تأخذك إلى أعماق الفكر

البدانة .. حين تنطِقُ بلسانِ حالِ أهلها!

أنْ تكون منتميًا لِذوي الوزن الزائد، فإنّه ليس بالهيّن أن تنظر إلى نفسك بعينِ الرضا!

في مقابلة لـ اينا ميلر مع ميليسا في ساعة للمرأة على راديو “بي بي سي-BBC”

تقول ميليسا: في الوقتِ الذي يناشد فيه البعض باستخدام بدائلَ لكلمة “بدين” ذوات وقعٍ ألطفُ من غيرها على أصحابها أو استصلاحها لتكونَ أمرًا إيجابيًا، أدركتُ أنّي أنتمي لحروفِ هذه الكلمة وتمنيتُ لو لم أكُن، لكنَّ الأوان قد فات!

ما يُخيفُني حقًا، رؤية الناس لطبقات الشحوم المتكدّسة في جسدي قبل أن يروننَي كميليسا! الأمر أشبه بأن تكون كفيلٍ يحاصرهُ جمعٌ غفيرٌ، وأعينُ الجميع تترصّدهُ. المضحك المبكِي، أنّني بينما أقفُ أتحدّث للناس في شيءٍ بخصوص عملي، أحاول نفيَ الحقيقة بحجّة العمل، فلطالما ردّدتُ على مسامعهم أنّ عملي مُرهقٌ للغاية، فقبل أسبوع كنتُ أرتدي مقاس 12 لكن انظروا لما أنا عليه الآن!

ولا أدري لِمَ عليّ فعل هذا! ولِمَ عليّ أن أنكِرَ ما أنا عليه؟ وثم لمِاذا يتوجب علي استخدام طرق مقرفة كهذه ليفِرّوا بأعينِهم عن حجم طبقات جلدي؟ ألِأنّني إمرأةٌ تكتسيها الدهون لكنّها قويّة؟ أهذهِ قوّة؟ ما أعرِفه أنني أستطيع تقبّل فكرة كوني بدينة، ولا يتوجّب عليّ أن أصف نفسي بفتاةٍ ذات مظهرٍ يشبه الساعة الرملية؛ كأنني أَمتَدحني في هذا أو كأنّ الناس يتقبّلونه أكثر!

وما أجدهُ يصِفُني تمامًا، هو أنّ جسمي سلسلة من الكتل والطبقات اللامتناهية، حيث لا أظن منطقةً من جسمي لا تملَؤها الدهون الكثيرة المتراكمة، عدا يدايّ الشيء الصغير في جسمي كلّه، حتى وجهي يبدو كدائرةٍ كبيرة تتوزّع فيها بقية الأعضاء، أشعر وكأنّي أمتلك بطونٌ عِدّة تبانُ عليها علامات التمدد الجلديّ وكأنه جلد ممزق!

تبدو العلاقة بيننا وبين الناس كالساعة يحدّقون بنا، فيصفونني وأمثالي بما تجود عليهم أنفسهم من أشكالِ الإهانات والسخرية والمضايقات، نُوصَفُ بالعاجزين تارةً، وبالمقرفين والكسالى تارةً أخرى والقائمة تطول. وبالرغمِ من أنّ البعض يَروننا أشخاصًا طيبين ويحيّوننا على كوننا هكذا، لكنّ شيء كهذه هو أكثر ما يشعرني بالإحتقار والأذى، حيث أنّ شيئًا لم يتغير فبدانتي لم تذهب بكلامهم الطيب.

إعلان

دائِمًا ما أتساءل عن سبب فعلي لبعض الأشياء، كالخيريّة منها أو تعاملي الحَسن مع الناس أو أن أجعل منّي مديرةً ناجحة أو صديقة جيّدة أو ابنَةً طيّبة، أكُـلُّ هذا فقط لِأُثبِت نفسِي في العالم كما أنا؟ كامرأة سمراء؛ ففكرة سمنتي مقبولة ورائجة، ولطالما واسيتُ نفسي بأنّني طريفة، ومعتمدة على نفسي، وأملك الكثير من الأصدقاء. تمامًا كما هي الصورة النمطية المعتادة لكثير من النساء البدينات.

