الأخ والرفيقة الحوار العقيم

في جوٍّ ماطر يكاد لا ينتهي نتيجة سحب ملبدة وضبابية سوداء، مصحوبة بهبوب رياحٍ، تُرى من سماع صوتها، وتُسمع من بقايا مخلفات آثارها، وأمام هذا الجو العاصف والمتعكر، والذي يفرض بمقتضاه حظر التجوال بقوة الطبيعة، وغير بعيد عن سمات وخصوصية هذا الجو، يثير ناظرك في مكان ما أحد التكتلات البشرية مجتمعةً متلاحمةً متزاحمةً، تكاد تخلق جوًّ مغايرًا ومنافسًا بدرجات عن الضجيج الطبيعي، مما يصحابها من شحنات صوتية تتعالى بين الحين والآخر مختلفة الأحبال، خالقة بذلك موجات كهرومغناطسية قابلة للانفجار في أي وقت.

وما كان ذلك إلا مناظرة بطعم خاص، عنوانها: صراع فكري، منبتها: جذور تاريخية، مميزاتها: تتدحرج بين الثابت والمتغير، أبطالها: أحدهم ينتمي لتاء التأنيث التي تحارب النظرة الدونية التي تعتبرها دائمًا مكسورة، ظاهرها تجعل من كل عين إذا ما أبصرتها تطيل النظر، كيف لا ورفيقتنا حتى حروفي الأبجدية تعجز أن تتودد لجمالها في هذا المقام، فضلًا أني أخشى من القارئ أن يتهمني بالتحرش اللفظي، أما باطنها سنعرفه لا محالة .

أما بطلنا الثاني، صاحب القوامة عنوان، ملتحي الوجه، إذا ما رأيته تشم فيه روح التقاليد والأعراف؛ نتيجة الهندام الطويل التقليدي، أما وسامته تكاد لا تُرى؛ نتيجة وشاحه للكوفة المصحوبة بقبعته، أكتفي بهذا حتى لا أجعل القارئ يفكر أني أمارس الديماغوجية لنصرة الأخ الفاضل، أما باطنه هو الآخر سنعيه في مضامين الحوار على أية حال.

ومن خلال هذا العرس الفكري الذي لا أعرف كيف ستكون مخرجاته، كونه عرسًا ليس كباقي الأعراس، فهو مفعم ويحوي ما يحويه من المفاهيم ذات الوزن الثقيل من قبيل الأيديولوجية، والبرغماتية، والفكر، والثقافة، والتراث، والهوية، والخطاب الديني … والتي تجعل البطلين المحترمين كلًا منهما يدافع عن أطروحته وتزكيتها ونصرتها وإعلائها، ودحض ومجابهة ومواجهة ونقد الأطروحة المغايرة، وهذا أساس أي حوار مبدئي بينهما قبل الخوض فيه، نتيجة الأفكار الجاهزة والأحكام القيمة الواقفة، وهذا استئصال فكري وجذري لمنطق التوافقات الفكرية إذا ما صح التعبير، وبالتالي وفق هذا المنطلق فأي حوار تكون مخرجاته بين العمق والعقم، أو اعتباره كجنين مجهض في أبعد التقديرات حتى لا نتهم بالعدمية.

فجأةً زادت وتيرة المشاحنات بين أبطالنا نظرًا لمعرفة بعضهم البعض في إحدى المناسبات السابقة التي لا داعي لذكرها حماية لسر الكاتب، وما كان للفتيل الذي أشعلهما وهي قطرة الماء التي أفاضت الكأس تتجسد في طبيعة المكان الذي كان “مقهى ثقافي”، بعدما بث “صاحب المقهى” بتغيير إحدى القنوات، بطلب من الأخ ليتابع أحد برامجه في قناة مغايرة في الخط التحريري ولارتباطه الأيدولوجي المحافظ، ما إن غير صاحب المقهى القناة حتى استشاطت الرفيقة غضبًا، ولفتت بذلك انتباه كل الحاضرين ماعدا الكاتب، بعدما كانت تتابع بتركيز وإنصات إحدى برامجها بقناة تُحسب وتُعرف بأنها تتبنى أيدولوجية الحداثة والتنوير.

