تأخذك إلى أعماق الفكر

أقنعة الموت “حين تحدّى النحّاتون القدامى ملامح الموت”

يعود تاريخ أقنعة الموت إلى مصر القديمة، حيث كان صنع قناع منحوت لوضعه على وجه المتوفّى يعدّ أمرًا شائعًا، إذ كانوا يعتقدون أنّه يساعد الروح في التعرّف إلى صاحبها عند البعث في الحياة الأخرى، ولعلّ أشهرها القناع الجنائزيّ لوجه توت عنخ أمون [1].

وقناع الموت هو ببساطة قالب عادةً ما يكون من مادّة الشمع أو الجبس يوضع ويتمّ نحته على وجه الشخص الميّت ليتّخذ صورة حقيقيّة لملامح الوجه، ولكن في بعض الأحيان يقوم صانعو القناع بإجراء بعض التغييرات في عيون القناع لجعلها تبدو كما لو كان الشخص لا يزال على قيد الحياة [2].

في البداية يتمّ تزييت وتشحيم الوجه والرأس ثمّ توضع طبقات رقيقة من الجبس أو نحوه تحتوي على بعض الخيوط لتسهيل إزالة القناع، ويمكن سكب المزيد من الجبس أو الشمع المبلّل في هذا القالب فيما بعد كي يتّخّذ شكلًا كاملًا للرأس، وعلى النقيض من أقنعة الموت فهناك ما يُعرف بأقنعة الحياة وهذه يتمّ نحتها على وجوه أشخاص لا زالوا أحياء.

احتفظ الرومان الأثرياء بأقنعة موت لأسلافهم لحفظ ملامح الوجه ولطقوس العبادة، كما كان الڨيكتوريّون أيضًا مهتمّين بعلم فراسة الدماغ الذي اعتُقد في إمكانيّة دراسة شخصيّة الإنسان وفهم سلوكه عن طريق شكل رأسه، لذا فقد مارسوا بدءًا من عشرينيّات القرن التاسع عشر وحتّى أربعينيّات القرن التاسع عشر صناعة أقنعة الموت لبعض الشخصيّات البارزة والمشاهير وخاصّةً مشاهير القتلة والمجرمين بعد أن يتمّ إعدامهم، وقد قام عالم فراسة الدماغ وصانع الأقنعة البريطانيّ (جيمس دي ڨيل) بتجميع حواليّ 2000 عينة [3].

كان أشهر قناع موت في التاريخ يخصّ فتاة فرنسيّة مجهولة الهويّة انتُزعت جثّتها من نهر السين في باريس في أواخر ثمانينيّات القرن التاسع عشر، وتقول القصّة أنّ طبيب علم الأمراض في مشرحة باريس قد انبهر بجمالها الأخّاذ ومظهرها الهادئ لدرجة أنّه صنع قناع موت لوجهها للحفاظ على ملامحها، أصبحت تُعرف باسم (L’inconnue de la Seine)، أو «المرأة المجهولة لنهر السين».

إعلان

استخدمت أقنعة الموت كقوالب يمكن الاعتماد عليها فيما بعد كنماذج لعمل التماثيل والمنحوتات لبعض الشخصيّات البارزة مثل القادة العسكرييّن، ورجال الدولة، والأدباء والمفكّرين، والفنّانين، والموسيقيّين للعرض في المتاحف تخليدًا لذكراهم ولتعطي صورة حقيقيّة لملامح الوجه لحظة الوفاة، فيما بعد تراجعت ممارسة صنع أقنعة الموت مع ظهور التصوير الفوتوغرافيّ.

كلّفت شركة ستراتاسيس للطباعة ثلاثيّة الأبعاد (Stratasys) مؤخّرًا (نيري أوكسمان) الأستاذة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوسطن (والتي تعدّ رائدةً في تقنيات الطباعة ثلاثيّة الأبعاد فائقة الدقّة) مع فريقها البحثيّ بتصميم سلسلة رقميّة (بدون وجود نموذج بشريّ حقيقيّ) من أقنعة الموت لمجموعة «New Ancient» الخاصّة بالشركة، وتمّ عرض المنتجات النهائيّة والتي تمتّعت ببساطة استثنائيّة مؤخّرًا في متحف التصميم بلندن، وفي مركز بومبيدو في باريس.

