تأخذك إلى أعماق الفكر

إيميل سيوران رجل اللإنجابِيَّة والانتحار.. ثمانون إقتباس عامّ وسيورانِيّ

نجهد كل هذا الجهد لماذا؟
لنعود إلى ما كنا قبل أن نكون.
-إيميل سيوران

كم يبدو هذا القول ملطخًا بالتعب والإرهاق، غائصًا في أعماق العبث وانعدام المعنى! فكل ما نفعله هو إجهاد أرواحنا حدّ التمزق لكن، لماذا؟ولأجل من؟ لأي غاية كل هذا، ما دمنا سنموت في النهاية؟ نختفي وكأننا لم نظهر من قبل.

لملامسة هذه الأسئلة المُنهكة إذًا ومن دون شاعريات وتأمل، بل بحزم أكاديمي يقابل حقيقة واقعنا الجاد، سنقرأ قليلًا حول معضلة اللاإنجابيَّة و الانتحار، من خلال تعريفهما حتى يتسنّى لنا بعدها أن ندرس حالة شاعرنا الفيلسوف، و شاعرية هذا العالَم العنيف أيضًا، ستكون اللاإنجابيَّة رقيته السحرية، و لا أعرف إذا يمكنها أن تكون حلّاً كما يزعم بعض أتباعها في مساعدة الإنسان، أمّا الانتحار فهو شكل من أشكال الرّقي والإلهام الآسر يجب الإلتفات إليه حسب زاوية سيوران.

فهيَّا بنا إلى حقيقة ما قبل الشاعريَّّة الهادمة، أقصد دراسة فلسفة هذا الأخير التي لا تخلو من الإحساس الأقصى و الرومانسيَّة حين ننتهي طبعًا من التعريف باللاإنجابيَّة و الانتحار في مقالنا من دون شطحاتٍ، ليبدأ عصر الاقتباسات الكتابيّ في نهاية المقال والتي اخترتها بعناية ودقة،  وأرجو أن يغفر لي هذا الرجل وصفه بالرومانسيّ الهادم، فهذا ما سيعترض عليه لأنه فيلسوف الاعتراض، فمرحبًا باللاإنجابيِّين وحتى بِدُعاة الإنجاب وعاشقِيّ الأمومة والأبوّة فالأمر يخص الجميع.

إن الفلسفة اللاإنجابيَّة ( Antinatalism : ضد التناسل أو الولادة ) هي اتّجاه فكريّ يميل نحو رفض الإنجاب لدواعي نفسيَّة، اجتماعيَّة، فلسفيَّة أو أخلاقيَّة، حيث يُتِّم تبنيه بإرادة الشخص ورغبته وليس عن طريق التَّبتُّل وحياة الزهد الإيمانيَّة وليس عن علّة في عدم المقدرة على الإنجاب، ولا بغضًا للأطفال بالضرورة، بل يتم تشكيل رؤية معينة تغتال الإنجاب والولادة عن طريق التشاؤم والسخريَّة أو رؤيته سبيلًا لتكرير الجنس البشري الفاسد حسبهم، كذلك مجيء المرء من دون إرادته إلى العالم وهذه مشكلة أخلاقيَّة بحد ذاتها عند بعض اللاإنجابيِّين، وقد يأتي نتيجة اللاإنجابيِّة رفض الزواج باعتباره وسيلة لتحقيقه .

لقد قلنا قبلًا أن اللاإنجابيَّة ليست صادرة عن العفّة أوحياة العزوبيَّة كما التي عند القساوسة والزّاهدين في الدنيا، لكن يمكن أن يكون اتّخاذ هذا الموقف لأسباب دينيَّة واعتقاديَّة ترى أن الزواج، الإنجاب هو شرّ، وأن كل ما هو مادي هو من إله ثاني ناقص أوشيطان، مولع بحبس الأرواح في الأجسام وتوليدها من جديد، في رؤية تختلط فيها الآراء الكونيَّّة و السحريَّة دينيَّا و التّي تعتنقها بعض الطوائف الغَنوصيَّة*** و المانَويِّة*** من مارسيونيِّين*** و كاثاريًِين*** (1).

إعلان

وبذلك فإنّ اتّخاذ موقفٍ رادعٍ للإنجاب ليس بالموضة ولا بالأمر الحديث، وكإضاءة أُخرى، فإنّ من جملة ارتباطات هذا الموقف اللاإنجابيّ هو علاقاته بالفلسفات من وجوديَّة وعدميَّة وعبثيَّة ومواضيع فلسفيّة معيّنة تلازمه مثل ماهية الحياة والحريَّة والأخلاق.