إعلان

فبدأت المشحنات تتزايد بين الأخ والرفيقة، كل يدافع عن برنامجه الخاص بطريقة هستيرية شبيهة بطفلين كل يدافع عن كوكبه الخاص وأفضليته عن غيره “بقناة سبيستون”، فجأة تدخل الكاتب وما كان عليه إلا أن يوجه كلامه خفيةً لصاحب المقهى بالقول: أطفئ التلفاز من أساسه. فسيبدأ برنامج على الهواء مباشرة، وما كان عليه أن يصغي ويتبنى كلام الكاتب الأحادي وغير الديمقراطي، أم أن الأمر كان يصب في صالح صاحب المقهى، سيما وأنه كان معروفًا ببخله رغم أنه صاحب الفضاء والشخص المتحكم فيه باعتباره صاحب السلطة والمال.

واشتعل بذلك الصراع واحتدم بين الرفيقة والأخ، وكانت أدبية أي أرضية للمرافعة هو أن كلًا يرى الآخر متهمًا، أما نحن قضاة المقهى رئاسة وواقفا، نحسن الإصغاء ومآلات الدفعات، فكلهم أبرياء في نظرنا حتى آخر أطوار المحاكمة، حينها سيكون منطوق الحكم ابتدائيًا .

أخذت الرفيقة الكلمة بالقوة، وليس بحكم طبيعة جنسها أو احترامًا لها، موجهةً أصابع الاتهام بكلامها صوب الأخ بالقول: ما معنى أن يكون المرء يا سادة غير مُحترِم للرأي المخالف، معناه أن هؤلاء المناصرين لهاته الأيديولوجية لا يؤمنون بحرية التعبير من أساسها، سيما وإن كانت تدق مضجعهم من قبيل مواضيع الطابوهات المسكوت عنها، لطالما اعتبرها هذا “التيار الإخونجي” خطوطًا حمراء، ولكوني أؤمن أن كل ألوان الطيف يمكن أن ترسم لنا لوحة فنية معبرة، فلن ولم أستغنِ عن استعمال اللون الأحمر بكل حرية. فالقول الصائب يا سادة أن أمثال هؤلاء يجهضون حق الاختلاف، فالفكرة السائدة بأدبياتهم الرجعية السلفية هي فكرة الوحدة والتماثل ومنطق الشيخ والمريد.

وعندما شعرت رفيقتنا الحسناء بسيطرتها على مداخلتها أردفت بالقول: عندما نفكر بأسلوب ما ونعبر عنه، فمن غير المعقول أن لا يتم الإنصات له، ففي أخر المطاف هو صوت، ولدَ من أحشائنا وترعرع، صوت يُراد منه الإصغاء لا الإقصاء، فكيف يعقل أن يُأخد مني حق الكلمة في زمن أصبح فيه إبداء الآراء فتنة ونشازً، ما هكذا تتطور الحضارات والأمم والشعوب، ألا تقولون في الاختلاف رحمة؟ أم فقط معي يكون الاختلاف نقمة، فالأحرى بنا أن نعي قضية في غاية الأهمية عندما نرافع في أحقية التعبير في كل تجلياتها نحن نعي ما نقول، ولن أسرد لك أيها ” الأخ ” الحماية القانونية لحرية الرأي والتعبير، لا على مستوى القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا حتى في التشريعات الوطنية، وإن كانت الأخيرة يعتريها نواقص أفرغت حمولة الحق بدوافع الخطوط الحمراء كما تتغنون بها بمرجعيتكم.

وأأكد لكل تيار يبتغى من مبدأ الإقصاء وإبادة الفكر المغاير المختلف وإخصائه، وتدجين ما هو مناقض أو مخالف أو معارض، أقول له ما قاله المرحوم علال الفاسي في مقاصد الشريعة: حرية الفكر، وللناس جميعًا الحق في أن يفكروا إزاء كل مسألة على الطريقة التي يختارونها وبالفكر الذي يريدونه، وليس لأحد أن يكرههم على اعتقاد مذهب فلسفي أو سياسي إذا كانوا لا يختارونه لأنفسهم، وكل من فعل ذلك فقد أخل بأعظم المقدسات.

