تأخذك إلى أعماق الفكر

اكتساب اللغة -لا تصدّق ما يقوله ماوكلي (فتى الأدغال)

إذا رجعنا بك إلى طفولتك فمن المرجّح أنك ستذكر فيلم الكرتون الشهير “ماوكلي-فتى الأدغال” الذي يضيع في إحدى غابات الهند وتقوم مجموعة من الذئاب بتربيته. ممتع؟ بالطبع! سيكبر ماوكلي بطلاً تفخر به مملكة الحيوان ويعيش الجميع بحبّ وسلام حتى النهاية. إلا أنّ الواقع لن يكون بهذا الجمال لو حدثت هذه القصّة حقاً!
في هذا المقال سنعقّب على قصص شبيهة وندرس إمكانية اكتساب اللغة في حالات استثنائيّة كهذه.

ملاحظة: في هذا المقال، ننظر إلى القصص التالية من الناحية اللغوية فقط.

عام 1797، عثر فلاحون فرنسيون على فكتور “Victor” بعمر يقارب الثلاثة عشر عامًا في غابات فرنسا عاريًا وغير قادر على التواصل ولا التكلّم. كان الفيزيائيّ الشّابّ ايتارد “Itard” قد فُتن بالقصّة وعمل بجدّ لخمس سنين على تعليم فيكتور الكلام و اكتساب اللغة ، إلا أنّه فشل فشل ذريعًا، فقد كان فكتور يردّد الكلمات ولكنّه يعجز عن مناداة الأشياء بأسمائها إذا أرادها، ويعجز عن تعميم المصطلحات، فمثلاً، يعلّمه ايتارد أنّ ذلك الشيء المصنوع من الخشب ذا الأربعة أرجل والمركون بغرفة المعيشة يسمّى “طاولة”، فيعرف فكتور هذا، ولكن إذا رأى طاولة أخرى عند الجيران مثلاً أو بلون آخر فإنه لا يعمّم عليها اسم “طاولة”.

هذه ليست القصّة الوحيدة لفشل ما يعرف بـ الأطفال المتوحشون “Feral/wild children” بتعلّم اللغة، أو حتى الأطفال المعزولون “Isolated children”: مثل جيني “Genie” التي عزلها أبوها المضطرب في غرفة خلف البيت منذ طفولتها المبكرة ولعمر ال13 بعيداً عن أيّ اتصال مع العالم الخارجيّ، حتى تم اكتشاف الأمر والبدء بإعادة تأهيلها وتعليمها اللغة، والانتهاء بفشل ذريع أيضاً، إذ أنّ جيني أظهرت تقدّماً كبيراُ في تعلّم المفردات، ولكن عجزاً كاملاً عن إنشاء جُمل صحيحة نحويّاً. (ملاحظة: تمّ تعليم بعض الحيوانات اللغة الإنسانيّة، ولكنّها بقيت عاجزة عن اتباع القواعد النحويّة الخاصّة باللغة… لذلك اعتبرت جيني فاشلة في تعلم اللغة ، فالنحو مهمّ وهو علامة مميّزة بين لغة الإنسان والحيوان).

إعلان

وبعد، لم يقل أحد ما بأنّ فكتور أو جيني كانا إنسانين طبيعيّين، بل وتمّ التشكيك بإنسانيّة كلّ منهما.

أين كنّا؟ آه، نعم… عندك.. عند طفولتك، لا شكّ أنّك كنت محاطاً بالمتكلّمين هنا وهناك. فما شأنك بكلّ هذا؟

لو كنت عالم لغة لأقمت الدنيا وما أقعدتها. فبعد هذه القصص عاد الصّدام اليونانيّ القديم حول الطبيعة والاكتساب “Nature VS Nurture”؛ أي حول ما هو جينيّ موروث أو متعلَّم من البيئة المحيطة. فما هو موقع اللغة الإنسانيّة من كلّ هذا؟ وكيف نكتسب لغتنا الأولى؟ ولماذا فشل أولئك الأطفال بـ اكتساب اللغة ؟

باختصار شديد شديد:

يدّعي أصحاب النظريّة السلوكيّة “Behaviorists” وعلى رأسهم سكنر “Skinner” أنّ اللغة جزء أساسيّ من السلوك الإنسانيّ: يأتي الأطفال إلى هذا العالم كـ صفحة بيضاء “Tabula rasa” ليس لديهم أيّة معلومات عن العالم المحيط بهم، ثمّ يتعلّمون اللغة بمحاكاة من حولهم (فإذا رأى الطفل أمه تشير إلى الكأس الذي فيه سائل أبيض وتقول له “حليب” سيحاكي كلامها ويكرره بعدها) ويعرفون الخطأ من الصواب عن طريق تعزيز السلوك اللغويّ إيجاباً أو سلباً (إذا رأى الطّفل الحليب وقال: حليب.. وفرحت أمه بذلك وقبّلته تكون قد عزّزت سلوكه، وبذلك يكرّر الطفل هذه الكلمة ويعرفها).