إنّ من أهم فلاسفة و أعلام اللاإنجابيَّة : آرثور شوبنهاور،صمويل بيكيت،أبا العلاء المعري وإيميل سيوران آخرهم، ذاك الفيلسوف الرّومانيّ الذي جاء في القرن العشرين [ 1911 م – 1995 م ] بقرية رازيناري برومانيا من كاهن أرثوذوكسي وزوجة بسيطة غير متكلِّفة، ليعتزل بعدها قريته و مدينته، ثم بلده شاقًا طريقه نحو دراسة الفلسفة حيث تأثَّر هناك بنيتشه وهايدغر وشوبنهاور. أظهر سيوران وجوده للعالم بكتاباته الرومانيّة و الباريسيّة التي أحدثت ثورة فلسفيَّة و شعريَّة جديدة بما فيها فلسفته اللاإنجابيَّة، والانتحاريَّة إذا صحّ وصفها بذلك، أين كانت تتطاير بشرر التذمر والسُّخرية والذّم حدّ وصفه بأستاذ تشاؤم يعجّ نكتًا.

و ذهابًا لموضوع الانتحار، فإنّ الانتحار بشكلٍ مختصر هو أن يضع الفرد حدًا لحياته بفعل رغبته، سواءً بسبب الاكتئاب أم الخلاص أم انقيادًا وراء معتقد وطقس معيّن، وللانتحار أربعة أنواعٍ بدايًة من الانتحار الأنانيّ الذي يأتي مدفوعًا من صاحبه، ثم الانتحار الغيريّ الذي يأتي تماهيًا مع روح الجماعة، ثم الانتحار الفوضويّ حيث يسود وقت الفوضى السياسية والاقتصادية،  إلى الانتحار الجبريّ الذّي يكون إجباريًا على الشخص، وفي قصص سقراط***و سينيكا***(2) مثالان على هذا الأخير .

إيميل سيوران
انتحار سينيكا و بجانبه زوجته

يرتبط الانتحار أحيانًا باللاإنجابيَّة، لكنّ ذلك بسبب أخطاءٍ مشوّشةٍ تنمّ عن مهاجمة اللاإنجابيين ووصفهم بالمجرمين دعاة الانتحار، غير أنّ ذلك لا يعدو إلاّ في كونه قد فُهِمَ بصيغة مرتبكة، لأنّ اللاإنجابيَّة تحمل عدّة أسباب كما أسلفنا الذكر، وبهذا فهي تُصَّدِر عدة نتائج ورؤى ناهيك عن أنّ اللاإنجابيِّين لا يحملون أفكارًا و معتقدات واحدة. ولذا بوسعك ملاحظة من هو متشائم أو متعاطف مع واقعنا التعيس، خاصًة في ظل ما نعيش من حروب ومجازر، فهو بذلك يفضّل عدم توليدَ أرواح جديدة ستعاني كسابقتها، وبإمكانك أن تجد المخذول الذي كره الأحوال من معاناة وطمع يسري فينا، مُريدًا بذلك انقراض البشر عبر اتّخاذ اللاإنجابيَّة طريقة حياة والتي منها يمكن للبعض أن يُأوِلُّوها كدعوة انتحار جماعيَّة، و أكثر من ذلك ترى ذاك الذي ينزوي في زاوية اللاإنجابيَّة لأنه لا يرغب في تحمل عبء الأطفال أو اللاإنجابيِّين والإنسانيِّين معًا ممن يفضّلون التّبنيّ، بل أن هناك من يرى أفضلية اللاإنجاب وإذا حدث فأقلّ شيء يجدر العمل به هو تحديد النَّسل حيث يكون الشّر الأصغر، و في آخر هذه الفقرة يمكننا أن نجد عدة استثناءات و تطرّف، فكل موقف و فلسفة حياتية فيها غلوّ واعتدال، أو أيًا كان وصفها حسب منظور كل شخص.

