الحقيقة الوحيدة في الحياة هي حتميةُ الموت: نظرة في كتاب «سفر الحزن» لرائد التفكيكية جاك دريدا

تُبنى كلّ صداقة على ثالوثٍ مقدّسٍ: الموت والخسارة والحَداد. وكتاب جاك دريدا «سِفرُ الحزن» وفيٌّ لعنوانه. هو كتابٌ آسر بمتنٍ يتألّف من أربعة عشر نصًّا يرثي فيها جاك دريدا أصدقاءه الراحلين. وعلى امتداد النصوص البصيرة الحكيمة؛ نرى فلسفته بما يختّص بأواصر العلاقات من صداقةٍ وولاء.

 في رثائي لكَ؛ أرثي نفسي:

بالنسبة لـ دريدا ينام الوفاء يدًا بيد مع تواضع قدراتنا الإنسانية وعجزنا أمام الموت في رحم كلّ علاقة صداقة.
يزعم “دريدا” أن الحداد على أنيسٍ راحل سيوقظ بالضرورة الصراعات الإشكالية لقضية « الوفاء». وذلك لأننا عندما نخسر صديقًا ما فإننا نخسر معه شيئًا من كينونتنا وذواتنا، ونخسر قطعةً من «جزيرتنا العاطفية» التي كانت مُحاطةً في يوم من الأيام ببحر عواطف هذا الصديق الراحل:

«لقد تدلّى العالم بأكمله في دمعةٍ فريدة؛ دمعة تعكس الغياب في كثافته. فالموت لا يسلبنا زاويةً من زوايا عالمنا أو لحظةً كانت تخصّنا في يومٍ من الأيام فحسب، وإنما يسلبنا في كلّ لحظة ودون رحمة شخصًا تجسّد لنا على صورة العالم أو بالأحرى على صورة عالمنا الخاص الذي أضحى الآن هشًّا دونه»

“تغرق مع الراحل قطعةٌ من روحنا؛ كينونةٌ كانت بالنسبة لنا هي العالم الأكبر أو العالم الأوحد. هذه اللحظة تغرق الآن في الهاوية!»

وفي رثائنا لرفاقنا الراحلين، نحن في الحقيقة نرثي جزءً من روحنا ومن عالمنا العاطفي. وفي ذلك ولاءٌ لصديقنا وخيانةٌ له على حدٍّ سواء. ينعكس هذا الصراع الحتمي للوفاء في حقيقة أن حدادي ليس على أنيسيَ الغائب وإنما هو حدادٌ على فكرتي عن صديقي في حضوره الذي يسكنني الآن بوصفه تجسيدًا للغياب.

ومن الواضح هنا تأثُّر دريدا بـ “فرويد” في نقاشه لفكرة أن الكينونة هي الأنا والآخر الذي يسكننا.

 جوهرُ الصداقة هو حتمية فقدانها:

في كتابه السابق «أسس الصداقة» وصف “جاك دريدا” ما يُسمّى بفِقه الرفقة. وهو ميثاقٌ يوجب أن أساس كلّ صداقة -منذ البداية- هو حتمية النهاية بموت أحد الرفيقين وبقاء الآخر ليرثي حاله من بعده. أو كما يصفها “دريدا” في كتابه «مذكرات بول دي مان»: «لا من صداقةٍ دون الوعي المُسبَق بحتمية النهاية»

إعلان

حتمية الفناء والرثاء جوهريان لكل علاقة صداقة. ويستعرض “دريدا” هذا الاستحقاق الوجودي بصورةٍ آسرة وشاعرية في كتابه سِفر الحزن:

«أن تحظى بصديق؛ بنعمة النظر إليه واحتضانه بعينيك يعني بالضرورة الوعي بصورةٍ مكثّفة ومؤلمة وإلحاحية بحقيقة وحتمية أن أحدكما سيشهد رحيل الآخر عن المشهد. يهمس كلٌّ منكما لنفسه: يومًا ما لن يرى أحدنا الآخر. ومع هذه الحقيقة تنبجس الدمعة الأبدية حدادًا على الراحلين وحزنًا على فراقهم حتى قبل الفراق»