هل أنت مقتنع الآن؟ هذا صحيح، لم يتعلّم الأطفال -في الأمثلة السابقة- لغاتهم لأنّ البيئة لم تكن مناسبة. هذا سبب واحد.

ولكن، هل هذا كلّ ما في الأمر؟ هل نتوقّف هنا؟

كلا.

تقدّم أصحاب النّظريّة الفطريّة “Nativists” وعلى رأسهم تشومسكي “Chomsky” بنقد لاذع للسلوكيّين:

إنّ ما يقوله السلوكيّون يعني أنّ الإنسان لن يكون قادراً على الكلام والتعبير إلا بالطريقة نفسها التي يتحدّث بها من حوله. ولكن، ماذا عن الخاصيّة الإبداعيّة “Creativity” للغة الإنسانيّة أيها السلوكيّون؟ فقد ترى صديقتي زهرة حمراء وتقول: يااه، جميلة! ولكن قد أقول أنا: رائعة، أو أحبها… أي أنّ استخدام اللغة ليس محدّداً بالأحداث الخارجيّة. بالإضافة إلى ذلك فإنّ الإنسان قادر على إنتاج وفهم جُمل جديدة لم يسمعها مسبقاً، مثل أن أفهم شعراً أو عملاً أدبيّاً يحتوي على جمل جديدة. وهذا يعني أنّ البيئة ليست العامل الوحيد لتعلّم اللغة، هناك شيء ما في أذهاننا… شيء أعمق من كلّ هذا.  

كما أنّ اللغة ليست مجموعة من الكلمات المتتالية وفقط! إنّ لجمل اللغة بنية وقواعد معيّنة (الجملة الفعلية في اللغة العربية: فعل، فاعل، مفعول به) ولا أحد يعلّم الأطفال هذه البنية، مع ذلك فإنّهم يتعلّمونها كما لو كانوا يعرفونها أوتوماتيكيّاً. يبدو أنّنا نولد بمعرفةٍ ما داخليّة. فطرة! جينات!

ويذهب تشومسكي إلى أبعد من ذلك، فقواعد اللغة عنده عالميّة أيضاً “Universal Grammar” أي أننا جميعاً حول العالم نولد بالقواعد الداخليّة ذاتها، ثمّ تتحدّد هذه القواعد وتتشكّل فيما بعد بحسب لغاتنا وبيئاتنا المختلفة. فلو زارنا كائن فضائيّ لسمعنا نتكلّم بنفس اللغة!

تبدو وجهة نظرهم مقنعة أيضاً. هل نترك النظرية السابقة؟

كلا…

فهي لا تفنّدها في الحقيقة، إنما تضفي عليها معلومات جديدة.

بعدما عرفنا قليلاً عن نظريّات اكتساب اللغة الأم، نعود إلى فكتور وجيني: صحيح أنّ البيئة لم تكن مناسبة لتعلّمهما، ولكنّها مناسبة الآن بعدما تمّ العثور عليهما، لماذا عجزا عن تعلّم اللغة إذا افترضنا وجود استعداد داخلي فطري؟

واضح جداً أنّ أسئلة كثيرة تبقى معلّقة في الهواء، فمعرفتنا قليلة جداً في مجال اللغة بشكل عامّ، ولهذا تشكّل حالة فكتور وجيني وغيرها من الحالات الاستثنائيّة مادة خصبة للباحثين.

هنالك فرضيّة تحاول الإجابة على السؤال السابق: فرضية الفترة الحرجة “critical period hypothesis” التي تقول بأنّ قدرة الإنسان على اكتساب اللغة ترتبط بعمره، فمرحلة الطّفولة هي المرحلة الأكثر استعداداً لتعلّم اللغة، وإذا لم يتعرّض الإنسان للغة ما في هذه المرحلة وتأخر حتى مرحلة النضج وما بعدها “تقدّر مرحلة النضج بـ 11 سنة” فإنّ وصول الإنسان إلى التعلّم الكامل للغة ولبنائها النحوي يصير مستحيلاً. فكتور وجيني كانا قد تعدّيا هذه المرحلة، وخسرا لغتهما، وربما إنسانيتهما أيضاً.

المصادر:

كتب:

Principles of language learning and teaching/ Brown

Psychology of language/ Caroll and David W.

An introduction to psycholinguistics/ Aitchison and J.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.