لقد عُدَّ الانتحار في الفلسفة مشكلة بحد ذاتها أيضا، فهناك من فسّره على أنه حق لدى الإنسان وتقرير لمصيره و خاصة حين يلمس الموضوع المرضى والمعذَّبين من الأشخاص أو ناشدي القتل الرحيم، ومن جهة أخرى هناك المعترض الذي يرصدها على أنها فعل لاأخلاقي خالي من القيمة الأخلاقية والإحترام للإنسان،يقول إيمانويل كانت*** في حديثه عن الإنتحار ” إنّ الإنسان سرعان ما يدرك أنّ طبيعة يهدف قانونها إلى تحطيم الحياة … إنما تناقض نفسها بنفسها و لا يمكن أن تحتفظ تبعًا لذلك بما يجعلها طبيعيّة . (3)
ونضيف لذلك رأي الأديان في التّنديد بهذا الأمر كون حياتنا مقرّرة ومقدّرة من الإله فهي أشبه بأمانة أو حق ينبغي علينا الحفاظ عليه ليُسٔتَردّ في الأخير .

إيميل سيوران
إميل سيوران في شبابه ، بطاقة تسجيل ( جامعة هومبولت ، برلين )

لقد اعتبر إيميل سيوران أنّ مشكلة الحياة التّي تؤرق الإنسان من كافة النواحي الفكرية ليس الموت؛ بل إنّ البداية الأساسيّة وجوهر المشكلة هي الولادة، فالإنسان في وضع حرج ليس لأنه يموت بل لأنه يولد، وبذلك فإن سيوران قد جعل الولادة عماد مشكلات الوجود والأرق الفلسفي. وقد عبَّر عن فلسفته هذه بعدة طرق سواء من خلال تمريره لحقيقة الولادة وشكواه منها أو المعاناة التّي تُخلَقُ ممَّا يأتي بعدها، والدعوة لتجنبها، كذلك الافتخار بهذا الموقف الذي يجب على المرء الاحتفال به، في عالم يحب أن ينجب كثيرًا ويموت أكثر.
لقد رأى سيوران أيضًا أنّ الإنجاب هو مجرّد نتاج صدفة وشهوات لا غير، وبهذا فإن المولود يأتي من دون ضرورة ومن دون أن يريد هو بنفسه، وإن توريث هذه الولادة أبًا عن أب وأسرة عن أسرة لهي جريمة في حد ذاتها وقلّة ذوق بمنظوره، وكم كانت محنته شديدة مع أسرته، تلك الأسرة التّي يترأسها ذاك الكاهن مع زوجته التي لم تكن لتسمح لأبنائها بالشكوى من الله والمجتمع كما نألفه، لقد كان كلامها شديدًا ذات يوم وهو في العشرينات حين قالت له: “لو كنت أعلم ما كان سيؤول الأمر إليه لأجهضتك(4). إنّ هذه الكلمات قد رآها البعض من ضمن المشكلات الإنجابية التي جعلت سيوران ينتقد الولادة بعنفٍ وتهكّم لاذعٍ، لكنّ الأمر كان أعمق من أن تكون مجرّد تمخّض من تجربة شخصية وانفعال ابن غاضب.

إنّ ما ينتج عن الولادة عند سيوران هو الندم، فالولادة هي ألم وبداية كل الآلام التي تجر الإنسان على الندم بشأنها، وكم هو جميل الاشتياق والحنين إلى اللاعدم أو اللازمن، ذلك اللاوجود قبل أن يقذف بنا الإنجاب إلى وجوده المؤلم، فالحياة هي مجرّد سجن بالنسبة إليه، حيث تجد الجميع مجبورًا على الرضوخ لقضبانه منذ أن يولد وإنه لا العقل، ولا الأمل فضيلة العبيد تلك يمكن أن يحلَّا مشكلة مجيء المرء، ولا حتى الموت، فعدميّة الموت ليست كعدمية ما قبل الولادة. ولكن مع ذلك اقترح سيوران على البشرية بعض الأمور التي يمكن أن تلهي الفرد عن هذه المصفوفة الجبريّة نسبيّا فقط، فلا خلاص مطلق عند سيوران، إنّ الإستمتاع بالحياة حسبه من دون أن يكون هناك هدف معيّن يجعلنا بعيدين عن واقعها المؤلم جزئيًا، كذلك الرجوع إلى حالة الجهل الأولى والصحة الجسديّة بعيدًا عن العقل و الوعي الذي يأتي من الجسد المريض و العليل، إنّ اللااكتراث للحياة وتجنّب الركض وراء أوهامها وتياراتها العنيفة بذهن بريء وجاهل، يمَّكن المرء على الأقل أن يعيش بقلبٍ سعيد ولو قليلًا، وكم كان الأحسن به أن يولد شيخًا ثم يصبح طفلًا كما تمنّى هذا الفيلسوف.

