط بالمعرفة والعلم ويمكن التدليل عليها بالشكل التالي، إذا كانت الحقيقة مرتبطة بالمعنى، فهذا يجعل منها نسبية بالنسبة إلى اللغة التي نتحدثها والتي تحدد معاني الكلمات المستخدمة، بحيث كل تحوير في المعنى يؤدي إلى قيمة حقيقة مختلفة، وهكذا تصبح الحقيقة تابعة للغة (أو النظرية) التي تحدد لنا المعاني التي نضفيها على الكلمات. نجد هذا الاستدلال في أعمال توماس كون  (كون، 1992) وبول فايرآبند (Feyerabend, 2010).

إعلان

فكون يبرهن أن تصوراتنا ونظرياتنا العلمية مرتبطة بالنموذج الإرشادي الذي نستخدمه والذي يحدد معاني الكلمات، وبالتالي فإن نظريتان مختلفتان تنتميان إلى نموذجين إرشاديين متباينين لا تحملان المعنى نفسه حتى لو استخدمتا الكلمات نفسها، مثلًا مفهوم الكتلة في الميكانيك الكلاسيكية لنيوتن ومفهوم الكتلة في النظرية النسبية مختلفين وعليه لا يمكن مطابقتهما ببعض. فلا تُحيل النظريتان إلى الشيء نفسه حتى لو استخدمتا نفس الكلمات، وبهذا الشكل تكون النظريتان غير قابلتين للترجمة فيما بينهما (incommensurability) وعليه لا معنى للحديث عن أن إحداها صحيحة والأخرى خاطئة طالما أننا لا نستطيع ترجمتهما إلى بعض، فكل منهما تنتمي إلى عالم مختلف باختلاف المعاني التي تحملها مفاهيم كل نظرية. إن الانتقالَ من نموذجٍ إرشاديٍّ إلى آخر، بحسب كون، مرتبط بتحول المعنى الذي يُصيب المفاهيم التي تستخدمها النظرية، فيشكل النموذج الإرشاديّ عبر تحوّلات المعنى عالمًا آخر مغايرًا لعالم النموذج السابق.

وعليه فعندما نتحدث عن صدق نظرية أو خطئها، فإننا نَفعل هذا داخل النموذج الإرشادي نفسه وليس بين النماذج الإرشادية المختلفة؛ لأنّ النموذج الإرشادي يُثَبِت المعنى بما يتيح الحديث عن الحقيقة لاحقًا، بينما المعاني بين النماذج الإرشادية المتباينة مختلفة بحيث لا يمكن الترجمة فيما بينها وعليه لا يمكن لنا عندها الحديث عن الحقيقة.

إنّ النسبية المعرفية التي تحملها مثل هذه الأفكار تعتمد العلاقة المتداخلة بين الحقيقة والمعنى، حيث كل تحول بالمعنى يؤدي لا محالة إلى تحوّل في قيمة الحقيقة، وبما أن المعنى تاريخيّ (نسبي أو سياقي) ومتعلِّق باللغة، فبالتالي إن الحقيقة هي الأخرى متعلِّقة بالسياق واللغة. على العكس، فإن التراث الفلسفي الذي يقبل وجود حقائق أساسيّة، يتوجب عليه أن يُثبت وجود معاني أساسية واستمرارية في المعنى، فالمعنى بشكلٍ ما علاقة ضرورية بين الكلمات وما تُحيل إليه. ولكن وقبل المتابعة فلا بأس بالوقوف عند كل مفهوم على حدة.

الحقيقة

يمكن أن نتحدث عن مفهومين للحقيقة، الأول هو “الحقيقة” (The truth) التي تحيل إلى الحقيقة الشاملة الكلية النهائية، نوع من الحقيقة الميتافيزيقية التي طالما نسمع الفلاسفة أو الأنبياء وغيرهم يتحدثون عنها. ومن هنا نستطيع أن نرى الرهان الميتافيزيقي حول مفهوم الحقيقة. لكن بجانب هذا المفهوم يوجد مفهوم آخر هو “حقيقة” (truth)، حقيقة ما تقدمها نظرية أو قضية وهي التي تحيل لاحقًا إلى الوقائع (facts) . من الفكرة الثانية للحقيقة نصيغ عمومًا صفة “true” التي نعطيها للقضايا الصادقة.

هنا، تتجلى الحقيقة وكأنّها الكل المشكل من مجموع الاعتقادات الصحيحة. هنا لا بأس من مداخلة ترجمية، وهي أننا لا نستيطع بالعربية صياغة نعت من “الحقيقة”، فالصفة قد تكون “الحق” وهنا لا تكون الإحالة إلى الحقيقة، بل إلى الله “الحق” أو إلى نمط معين من العبارات مثل “هذا كلام حق” عندما نؤكد على موافقتنا لما قيل، الصفة الأخرى هي “حقيقي” ولكنها تحيل إلى “واقعي” فعندما نصف شيء بأنه حقيقي، فإننا نقصد أنه واقعي أو غير مزيف.

إن استخدام كلمة “حقيقة” والصفات المشتقة منها بالعربية أمر مثير للاهتمام وقد يكون مدخلًا لتأملات خاصة حول الحقيقة بالعربية، مثل الفصل بين مفهوم “الحقيقة” ومجموع الاعتقادات الصحيحة والتي قد نقاربها بشكل براغماتي، ولكنه ليس موضوعنا هنا. لهذا ولتعذُّر صياغة صفات من مفهوم الحقيقة، بالعربيّة، تصدق على الجمل، فقد تم استخدام صفات أخرى مثل صحيحة وخاطئة، أو صادقة وكاذبة، بمعنى اصطلاحي لتقابل true و false.