أشهر أقنعة الموت في التاريخ:

قناع أجاممنون الذهبي

قناع الموت

وهو قناع موت مصنوع من الذهب الخالص، عُثر عليه في المقبرة رقم 5 من الدائرة الملكيّة (أ) في الأكروبوليس أثناء عمليّات التنقيب بموقع موكناي الأثريّ في اليونان على يدّ عالم الآثار الألمانيّ (هاينرش شليمان) عام 1876، والذي اعتقد أنّه للبطل الهومريّ (أجاممنون) شقيق ملك أسبرطة وأحد قادة ملحمة طروادة التي تكلّمت عنها إلياذة هوميروس الشهيرة، بيد أنّ الأبحاث بيّنت فيما بعد أن القناع منتمي للفترة ما بين عامي 1580-1550 قبل الميلاد؛ أي قبل زمن أجاممنون بحواليّ ثلاثمائة عام، إلّا أن الاسم قد ظلّ عالقًا في الأذهان ولا يزال الكثيرون يشيرون إليه باسم (قناع أجاممنون)، وهو معروض الآن في متحف الآثار الوطنيّ بالعاصمة اليونانيّة أثينا [4].

قناع دانتي أليجييري

أقنعة الموت

كان يُعتقد فيما مضى أنّ هذا القناع المحفوظ في قصر ڨيتشيو الشهير بفلورنسا هو قناع موت حقيقيّ (أي أنّه نحت مباشرة من الوجه بعد الوفاة) للشاعر الإيطاليّ الأشهر (دانتي أليجييري)، صاحب الكوميديا الإلهيّة والذي عاش بين عاميّ (1265 – 1321م) ونفي من مسقط رأسه في فلورنسا نتيجة مواقفه السياسيّة من سلطة رجال الكنيسة حتّى مات في منفاه في مدينة راڨينا قرب بولونيا في عمر السادسة والخمسين إثر إصابته بمرض الملاريا، غير أنّ الدراسات الحديثة ترجّح كونه قناعًا منحوتًا من تمثال جنائزيّ لدانتي كان قد تمّ نحته عام 1483 على يدّ النحاتان (بيترو) و(توليو لومباردو)، ولا يزال هذا التمثال الذي نُحت منه القناع محفوظًا وفقًا للتقاليد في قبر دانتي في راڨينا [5].

قناع نابليون بونابارت

نُحت قناع الموت لوجه الإمبراطور الفرنسيّ نابليون بونابارت عام 1821م بعد يوم واحد من وفاته متأثّرًا بمرض سرطان المعدة في منفاه بجزيرة سانت هيلانا بالمحيط الأطلنطيّ، والتي أرسلته إليها الحكومة البريطانيّة عقب هزيمته في معركة واترلو، ولا توجد معلومة دقيقة حول اسم صانع القناع الحقيقيّ، ولكن المؤرّخون يرجّحون أنّ أوّل من صنعه هو (فرانسوا كارلو أنتومارتشي) الطبيب الشخصيّ لنابليون بونابارت، ثمّ نُحتت منه لاحقًا المزيد من الأقنعة البرونزيّة، ثمّة رأي آخر ولكنّه أقل شيوعًا يعتقد أن من قام بصنع القالب الأصليّ للقناع هو (فرانسيس بيرتون) الجرّاح البريطانيّ الذي حضر تشريح جثّة نابليون، ثمّ نسخ الطبيب أنتومارتشي قناعه من هذا القالب وأرسله إلى فرنسا حيث لا يزال معروضًا حتى الآن بالمتحف العسكريّ في باريس [6].

قناع ڨلاديمير لينين

كان الزعيم السوڨييتيّ (ڨلاديمير لينين) في الثالثة والخمسين من عمره حين توفّى في 21 يناير من عام 1924م بسبب نزف مخّي أدّى لإصابته بالسكتة الدماغيّة، في تلك الليلة استدعي النحّات الروسيّ (سيرجي ميركوروف) إلى ضاحية جوركي حيث يقيم لينين وقام بعمل ثلاثة نسخ من قوالب جبسيّة لوجه قائد الثورة البلشفيّة وأوّل رئيس للاتّحاد السوڨييتيّ، حفظ أوّل قناع منها ضمن مقتنيات قصر جوركي لينينسكي بموسكو، وذهب الثاني لمتحف لينين المركزيّ، بينما احتفظ ميركوروف بالقناع الثالث لنفسه وصنع منه العديد من التماثيل فيما بعد [7].

