الحب بِوَصفهِ شُعور الروح بوحدتها الخاصَّة عند هيغل

« الحبُّ هو الوعي بوحدتي مع الآخر، حيثُ لا أكون في عزلةٍ أنانيّة لكنني أظفـرُ بوعي الـذاتي فقط على أنه إلغاءٌ لاستقلالي، ومِن خلال معرفتي لنفسي بوصفها وحدتي لذاتي مع الآخر أو وحدة الآخر معي.»

 يقدّمُ هيغل في هذهِ الفقرة إجابة عَن واحدٍ من أصعب الأسئلة التي أثارها أفلاطون مُنذ عصورٍ طويلة. وهوَ: ما سببُ الحب؟ ما الذي يَكمنُ خلف الحاجة والتعطشِ إليه؟ الحُب عِند هيغل هو التعـطّشُ والاتّحاد والإلحاح إلى الوحدةِ أو إلى وجودٍ أفضل مع شخصٍ آخر. وأنا أتخلى في هذه الوحدة عن استقلالي كموجودٍ أنـاني، كوجـودٍ فردي، وأشـارك شخصـًا آخـر الـوجـود في العالم. ويفترضُ هيغل، مثل أفلاطون، أنَّ الفرد بذاتهِ موجودٌ غير مكتمل، ومفتقرٌ إلى غيره. إنَّ المرء يعرفُ ويصبحُ بـالـضـرورةِ مُكتملًا من خلال شخصٍ آخر.

وعلى الرغم من أنَّ هيغل ناقش هـذا المـوضـوع بالتفصيل في شذراتهِ المبكّرة، وفي فلسفة الروح الأولى؛ فإنه لم يغب عن باله الاِنتباهُ إليه في فلسفة الحقِّ حيث كتب يقول: «اللحظةُ الأولى في الحبّ هي ألا أريد أن أكون شخصًا مُستقلًا قائمًا بذاتهِ، ولو كنتُ كذلك لشعرتُ بنقصٍ وعدم اكتمال. أما اللحظة الثانية في الحب فهي أن أجد نفسي في شخصٍ آخر، وأساوي شيئًا عنـد شخصٍ آخر، في حين أن الآخـر بدورهِ يساوي شيئًا عندي.».

يَذهبُ هيغل إلى أن الحُبَّ هو ما يُحيل الإثنين إلى واحد دون أن يقضي مع ذلك على الازدواج والثُنائيّة. وكانت حجّتهُ في ذلك أنَّ الحُب يَعلو بطبيعتهِ على مقولاتِ الموضوعية ويحقّقُ بالفعل ماهيّة الحياة عن طريق استبقائه للاختلافِ داخل الوحدة. ثُمَّ فالحب هو أعظم أنواع التناقض جميعًا، ولا يستطيعُ الفهمُ حلَّ هذا التناقض، ما دام أنه لا يوجدُ شيء فيه عناد أكثر من الوعي الذاتي الذي تمَّ سلبهُ. ومع ذلك ينبغي عليَّ أن أمتلكه عندي بوصفهِ إيجابًا.»

والحبُّ هو، في آنٍ معًا، الحلُّ والشـرح لهـذا التناقض. والحبُّ بوصفه حلًّا هـو وحـدة ذات نمطٍ أخلاقي. 

وعلينا هنا أن نسوق ملاحظتين:

إعلان

( 1 ) الحبّ شعـورٌ مركبٌ ويقاوم ثراؤه أي ترابطٍ تصوّري أو استدلالي ومع ذلك فهو حاجةٌ أساسية ومطلبٌ جوهري في الطبيعة البشرية. إنه يكمنُ خلف طبيعتنا الحسية والمعرفية والعاطفية، وربما كـان المصدر الأساسي لانفعالاتنا الطاغية والمحرّك لبلوغ مكاسبٍ عليـا في الحياة البشرية.

( ۲ ) لمّا كان الحب صرخـةً للاتحاد ونداءً للوحـدة مع الآخر، فإنه بذلك يحققُ النوع الأساسي من الحرية وأعني به الحرية الاجتماعية. كيف يحدث ذلك؟ بناءً على أن «الاجتماعية» تعتمد على «المعيـة» ـ « الحيـاة مـع » أو الـوجـود مـع شخصٍ آخر، أو مشاركة شخص آخر في وجودهِ لا بطريقةٍ خارجية على نحو ما يحدث في المجتمع المدني، وإنما بطريقةٍ داخلية على نحو ما يحدثُ في المستوى الروحي.