وبمجرد سماع الأخ مصطلح المقدسات تدخل بدون شعور وأخذ حق الكلمة هو الآخر بالقوة، وقال: يا أختي، كلامك ظاهره ليس كباطنه تدعي وترافعي عن حق أنت في الأصل انتهكته -فقاطعته كقطع الحبل السري من المولود حتى لا يبقى متناثرًا- قائلة: اسحب كلمة أختي لن تمرر علي ديماغوجيتك وتداعب مشاعري برابط الأخوة والنزعة التدينية، وأنت تعي أنها مفعمة بحمولتها الأيدولوجية المتخلفة التي لا تشرفني، وما كان للأخ إلا أن يتبنى منطق إنا عكسنا بقوله: لم ولن أسحبها بل أكررها، أنت أختي في الإسلام هل ستنكرين ذلك؟ وكان دافع سؤاله ليحرجها ويقحمها، فتبسمت رفيقتنا ساخرةً، أتود بقولك هذا أن تقحمني بنقاش آخر مبررًا ذلك بالنزعة الدينية، نعم أنا مسلمة، ولكن مهلًا أي إسلام تقصد، إسلام السعودية، أم إسلام باكستان، أم إسلام إيران، شهادة حق للكاتب فعلًا اختنق أخونا، وعلق عليها بالقول: ذاك نقاش آخر فالإسلام واحد، ولكن الاختلاف هنا فيه موضوع آخر، واتسعت الإبتسامة الصفراء لرفيقتنا لتسجيلها هدفًا وإن كان بدافع التسلل.

وما إن سنحت الفرصة حتى أكمل الأخ كلمته -علمًا أنه لم يسحب كلمة اختي- مخاطبًا الرفيقة بالقول: لكي أكمل كلامي في حرية إبداء الرأي الذي بطبيعتكم احترمتوه عبر مقاطعتكم -ما علينا- كيف يعقل لعاقل أن يرافع على حق الاختلاف وحرية التعبير في كل تمظهراتها وأنت في مداخلتكم ظاهرها ليس كباطنها تدعي وترافعي عن حق أنت في الأصل انتهكته، كيف ذلك؟ قلتِ أني لا أؤمن بالرأي المخالف، وبالتالي فلم كل هذا الهرج والمرج كيف تعلي حقك في مشاهدة برنامج ما، وتفرضينه علي بطريقة مهينة، وترغميني على حسن الإصغاء مجبرًا مكرهًا، لو كنت فعلًا تؤمنين بالرأي المخالف لما أبديت معارضتك في تغيير القناة، فلست وحدك هاهنا، أم أن عليك تدجيني وإخصائي في حرية الاختلاف، وحال لسانك يقول في هذا المقال: اتبعوني أيها القطيع فإني لكم لحافظ أمين على فكركم بهذا البرنامج التنويري.

وأصدقكم أيها القراء أخونا تنفس الصعداء فرفيقتنا ذبلت ابتامستها الصفراء، واحمر وجهها وإن كنت شخصيًا ككاتب أحب الخدود الحمراء -ما علينا- عندها شعر الأخ بارتياح وترتيب أفكاره، وبهذا أطلق العنان للسانه بالقول: فالجهر بالحق وإعلائه لم يكن يومًا قاصرًا على الفلسفة العلمانية الغربية، فهو في الإسلام من حق كل مسلم -بل من أوجب واجباته- والمسلم مسؤول بل مطالب بأن يعبر عن رأيه وأفكاره من دون أن يخاف في الله لومة لائم، مصداقا لقوله تعالى “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه “، وفي قول آخر “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، وفي الحديث الشريف “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. ثم من منا لا يعرف قضية عمر بن الخطاب حينما استل أعرابي سيفه في وجه عمر قائلًا: لو لم تستقم يا عمر لقومناك بسيوفنا هذه. فرد عمر عليه: والله لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير في إن لم أسمعها” .

وأضاف الأخ ساخرًا أترين عندما أقول لك نحن الأصل في إحقاق الحقوق والإيمان باختلاف الآراء حتى ولو كان وليَّنا فما بالك بالعوام! وأختم بالقول: دعي عنك التفاخر بحقوق الإنسان وبثقافتهم فتلك مجرد ثقافة غربية يتم استلاب هويتنا وثقافتنا الخصوصية بها، دون الحديث أن بسببها كانت تبرر استعمار شعوبنا، ولن أطيل عليك في هذا الصدد إذا ما كنت متتبعة لأحداث الساحة الدولية ستعين ذلك. حتى أصدقك القول أيها القارئ لم أتمالك نفسي ككاتب فبمجرد ذكر هاته المنظومة تدخلت بدافع التخصص قائلًا في جوف كياني: ويْحَكم بل الويل لك ولها، احترموا أمواتنا قبل أن توقظنا من بحر العطالة، نحن كخرجين لهاته المنظومة أصبحنا بفضلها كأصحاب أهل الكهف، وإن كان ساستنا يطبلون لهذه المنظومة في نظمهم التعليمية، وتقاريرهم السنوية، وخطاباتهم الدوغمائية، وتشريعاتهم الجافة أمام مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وباقي المنظمات المتخصصة، فنحن أكبر الضحايا، فرجاءًا غيروا موضوع مرافعاتكم، فليس في صراعكم فقط موضوع حقوق الانسان، تحدثوا عن الديمقراطية وكفوا عن حقوق الانسان فهي أكبر منكم.