الحقيقة تحيل إلى مجموع القضايا الصادقة، عندها يُطرح السؤال التالي “ماذا نعني بالصادقة؟” أو بتحديد أكبر، إذا كانت لدينا مجموعة هي مجموعة القضايا الصادقة والتي تملك كل منها صفة الصدق، فماذا يعني أن نصف قضية أنها صادقة وبالتالي ما نفهم من “الحقيقة”؟

لشرح الفكرة بشكل أوضح، فنحن نقول مثلًا أنّ عبارة “السماء زرقاء” عبارة صادقة، ولنعط لعبارة “السماء زرقاء” رمزًا يدل عليها وهو (س) وعليه يمكن كتابة عبارة جديدة (“السماء زرقاء” صادقة) وبشكل مختصر، “س صادقة” ولنسمها ع. وهكذل يصبح لدينا عبارتين:

س: السماء زرقاء.

وس تكون صادقة عندما تكون السماء زرقاء، وعندها تكون لدينا عبارة أخرى ع: س صادقة.

كما يظهر من العبارة (س)، لدينا اسم يدل على شيء (السماء) وصفة هي الأزرق والمشتقة من اللون الأزرق والتي تحيل إلى مجموعة كل الأشياء التي لونها أزرق. إذا نقلنا المشابهة إلى الجملة (ع)، فنحن أيضًا لدينا اسم (العبارة س) وصفة هي صفة الصدق التي تحيل إلى الحقيقة، وإلى مجموعة كل العبارات الصادقة. وكما يمكن لنا أن نسأل عن معنى أزرق، ويكون الجواب أن اللون الأزرق هو الضوء بطول موجة يتراوح تقريبًا بين 450 و495 نانومتر. عندها يمكن، أيضًا، السؤال عما نعنيه بصادق وبالتالي الحقيقة بوصفها شيء/ خاصية تتمتع بها العبارات.

عند هذه النقطة يمكن القول أن لدينا معسكرين كبيرين حول الحقيقة، الأول يرى أن مفهوم الحقيقة والصدق لهما معنى خاص علينا توضيحه.

بتعبير آخر، العبارات تملك فعلًا خاصية الصدق ويجب علينا تبيان هذه الخاصيّة، وبالتالي تكون العبارتين (س) و(ع) مختلفتين وتامتي المعنى. المعسكر الآخر وهو الذي تعبر عنه النظرية الانكماشية للحقيقة (Deflationary theory of truth) والتي تقول بعدم وجود معنى خاص للحقيقة وأنها لا تعدو سوى الاتفاق. فمعنى قولي أنّ قضية ما صادقة لا يعني سوى أني أوافق على هذه القضية ولا شيء آخر. بالتالي العبارة (ع)  ليست عبارة تامة وهي مكافئة تمامًا ل (س). فالجمل لا تحمل خاصية فريدة اسمها الصدق أو الكذب التي علينا تفسيرها، وإضافة الصدق إلى العبارة كصفة ليس سوى تأكيد الموافقة على محتواها وليس أكثر.

بدوره المعسكر الأول، الذي يعتقد أن الصدق/الحقيقة خاصية للعبارات وتحتاج لإيضاح وليست شيئًا فارغًا، ينقسم إلى نظريات مختلفة حول معنى الحقيقة ولكن هناك نظريتان أساسيتان.

الأولى النظرية التوافقية حول الحقيقة (Correspondences theory of truth) وفكرتها الأساسية أن عبارة ما صادقة إذا كانت توافق ما تصفه، أي أن السماء زرقاء صادقة إذا كانت الحالة الموصوفة موافقة لمنطوق العبارة، أي أن السماء زرقاء. النظرية الأخرى هي النظرية الاتساقية حول الحقيقة (Coherence theory of truth) والتي تفهم الحقيقة بوصفها اتساق منطقي، أي أن عبارة تكون حقيقية كونها متسقة مع باقي اعتقاداتنا حول العالم.

بالطبع لكل نظرية حول الحقيقة معضلاتها وفضائِلها، ولكن ما يهم هو التمييز بين تصوُّرين أساسيّين، تصورٌ يرى الحقيقة شيء يجب فهمه لأنَّها تحيل إلى ماهيّة ما علينا استيعابها، وهو ما تحاوله نظرية التوافق (الحقيقة بدلالة التوافق) ونظرية الاتساق (الحقيقة بدلالة الاتساق)، في مقابل تصور أساسي آخر يرى أن الحقيقة لا تحيل إلى شيءٍ محدد، بل فارغة.

كل من نظرية التوافق والاتساق تستبطنان المعنى، فمثلًا فيما يخص نظرية التوافق يجب للعبارة أن تتوافق مع واقع حال ما تصفه، لكن الربط بين العبارة وما تصفه هو ما نقصده تحديدًا بالمعنى. أي مفهوم السماء يجب أن يحيل للسماء ومفهوم الزرقة إلى اللون الأزرق حتى يمكن أن نقابل بين العبارة وما تحيل إليه. لفهم استبطان المعنى بشكل أفضل لننظر إلى نظرية الدلالة حول الحقيقة، نظرية تارسكي. بداية نظرية تارسكي حول الحقيقة هي نظرية محايدة أنطولوجيًّا، فلا تقدم تعريف للحقيقة مثل النظريات السابقة التي تحاول تعريف الحقيقة، بل تقدم إطارًا للتعامل مع مفهوم الحقيقة منطقيًا والشروط الضرورية للغة بما يمكننا من استخدام مفهوم الحقيقة، وأيضًا تقدم آلية لاستخدام مفهوم الحقيقة ونسبته للعبارات.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: موريس عايق

تدقيق لغوي: فاطمة الملاح

تدقيق علمي: علي رضا، نهال أسامة

تعليقات
جاري التحميل...