«هذا هو الحزن الذي نتحضّر له ونتوقعه منذ البداية. ومنذ اللحظة الأولى، يغدو الصديق ناجيًا مُتخيَّلًا. يدرك الأصدقاء هذه الحقيقة وتتشبّع الصداقة بهذا الوعي حتى آخر نفس»

 اسمنا موتٌ مبكّر قائمٌ بحدّ ذاته:

لقد أضحت الأفكار الفاتنة التي طرحها “جاك دريدا” بما يختص بالترميز والإنابة في مفهوم فقه الصداقة، أضحت ميثاقًا للنجاة وفقهًا في الحزن. على سبيل المثال، يدّعي دريدا أن آلية النجاة بعد الخسارة تُختَصَر في طريقة استخدامنا لأسمائنا لكي تمثّلنا. فاسمنا يتخطّانا ويبقى من بعدنا بعد رحيلنا:

«يشير اسمنا إلى حتمية موتنا. يدفعنا اسمنا بسرعةٍ لا نهائية نحو النهاية، فهو اسم شخصٍ راحل؛ موتٌ مبكّر قائمٌ بحدّ ذاته»

«اسمنا إمضاءٌ لا يشير فحسب وإنما يهمس لنا على الدوام بحتمية الموت؛ حتمية موت حامل الاسم. اسمنا موتٌ يجيء قبل الموت!»

والمِثل يُقال عن أي شكلٍ من أشكال الكتابة أو الفن أو أي عملٍ إبداعي نخلقه ليمثّلنا ويلقي بعض الضوء على أنانا. جزءٌ ضئيل ينوب عن كليّتنا الإنسانية. فعندما أسمع باسمك أو أرى توقيعك أو أقرأ شيئًا من أعمالك الكتابية فأنا في خضم عملية فقدانٍ مستمرّة؛ فقدانك أنت.

 هايدغر وجدارة المرء بموته:

طوّع “دريدا” بشاعرية مفرطة الادّعاءات حول أن حتمية الفناء والحزن هي جوهر الصداقة (والحب أيضًا). ويرنّ في تحليله صدى الانتقادات الموجّهة لمفهوم “هايدغر” أحادي البعد في كتابه «الوجود والزمن» الذي ناقش فيه معنى «السلوك الأصيل» ذلك الذي يحتوي على المعنى بدل التنصل منه.

ويشتمل مفهوم هايدغر حول (كينونتنا في مواجهة الموت) على اعتراف الفرد دون مراوغة باحتمالية فنائه والنظر إليها بوصفها احتماليةً وجودية فريدة:
«في جوهره، موتي هو شأني الخاص. وأن يكون المرء جديرًا بموته هو مكون جوهري أنطولوجي من مكونات الموت بمعناه الوجودي»

ووضّح الناقد “سيمون كريتشلي” مقصَد “هايدغر” بالسمة غير التلازمية في تجربة الموت:

«أختلف مع هايدغر في مدعاه حول مفهوم اللاتلازم في الموت. وذلك بفكرة ارتباط الموت بشكلٍ أساسي مع محدوديتنا الإنسانية. أي أن الموت تجربةٌ ترتبط بادئ ذي بدء برحيل أو موت الآخر؛ ذلك الآخر الذي نرعاه ونحزن على فراقه بعد الموت»

«مردّ حزني هو جوهر تجربة المحدودية الإنسانية بحد ذاتها. فمحدودية الإنسان وحتمية فنائه يأتيان يدًا بيد ويؤلّفان معًا مفهومي عن الجثّة المادية التي ترقد الآن دون حراك والتي كانت عزيزة عليّ في ما مضى. وترخي فكرتي هذه ظلًّا كئيبًا في واحة النفس»

الموت والفقدان -وفقًا لهايدغر- حتميان ومتلازمان. وكلُّ متوَقَّع آتٍ في تجربة القلق الوجودي.
تمنحنا نصوص “دريدا” الشاعرية في تبسيطها وتصويرها لمفهوم الفقدان والحداد، تمنحنا مقاربةً ثريّة لأفكار فلسفية وآليات لإدراك حقيقة حتمية الفناء البشري ومدى محدوديتنا أمامها، والتصالح مع هذه الحقيقة.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: سِوار قوجه

اترك تعليقا