دائِمًا أتفهم سؤال الناس لي، ميليسا كيف أصبحتِ هكذا؟ والإجابة بسيطةٌ بالنسبة لي؛ فخليطٌ من عدم السيطرة وقلّة ثقةٍ وحبٍّ لنفسي، الأمر الذي أوصلني لهنا وما كنتُ لِأصل لو أوليتُ نفسي بعضًا من الاهتمام والتقدير. يقول أصدقائي أنّي لا ألحظُ نفسي، فخزائن مطبخي ممتلئة بالمنتجات الجيّدة ومرطبانات المخللّ تُزاحم بعضها داخل الرفوف والكثير من زجاجات الشمبانيا والتوابل والبهارات الحارّة. ربّما لو لم أكن بدينةً اليوم، لكنتُ أُدعَى بخبيرة تذوّقِ الطعام، فببساطة أنا مولَـعةٌ بالطعام، وولعي بهِ لم يقتصر على مطبخي فحسب، بل انتقل لمكتبي في العمل ليصبح مكانًا آخر لتخزين وحشو الأطعمة، خوفًا من أن ينفد الطعام منّي، فمكتبي الآن مكوّن من ثلاجة وزجاجات نبيذ، ومقرمشات إضافة لبعض الوجبات الخفيفة، وشراب الشعير، وغيرها الكثير…

ومن فرط شرائي للطعام حينما أذهبُ للتسوّق، أفكِّر لوهلة ما إذا كان هناك عائلة تسكن معي وأشتري لها كلّ هذا. ومن المحزِن أن تربطك علاقة مريحة وغريبة مع الطعام في ذات الوقت، بعيدًا عن أي علاقات أخرى يمكنك تكوينها في هذا العالم. أستَغرِقُ حوالي 2 إلى 3 ساعات يوميًا داخل السيّارة للتنقّل، وأكره فكرة أن أحسب عدد خطواتي فربما لا تتجاوز 100 خطوة أو أقلّ خلال اليوم، حيث أقضيه بين الجلوس في السيّارة ثمّ الجلوس في مكتبي طوال اليوم. بالإضافة لما أُعانيه من هشاشة العظام وصعوبات أخرى تقلّل حركتي وتزيد نهمي في الطعام. وعادةً ما أسمع الأشخاص من حولي يقولون كأنّني أحفِر قبري بملعقة، دلالةً على كثرة تناولي للطعام.

كُنت قد مارستُ السباحة فيما قبل- حين كنتُ أنحف من الآن، أنحف بكثير- ولكنّي توقّفتُ عنها. أذكُر في فترة المراهقة، كنت في علاقةٍ عدائيّةٍ مع الأكل، فكانت أُمّي لا تريدُني، أعْني أنّها كانت لا تُريدُ أن أعاني ما عانته هي وشقيقتايّ اللواتي وصَلن إلى حدٍ من البدانة لا يطَاق، ثمّ ها هي بدانتي أصبحت حقيقة. معظم الوقت تردّد عليّ عائلتي، وأصدقائي، وأطبّائي “اخسري بعض الوزن فقط يا ميليسا”! أعلمُ أنّ هذه العملية ليست بصنعةِ صاروخ، كلّ ما في الأمر سعرات حراريّة أقل، ويحرِق الجسم من مخزونه الدهنيّ، ولكن ألا يتطلب هذا جهدًا منّي، ألا يعني أنّ عليَّ أن أُثابر وأُواصِل تشجيع نفسي؟ ولكنّه يراودني أحيانًا شعورٌ بأنّي أستطيع فعل ذلك وأحيانًا أخرى أقفُ عاجِزةً، وللصراحة لا أحِبّ أن أُجْبَرَ على شيء. ولِمَ لا يستطيعون تقبّلي كما أنا؟

عادةً ما ينظُر الناس إليّ كمثال يتوجّب عليهم ألّا يصلوا إليه، ما أعنيه أنّي رمز الخوف بالنسبة لهم. فهم لا يريدون أن يصلوا لما وصلتُ إليه، فكلّما شاهدوني تذكّروا أنّ عليهم ضبط أنفسهم وأنّهم عقلانين وبذكائِهم لن يصلوا لمرحلتي هذهِ. عذرًا؟ لقد كنت مثل أحجامِكم يومًا ما! بعض الأحيان التي أنظرُ فيها لنفسي بالمرآة وأراني أبدو رائعة، هذه الأوقات التي أتذكّر فيها أنّ هذه السُمنة هي جمال! وربّما قوّة أيضًا، في وقتٍ ربّما يوجِّه لي أحدهم شيئًا ليخِدشني به فأكون مضادةً له. تمامًا وكأنّ بدانتي درعٌ لي أحياناً وكأنّها كفنٌ ألتفُّ بهِ أحياناً أخرى.

لم أقل كلّ ما سبق لتنظروا لي بعطف أو لِأُثير شفقتكم، فقط وددت قوله  للناس ليعرِفوا كيف للبدانة أن تكون فرصة عظيمة تدفعني لأفعل شيء حيالها. فقد بدأت بوضع خطّة أتّبِعُها بهدوء لِأصِل لمقاس 14 أو 16 والذي أظنه مناسب لي.

أنا لا أريد النمطيّة والاعتياديّة- أن أكون ممشوقة ورشيقة- فالأمور المعتادة ممِلّة.

أُريد فقط أن أكون أفضل نسخة من نفسِي. ولماذا لا؟

ترجمة: فاطمة الملّاح

تدقيق: راغب بكريش

إعلان

مصدر المصدر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.