تأخذك إلى أعماق الفكر

الاحتياج إلى أنيسٍ نألفه في العزلات

نظرةٌ نفسيّة للعزلة.

التجربةُ الجديدة التي تقدّمُها جائحةُ كورونا بشكلٍ عام، والحجر المنزليّ بشكلٍ خاص تعدُّ نقطة انطلاق لمداخل كثيرة فيما يخصّ هذا الشأن، حيث يعايش الأفراد فيها تجاربًا فرعيّةً متعّددة من حيث وزنها النفسيّ عليهم، ووقعها على فكرتهم حول أوقاتِ الفراغ لديهم، ممّا انعكس بدوره على النشاطات الممارسة، والمسؤوليات الواقعة على الفرد. ويسبق ذلك كلّه ما لها من أثر في إطالةِ ساعاتِ اليومِ بشكلٍ تصبح الحاجة فيه لوجود أنيسٍ يشاطِر جزءًا كبيرًا من هذا الوقت أمرًا ليس عليه خِلاف. فباللحظةِ التي تبدأ التزامات الحياة بسحب الإنسان إلى جوفِها، حتّى يتسرّب من بين يديه حظّه من التواصلات الاجتماعيّة؛ فتقلُّ، حتى تفرُغ أعمالُه، لتعاود تلك التواصلات الحضور بكثافةٍ مرَةً أخرى. التواصلات التي تعدّ بدورها هامّة ليس فقط من منظورِ ما تقتضيه المصلحة العامّة للمجتمع، بل حتّى التركيب النفسيّ للإنسان يروي ظمأه للدعم النفسيّ من منابعِ التواصلات الاجتماعيّة، فيعبّر “لويس ولبيرت” في كتابه: “الحزن الخبيث؛ تشريح الاكتئاب” عن ذلك، فيقول:

يبدو أن أولئك الذين يحتلون موقعًا في أسفل السلم الاجتماعي معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالاكتئاب. ويعلق بعض الباحثين على ذلك بقولهم: “إن الاضطراباتِ الاكتئابيةَ ما هي إلا انعكاسٌ مباشر للبيئة الاجتماعية للشخص في الماضي والحاضر، إذ يعتمد تأثير الخطوب في الشخص على مدى الرعاية والدعم والمساندة التي لقيها في أثناء مواجهته للخطب، وهو ما نسمّيه، الدعمَ الاجتماعي.

وبما أنّ أبرز ملامحِ هذه الجائحة متمثّلٌ في فرض الحجر المنزليّ على الجميع، إذًا فذلك الحضور المتجدّد لعددٍ كبيرٍ من الأفراد معًا، يأخذ منحناه للأسفل، ما يعني أنّ الأمرَ بمثابة سدّ إحدى المنافذ التي تمرّر وقع المسؤولياتِ بشكلٍ لطيفٍ على الإنسان في نهاية يومٍ ممتلئ بالعمل. وتبعًا لذلك، فمن المؤكّد أن تعايش الأكثريّة خبرةً ليست بالمؤقّتة، ألا وهي “الحاجة للأنسِ، ولوجود الآخر“، حيث أصبح معظم الأفراد لا يحتملون ساعتين متواصلتين يعيشونها بمفردهم كليًّا، كما أنّهم لا يحتملون أبدًا أن يقرّروا على أنفسهم الانسحاب الاجتماعيّ من خضمِّ الحياة والاستقرار على أطرافها، كما كانوا يفعلون في فترةٍ سابقةٍ لهذه، عندما كانت عجَلَة الحياةِ تدورُ بسرعةٍ وسط الانشغالات اليوميّة.

إذًا، لماذا ينشأ هذا القدر من الحاجة للأنسِ بشكلٍ متزامنٍ مع معايشة الفرد لفتراتٍ طويلةٍ من العزلة؟

يخبرنا إبراهام ماسلو (عالم النفس الأمريكي) من خلال نظرته حول الاحتياجات البشريّة والتي مثّلها لنا في شكلٍ هرميٍ، إن الاحتياج الإنسانيّ يتدرّج بدءًا بالحاجات الفطريّة، انتهاءً بتحقيق الذات. ومرورًا على هذا الهرم تترتّب احتياجات الإنسان على مستوياتٍ خمس. وما يهمّنا في حديثنا هذا هو أن نقف على السلّم الثالث فيه والذي يتمثّل في (الحاجات الاجتماعيّة) ولا مانع إذا ألقينا في طريقنا نظرةً خاطفةً على السلم الذي يسبقه وهو (الحاجة للأمان) لنظرةٍ أكثر إيضاحًا.