تخيل معي أيها القارئ رفيقتنا وكأنها سمعت صراخي في جوف كياني وقالت للأخ: لن أجادلك كثيرًا في أحقية وطبيعة حقوق الإنسان بين موروثكم الثقافي -وإن كان تعتريه مجموعة من التناقضات فالمقام هنا لا يسمح لذكرها- وبين الأسس الفكرية والفلسفية الغربية لثقافة حقوق الانسان التي أعطت روحًا متجددة لإنسانية الإنسان. ولكن المشكل ليس هنا فلو كانت ديمقراطيتنا تحترم نفسها لما أدخلتنا وأقحمتنا بمرجعيتين متنافرتين لا يمكن بالقطع أن تتعايشا ولن تتعايشا، فتارة تطبل للمنظومة الحقوقية، وتارة اخرى تقيدها بالموروث الثقافي وبدافع الخصوصية، وبالتالي المشكل ليس هنا، المشكل يكمن في أنه كيف لنظام سياسي أن يكون طرفًا محايدًا في ظل مجتمع يعيش تحولًا فكريًا، فضلًا عن تواجد الأقلية فيه في ظل أغلبية محافظة تمثلها نيابيا للدفاع عن مصالحها، والترافع عنها، والدفاع عن حقوقها سيما من خلال تشريعاتها التي -في أبعد الاحوال- ستكون في صالح الأغلبية ضد الأخرى، وفي نفس الوقت يجب على الكل الانحاء والاحترام لهاته التشريعات والقوانين. أترى معي المشكل مشكل ديمقراطي في أساسه، لا يحترم التحولات الفكرية المجتمعية ليس فقط في سلطته التشريعية بل حتى التنفيذية والقضائية، هاته الأخيرة في آخر المطاف تكون نصوصية حرفية ملزمة بتنزيل النص التشريعي لا أقل ولا أكثر .

وهذا النقاش يحيلنا بالسؤال والتساؤل هل نعيش في كنف الدولة المدنية أم الدولة الدينية، مهلك لا تقاطعني أيها الأخ، فأي إجابة تكون حاسمة، دعني أسهل عليك الأمر، ليس هناك إجماع على أي شعب أن ننسب إليه أنه الشعب المحافظ التقليدي، يتبنى موروثه الثقافي كما هو ويرضى بالعيش تحت عباءته، وإن كان عامته يدافعون على ذلك جهرًا، ففي خفيته هناك العجب العجاب، وعندما أقول الشعب هاهنا أخص بالذكر الشعوب العربية كافة.

كما أحيطك علمًا أيها الأخ، تطبلون دائمًا بشكل الدولة وطبيعة حكم وفق تصور ايديولوجيتكم للدولة الدينية، أحيلك لمقالة معنونة بنقد الفكر الديني لصاحبها سفيان ناشط حيث جاء في مضامين المقالة: بالرغم من أنه ليس هناك نص من القرآن أو السنة يلزم المسلمين بشكل من الحكم معين، ولا وجود لنص ينهاهم عن شكل من الحكم معين، المطلوب الوحيد هو الحكم بالعدل وبما أمر الله، ولكن دون أن يقتضي ذلك قيام نوع معين من الدولة، كون أن النص القرآني لم يأتِ بنظرية سياسية، إلا أن التاريخ أجبر المسلمين على الاجتهاد في أمور السياسة والدولة، ورغم ذلك لم يخلف لنا التاريخ في تفاعله مع النص ما يمكن تسميته “دستور الدولة الاسلامية”، وعليه فإن الإسلام قد جاء بمبادئ عامة للحكم، ولم يفرض نظامًا محددًا، لأن ذلك قابل للتطور بتطور الظروف الاجتماعية والسياسية، ويختلف باختلاف الحقب التاريخية وما يتطلبه ذلك من دور الدولة.