إنني في الحبِّ أجعلُ وجود الآخـر ممتعًا لي بينما يكون وجودي ممتعًا تمامًا كذلك للآخر، كما أنني أكون على وعيٍ بهذا التداخل المتبادل الذي ينبثقُ فيهِ نوعٌ ثالث من الوعي، وهـو الوعي الذي يجمعُ وعيي ووعي الآخر في وحدةٍ عُليا يتّحدُ فيهـا الطرفان لكنهما مع ذلك يحافظان على فرديتها، بل أن هذهِ الفردية في الواقع لا تبلغُ غايتها ـ على مستوى الوجود أو الشعـور ـ إلا في هذا النوع الثالث من الوعي أو الاتحاد وبذلك تتحققُ الحرية، لأن معنى أن تكون حرًا هو -كما سبق أن رأينا- أن توجد كفرد، أو كوعي  ذاتي، أو كوجودٍ يحدّدُ نفسه بنفسه. وذلك يعني أن تُوجد بذاتك ولذاتك: وفي الحُب يتحققُ هذا النمط من الوجود من خلال الآخر.

«أناشدُ كُّل مَن يُحبني أن يُحبَّ وحدتي.»

راينر ماريا ريلكه

يكون وعي الحُبِّ وعيًا حسّاسًا نشطًا يعيشُ فيهِ كل منهما وجود الآخر كما يَعيشُ وعي الآخر. وعلى الرغمِ من أنهما واحد بمعنى أنَّ كلّاً منهما يعيشُ في الآخر ومن خلاله، فإن كلَّ شريكٍ هو كائنٌ حي، أعني فردًا، فوحدتهما لا تُحطّم الفرديّة بل تُحافظ عليها، وعلى وجهِ الدّقة لأنّ كُلَّ مُحبٍ يُسلّم نفسهُ للآخر بوصفهِ فردًا، فإن الرابطة التيّ تقوم بينهما تكونُ مُقدّسة ولا يُمكن أن تهبط إلى مرتبةِ العقود. لذلك الحُبُّ في جوهرهِ وحدةٌ، وحدةٌ داخلية وميلٌ وجداني. يُفهم الحبُّ بموجبِ ذلك، وفقًا للصيغة الهيغلية بـ «كون الذات نفسها في غريب».

فالوحدة بتعبير أوكتافيو باث هي العمق الأخير للشرط الإنساني. الإنسان، هو الكائن الوحيد الذي يشعرُ بالوحدة والذي يبحثُ عن الآخر.

“يلغي الحبُّ كلَّ تعارضٍ، ومن هنا يفلتُ الحبُّ من مجال العقل. إنه يجعلُ الموضوعيّة عدمًا وخواءً، ومن هنا يمضي إلى ما وراء التأمّل. في الحبِّ تكتشف الحياة ذاتها في ذاتها خاليةً من أيِّ نقص”.

فريدريش هيـغل

يَرفضُ هيغل النظرة التي تعزو الحُبَّ إلى الغريزة، ويَصفها بأنها ساذجة تمامًا. لأنها تَردُّ الإنسان إلى موضوعٍ طبيعي، موضوع يُحرّكه دافعٌ طبيعيّ أو غريزيّ. لكن الإنسان وجودٌ روحيّ، ومن ثُمَّ فإن الرابطة التي تربطُ بين موجودين بشريين من أجلِ وجودٍ مُتبادل وخلق حياة وتنميتها لا بدّ أن تكون رابطة روحية. إنها لا بدّ أن تعكس وتُجسّد مطالب روحية عُليا في الطبيعة البشرية. ولكن يُشير كذلك إلى أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الحُبِّ على أنه منفصلٌ عن الجنس أو الجانب البدني. إنَّ محاولة أبعاد الحُبِّ عن حياة الروح كما لو أنَّ الروح لا توجد إلا مُنفصلةً بذاتها عن البدن هي محاولة خاطئة. عندما يصفُ هيغل الحب بكونه رابطة روحية لا يَقصدُ بذلك إنكار الأساس الماديّ وحتى السيكولوجيّ. فالرغبة الجسدية لها مكانها لكنها تكتسبُ داخل هذهِ الدائرة طابعًا روحيًا. 

” إنَّ الحُب هو الحياة حين تكون في كامل امتلائها وفي تطابقها مع نفسها”.

يصبحُ الحب، استنادًا إلى هيغل، اكتشافًا لوحدة الحياة. إنَّ الحُب بوصفهِ نشاطًا حسيًّا وروحيًا ينبغي أن يتم في جوٍّ من التفكير النقدي المُتعالي، والبحث المفتوح، والوجدان والشعور والخيال، باِختصار في جوٍ يؤدي إلى الوجودِ الخلّاق والتحقّق الذاتي، خاليًا من التبلّدِ الروحي والفيزيقيّ.

المصادر: 

هيغل والديمقراطية/ ميشيل متياس

هيغل أو المثالية المُطلقة/ أبراهيم زكريا 

المؤلفات الكاملة، هيغل/ ترجمة أمام عبد الفتاح أمام

أصول فلسفة الحق، هيغل/ ترجمة أمام عبد الفتاح أمام

متاهة الوحدة/ أوكتافيو باث

إعلان

اترك تعليقا