قناع إسحاق نيوتن

يعود تاريخ نحت هذا القناع لعام 1727م على يد النحّات (مايكل ريسبراك)، وهو واحد من عدّة أقنعة موت أُعدّت لعالم الفيزياء والرياضيات البريطاني الشهير إسحاق نيوتن بعد وقت قصير من وفاته لنحت نموذجٍ رخاميّ لوجهه من أجل مقبرته في كنيسة ويستمنستر، وقد كان هذا القناع مملوكًا للنحّات الفرنسيّ (لويس فرانسوا روبيلياك) في القرن الثامن عشر، والذي نحت تمثالًا نصفيًّا من الرخام لنيوتن يوجد الآن بكليّة الثالوث في جامعة كامبريدج البريطانيّة [8].

قناع لودڨيج فان بيتهوفن

كان الموسيقار النمساويّ (لودڨيج فان بيتهوفن) والذي عاش بين عاميّ (1770 – 1827م) قد حصل على قناع حياة تمّ تشكيله لوجهه قبل وفاته بسبب التليّف الكبديّ بفترة تتراوح من ثلاثة إلى خمسة أعوام، بالإضافة إلى قناع الموت الخاص به والذي نُحت بعد وفاته بساعاتٍ قليلة، والفرق بين القناعين -بخلاف الطريقة المستخدمة في صنع كلٍّ منهما- يتجلّى في ملامح الوجه التي يبدو عليها تأثير الألم والمرض الذي عانى منه قبل الوفاة في قناع الموت، بينما كانت أقنعة الحياة للأشخاص الأحياء تُنحت بطريقة تزيل من الوجه أي أثر للألم والمرض كي يبدو تعبير الوجه هادئًا، عُرض قناع الموت لبيتهوفن في متحف ڨيينّا الجنائزيّ.

عانى بيتهوفن من الصمم المبكّر إلى جانب مشاكل صحيّة أخرى تفاقمت في سنواته الأخيرة بسبب إدمانه على الكحول، ويُعتقد أنّ سبب وفاته هو فشل الكبد المرتبط بالدواء الذي تناوله لعلاج الالتهاب الرئويّ [9].

قناع نيد كيللي

كان من الشائع في القرن التاسع عشر أن تقوم السلطات بعمل أقنعة موت لوجوه بعض المجرمين الخطرين بعد أن يتمّ إعدامهم لدراسة خصائص الجمجمة، فقد وجد علم فراسة الدماغ حينئذٍ الكثير من التصديق والترحاب، وهو العلم الذي يدّعي القدرة على فهم السلوك الإجراميّ للأفراد والتنبّؤ به بناءًا على دراسة شكل ونتوءات جمجمة الرأس، وغالبًا ما كانت تُعرض تلك الأقنعة على الملأ للأغراض العلميّة، ولإظهار قدرة السلطات على التعامل مع أكثر المجرمين خطورة.

كان نيد كيللي قاطع طريق ولصّ أستراليّ، وقد كوّن عصابة لسرقة البنوك والأغنياء قبل أن يتمّ القبض عليه وإدانته بتهمة القتل العمد، وكان أوّل شخص يولد بولاية ڨيكتوريا ويُحكم عليه بالإعدام شنقًا.

تمّ شنق كيلي في 11 نوڨمبر من عام 1880م، وبعد ساعة من وفاته قامت السلطات بحلاقة شعر رأسه ولحيته، ووضع الجبس على وجهه ورأسه لصنع قناع الموت، والذي عُرض في اليوم التالي على الجمهور في شارع بورك، إلى جانب شروحات توضّح كيفيّة تمثيل شكل الرأس والوجه لميوله الإجراميّة [10].

المصادر:
[1]. https://edition.cnn.com/style/article/death-masks/index.html

[2]. https://www.britannica.com/topic/death-mask

[3]. https://mashable.com/2016/10/15/death-masks/

[4]. https://ancient-greece.org/images/museums/athens-mycenaean/pages/athens-mus-mycenaean001.html

[5]. https://www.florenceinferno.com/dante-death-mask/

[6]. https://www.thevintagenews.com/2018/02/22/death-mask-bonaparte/

[7]. https://www.themoscowtimes.com/2014/06/16/controversial-lenin-death-mask-for-sale-in-us-a36443

[8]. https://pictures.royalsociety.org/image-rs-8492

[9]. https://www.practicaespanol.com/en/beethovens-death-mask-on-show-250-years-after-his-death/

[10]. http://ergo.slv.vic.gov.au/explore-history/rebels-outlaws/bushrangers/ned-kellys-death-mask

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يارا فاروق

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.