إيميل سيوران
كتاب المعنى و الغضب مدخل إلى فلسفة سيوران ، الصفحة 75

لقد جعل سيوران من الولادة والحياة والزمن أساسَ كل كتاباته، فحاسب عن طريقهم الله والتّاريخ والمجتمع خصوصًا كتبه المكتوبة بالفرنسيّة بعيدًا عن لغته الأم الرومانيّة، متمسّكًا بنظرته ومؤلفاته مثل كتاب “موجز العفن”، “مساوئ أن يكون المرء قد وُلِد”، “دموع وقدَّيسون”، “إغواء الوجود”، وآخرها “لعنات واعترافات”. الأمر الذي جعل عدة نقّاد يوجهون له نقدًا لا يرحم حد تأويل جميع مواقفه بشكل سيكولوجي، وتكذيب ما يؤمن به من آراء وصفوها بالمزيفة والمتناقضة، وما كلام باسكال بروكنر*** عنه إلا دليلٌ على ذاك الهجوم حيث يقول: “سيوران الذّي تغنّى بالانتحار كتابًا تلو آخر، انتهى ببلاهة، مات بالشيخوخة“. (5)
إلّا أنّ سيوران كما قلنا مسبقًا لم يرَ الموت ولا الانتحار سبيلًا لحل مشكلة الولادة، على الرّغم من تغنّي كتاباته بالانتحار في كل مرة، إنّه هو نفسه الذّي تحدّث عن المُنتَحِر أنّه شخص متفائل على عكس غيره الذّي آثر البقاء في هذه الحياة، لكنه هو نفسه الذي طلب منا الدفاع عن الحياة في وجه كل شخص يخبرنا أنّه يرغب في الانتحار، لقد كتب سيوران عن الموت كما كتب عن الولادة، وكتب عن الانتحار والألم، غير أنَّ سيوران لم يكن من النوع البارد المتجهم أبدًا؛ بل لطالما رافقه الضحك وبشاشة الوجه واللطف.

كتاب المعنى و الغضب مدخل إلى فلسفة سيوران ، الصفحة 80

لقد كان فيلسوف الأحزان والتشاؤم، لكنَّ التشاؤم جعله يحب الحياة أكثر كما ادعى ويستمتع بوجوده في هذه الدنيا، حتى كتاباته المليئة بنبرات العنف والغضب والإحباط كان لها حظ كبير في الاستمتاع بالوجود والسعادة في خط ملتوٍ ذي مقصدين، فكم أشاد به بعض الأشخاص الذين قرروا يومًا ما الانتحار في حقيقة كون كتاباته من بين طرق تراجعهم عن ذلك، كان هو نفسه قد قرر الانتحار في أوقات عدة، لكنّ الكتابة والفلسفة والتلذذ بالحياة مستهزئًا بها قد جر قدميه بعيدًا عن أخذ هذه الخطوة، فالكتابة والفلسفة هما بدائل انتحارية حسب رأيه، إضافة إلى الضحك الذي يعطي معنى للحياة، وبهذا فإنّنا لم نحرم من فلسفته ولا كلماته التي كانت تُكتَب بعفوية بعيدًا عن التجميل والتملّق. وعلى الرغم من ذلك، وربما بسبب هذه العفوية تمَّ التعتيم على كتاباته في فرنسا لسنوات عدة، وما أبلغ عبارة الفيلسوف مارسال كونش*** في التعبير عن هذا التعتيم حين قال فيها: “لم أسمع عنه شيئا قبل 2006” (6). لقد وصفه النقّاد الهدَّامون بأبشع الصفات كانت أشدها ألقابا مثل :الفاشي*** والكلبي***المسعور . أمَّا مآل مؤلفاته فإنها لم توضع في مصنفات خاصة. وقد قيل عن الأمر:”ليس لكتبه رفّ معيّن في المكتبات، فهي هنا مع كتب الأدب وهناك مع كتب الدين وقد وضِعَ موجز العفن مرة مع كتب الكيمياء“(7). لقد كان سيوران فيلسوف من النوع الذي لا يوصف ولا يمكن أن يصنف مع أحد لو صحّ ذلك، حيث فضّل تجنّب كتمان أحاسيسه وانفعاله في إعطاء معنىً لرؤيته الحياتيّة على رَكنها في الطّرف وإسكاتها ولو مؤقتًا، فكلّ شيء بما فيه انفعالاتنا تستحق المشاركة في تفسير المعضلات وأي معضلات!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.