تدخل الأخ بعدما شعر أن عليه أن لا يطيل أمد هذا الحوار، فهو العالم بخبايا مثل هكذا نقاشات لما قد تؤديه مخرجاتها السلبية، لذلك كان جد دقيق في التعقيب والتعليق لما أبدته الرفيقة في مرافعتها ضده، وقال تتحدثين عن الديمقراطية وتدافعين أن أصل المشكل وهو مشكل ديمقراطي بإمتياز، لابأس بذلك فضلًا أننا نعرف كلنا أن ليس هناك ديمقراطية حقيقة بدون شعب واعي، وعندما أقول لك الوعي، أعي به النضج المعرفي والعلمي ثم الأخلاقي ومسألة القيم ثقافة وممارسة، وليس فقط عناوين وخطابات جوفاء، فهل نحن مجتمع ديمقراطي؟ وبالتالي هنا تسقط ديمقراطيتك وإن كانت توطد بالممارسة وتكتسب كما يقول المرحوم محمد عابد الجابري، لكن ليس معناه أن تأتي بثقافة الغربي بحمولاتها الفكرية والأدبية وطبيعة نظمها السياسية ومميزات طبائعها، وتسقطيها إسقاطًا على مجتمع مغاير تمام، وتفرضين عليه أن يحتكم ويحترم ذلك كما اعتبر ذلك محمد عابد الجابري نفسه.

وقبل أن ينهي مرافعته نظر في عيونها مباشرة -رغم أنه من بداية أطوار النقاش أبى أن ينظر إليها مباشرة- وقال لها: بالرغم من وقاحة لسانك إلا أنك فاتنة، وقد أحببتك صدقًا، فهل تقبلين أن تكون زوجتي الثانية؟ حينها يمكن أن أعرف لك معنى حرية التعبير في ظل منظومة حقوق الانسان بين الخصوصية والكوينة، وأريك شكل وطبيعة النظم السياسية، وتوازن سلطها في ظل الممارسة، وبالتالي سيكون لنا الوقت كافيًا للنقاش والصراع الحبي، وأنا مستعد إن أنت اقنعتني بأديولوجيتك سأتبناها جملة وتفصيلًا.

وما كان عليها إلا أن تصفعه على وجهه قبل أن ينهي معالم موقفه، قائلة: لئن بقيت لوحدي عازبة في هذه الدنيا البئيسة لن تمس خصلة من شعري، فما بالك بعرضك العفن أيها المختل الدعشوشي، الرجعي، الظلامي، لم يتمالك الأخ نفسه حتى أصبحت كل خصلات شعرها تحت حكمه وقبضة يديه، ينهال عليها بالرفس والركل، وتبادله هي الأخرى بنفس الشيء لكن كل ذلك تحت الحزام، وتعالت بهذا أصواتهم بصراخهم وصخبهم، وامتزج الضجيج الإنساني بالضجيج الطبيعي وكأن الجو تطاير منفجرًا في عبوة ناسفة.

لم يتمالك أحد الجالسين في المقهى نفسه، بعدما وصلت قنينة ماء إلى وجهه، وكان كل تركيزه النسبي في التسجيل بأحد مواقع القنصليات لمتابعة دراسته العليا وشيء من هذا القبيل، واستشاط غضبًا بهذا الفعل المشين، سيما وأنه لم ينهِ حتى إبريق شايه المر، وزادت المرارة أنه لم يكن يحمل مالًا لأداء الثمن، وما كان صاحبنا إلا الكاتب نفسه، وبهذه الحمولة توجه مباشرة لطرفي الصراع بالقول: هل هذا هو الحوار؟ هل يعقل أن يكون الحوار حوارًا ومخرجاته انتهت بهاته الطريقة؟ وتقولون نحن أصحاب فكر ومشروع، ما هكذا يكون الحوار أيها الأخ والرفيقة، بل هذا حوار عقيم. واستغل الكاتب فرصة الضوضاء والهرج المفتعل والمصطنع، وفر هاربًا دون أن يؤدي ثمن الخدمة لصاحب المقهى.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: سفيان ناشط

تدقيق لغوي: محمد جمال رياض

اترك تعليقا