إنّ واحدة من الاحتياجات المتأصّلة في الكائن البشريّ تعتمد في إشباعها بشكلٍّ أساسي على وجود آخرٍ يقاسم الفرد يومه؛ ليوضّح له الرسالة الخفيّة التي هي أساسٌ في بشريّته ككائنٍ غير كاملٍ، وبأنّه لولا وجوده لما نمت لديه الجوانب التي -على الأقل- يستطيع التعبيرَ بها عن نفسه، كاللغة مثلًا، والتي تحتاج حتّى تتطوّر عند الإنسان إلى تواصلٍ مستمرٍّ فعّال بدءًا من طفولته، حتى يكبُر فيستخدمها في بحثه عن المعنى الذي خُلق له، والغاية التي يسعى إليها. ولا تقف الحاجةُ إلى تلك المشاركة على أمرِ نموّ اللغةِ فقط، بل إنّه حتّى تستمرّ الحياةُ في سيرِها، لا سبيل لذلك بدون تلك المشاركات البسيطة بين شخصٍ وآخر.

إعلان

إذًا يبتدئ الأمرُ من حاجاتٍ أوليّة بسيطة، ثم تأخذ أشكالُها في التعقّد شيئًا فشيئًا، حتّى يصبح وجود الآخرين في حياتنا أمرًا نستعين به على تحقيق مطالبَ واحتياجاتٍ اجتماعيّة الصِبغة، وهو ما يوضّحه لنا ترتيب الاحتياجات في هرم ماسلو. فإذا تجاوزنا الاحتياجات الفطريّة في بدء الترتيب، ونظرنا بشكلٍ متعمّقٍ في الاحتياجات التي تليها، نجد أنّها لا تكتمل بدون وجود الآخر، وهو أمرٌ أساسيٌّ بالنسبة للكائن البشريّ.

وهذا يرسم لنا بداية الصّورة في تعلّق الإنسان بالآخرين، وحاجته المستمرّة لهم. فلنتخيّل إذًا شكل نفس الصّورة إذا ما اضطررنا لفترةٍ ما إلى عزلِ الأفراد بعضهم عن بعضهم، وتقليلِ حجم ومدّة التواصل فيما بينهم، وما لذلك من أثرٍ في توصيل رسالةٍ خفيّةٍ إلى نفسيّة الجماعات بأنّ عليها لفترةٍ تمتدّ أشهرًا إلى القفز سريعًا على سلّمات الهرم لتجاوز بعضها، آخذةً منها أقلّ القليل ممّا يمرّر ساعات اليوم. هنا يبدأ الإنسان -مع مرور الأيام- يحسُّ بأنّ شيئًا يُربك نموّه الاجتماعي، ويقلّل من لقاءاته مع أفرادٍ يشكّلون أساسًا في تفاعله، وجزءًا من تطوّره، فيزيد هذا من محاولات إيجاده فرصٍ ولو بسيطةً لاستمرار هذه اللقاءات، ومواصلة إشباع نصيبه من الحاجة للمحبّة والأمان متمثّلة في أحاديثٍ متبادلة، وتفاعلاتٍ متجدّدة.

سببٌ آخرٌ قد نُرجِع إليه ازدياد حاجة الفرد للأنسِ تزامنًا مع طول فترات عزلته، يمكن أن نفسّره من منظور ميل الإنسان إلى الاستقرار الذي يتمثّل في احتياجه للأمن وسعيه المستمرّ لإشباعه. فتلك الاستمراريّة في الوصول إلى الاستقرار تدفع الإنسان إلى اعتياد ذلك الوجود المستمرّ للوَقود الّذي يمرّر هذا الاحتياج ويدفعه نحو تحقيق الاتّزان النفسيّ، وبالتالي إذا حدث وأن تعطّل ذلك التدفّق المستمرّ للوقود الإنسانيّ، فإن ذلك يُشعِر الإنسانَ بأنَّ شيئًا على وَشَك تهديدِ ما اعتاد عليه، وردمِ شيءٍ من مصادر الطاقة المتبادلة بينه وبين من حوله؛ فينشأ بشكلٍ تدريجيّ خوفٌ من استمراريّة السير في هذا المنحى الجديد للبشريّة.

خوفٌ يجعل الإنسانَ في تطلُّعٍ دائم للعودة إلى ملامحَ سابقة لهذه التجربة الجديدة، آخذًا منها قيمةً واضحةً للوجود الإنسانيّ المجتَمِع. إذاً تبدو الصور التي تظهر جليّةً في تجارب العزلِ، تأكيدًا خفيًّا على قيمٍ تأكلها الحياة العاديّة للإنسان مع استمرارها، ويخفيها المرور الانسيابيّ للوقت، فتعاود الظهور شيئًا فشيئا كلّما هدأت الحركة، وتشكّلت المسافة بين الفردِ والآخر، حتّى إنَّ هذه الحدود التي تجدّد الحاجة للحريّة، تنطبق على مظاهرٍ مختلفةٍ من الحياة، تعمّم القانونَ شيئًا فشيئًا، حتّى تؤكد حاجةً أساسيّةً للإنسان، وهي وجود الآخر.

نرشح لك: التداوي بالطبيعة والعزلة في زمن الكورونا من منظور دافيد هنري ثورو

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.