أبو العلاء المعري ومشكلة الشر الفلسفية

لنبدأ بكلام طه حسين في بداية حياته الأكاديمية عن أبي العلاء المعري في مقدمة رسالته عن فلسفة ابن خلدون والتي كتبها بالفرنسية ونال بها شهادة الدكتوراة في جامعة السربون عام 1917م، وتُرجمت عام 1925م، والذي يقول فيها أن أبا العلاء: “استحدث في آدابنا صنفين لم ينسج على منوالهما أحد منذ عهده، فقد استعرض في مجموعة شعرية اسمها (اللزوميات) فلسفة باهرة تفيض زهدًا وتشاؤمًا حتى قيل إنه لوكريس العرب، وتَخيلَ لنا في شبه قصة اسمها (رسالة الغفران) -التي تُذكرنا قراءتها بالكوميديا الإلهية- رحلةً إلى العالم الآخر، وَصَفَ لنا فيها الجنة والجحيم وصفًا قويا رائعًا”. في هذا الكلام تأثيرٌ واضحٌ لآراء المستشرقين عن أبي العلاء على طه حسين الشاب، إذ يقارن شعر المعري بشعر الشاعر والفيلسوف الإيطالي لوكريس، ورسالة الغفران بالكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري. وهو رأيٌ منقول من دائرة المعارف الإسلامية التي يحيلنا عليها والتي ألفها مجموعة من المستشرقين.

لكن المهم لنا ليس موضوع تأثر طه حسين بالمستشرقين -على أنه موضوع مهم يستحق الدراسة-، بل هذه الصورة التي رُسمت لأبي العلاء على أنه صاحب فلسفة تشاؤمية وشخصية عابسة وجادة، وهي الصورة الراسخة في أذهاننا جميعًا عن أبي العلاء. بل إن العلاقة بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية هي ما يقفز إلى أذهاننا أيضًا عندما يمر ذكر هذه الرسالة أيضًا، فقد كانت هذه العلاقة محل درس من قبل المستشرقين أولاً ثم من قبل النقاد العرب لاحقًا، فهل يمكننا القول إن آراء المستشرقين ما زالت ذات أثر علينا حتى الآن، الجواب هو: نصف نعم. وهل يمكننا القول إن الصورة المرسومة في أذهاننا عن أبي العلاء ليست صحيحة، الجواب هو: نصف نعم أيضًا.

إن شخصية أبي العلاء المعري في اللزوميات شخصية تشاؤمية وعابسة بدون شكٍّ، لكننا لو طالعنا رسائل أبي العلاء سنجد شخصيةً مختلفةً كل الاختلاف عن الشخصية التي نستنتجها من قراءة اللزوميات، ففي رسائله ستجد شخصيةً في غاية الظرفِ والذكاء، وستجدُ ساردًا ممتعًا، وستجدُ الضحك الذي يجعلك تبتسم، بل وتقهقه أحيانًا، كما أنك ستجد أن هذه الرسائل تحلق في فلكٍ بعيدٍ كل البعد عن فلك العلاقة التي ربطت رسالة الغفران بالكوميديا الإلهية. لكن رسائله للأسف الشديد -إذا استثنينا رسالة الغفران- لم تحظ بأي اهتمام، وقليلٌ منا من قرأ شيئًا من هذه الرسائل، وأسباب ذلك كثيرة؛ ومن أهمها اللغة الوعرة التي كتب بها أبو العلاء بعض رسائله متعمدًا، وكمثال على ذلك يمكن الرجوع إلى «رسالة الصاهل والشاحج»، والتي قمتُ بإصدار نسخة ميسِّرة ومختصرة لها عن دار الكتب العلمية عام 2022م.

ويمكننا الجمع بين هاتين الشخصيتين لأبي العلاء: الشخصية الضاحكة والشخصية العابسة، بالقول إن هذه الأعمال كُتبت في فترات مختلفة من حياة أبي العلاء المعري، ولكل فترة ظروفها التي أثَّرت على كل عمل. وأغلبُ الظن أن الفترة التي كتب فيها أبو العلاء اللزوميات كانت بعد رجوعه من رحلته المريرة إلى بغداد، والتي عانى فيها من مجتمع بغداد بفساده الاجتماعي والسياسي. هذا المجتمع الذي كان يأمل فيه أبو العلاء أن يجد تقديرًا لموهبته وعقله، وإذا بهذا المجتمع يرفضه ويحتقره ويتعالى عليه ويُرجِعُهُ بخيبة أمله، وهو كما نظن من أقوى الأسباب التي جعلت أبا العلاء يقرر اعتزال الناس ويقرر حبس نفسه في بيته وتمتلأ نفسه بالتشاؤم ويعتقد عقله بفساد الناس. أضف إلى ذلك فاجعته بأمه التي وصل خبر موتها إليه وهو في طريق رجعته من بغداد إلى المعرة، وهي التي كانت ترعاه رعايةً بالغة، نستشف أثرها من قصيدته التي رثاها بها.

فإذا صدق ظننا من أن كتابة اللزوميات كانت بعد هذه الظروف القاسية، فمن الطبيعي أن تحمل في طياتها فلسفةً تشاؤمية ونقدًا قاسيًا للفساد الاجتماعي، والسياسي، والديني، والفكري. وهذا ما طبعَ صورة المتشائم لأبي العلاء في أذهاننا.

إعلان

ولكن بعدَ أن هدأت نفسُ أبي العلاء في عزلتها بتطاول السنين، وصفى عقله، خرجت منه هذه الرسائل التي لا أثر فيها للتشاؤم ولا للسوداوية، فكان بعضها من أجَلِّ الأعمال السردية في تاريخ العرب، والتي لا مثيل لها في إبداعها وخيالها وأسلوبها، إلا أنها لم تلقَ الاحتفاء الذي يليق بها لحد الآن كما قلنا، وكأن حظها كان كحظ صاحبها أبي العلاء الذي لم يلق الاحتفاء اللائق به في بغداد رغم عبقريته.

على أننا قد نجد عذرًا لطه حسين الشاب إذ إن رسائل أبي العلاء المعري لم تحقق وتُطبع بعد، ما عدا رسالة الغفران التي صدرت بطبعة أمين هندية عام 1903م بعيوب كثيرة، أي قبل ذهاب طه لفرنسا، وبعد خمسين عام تقريبا صدرت الرسالة بتحقيقها الأتم على يد بنت الشاطئ التي نالت بها درجة الدكتوراة تحت إشراف طه حسين أيضًا.

لكن صورة أبي العلاء المعري الجاد والعابس المتشائم ظلت هي المسيطرة على ذهن طه حتى في كتابه (مع أبي العلاء في سجنه)؛ وهو أروع ما كُتب عن أبي العلاء، رغم أنه قرأ رسالة الغفران التي يظهر فيها أبو العلاء بشخصية مختلفة، لكن طه كان يستند في كتابه كثيرًا على ما كتبه أبو العلاء في لزومياته، وأظن أن طه لو قُدر له قراءة باقي رسائل أبي العلاء لكان له رأي آخر.

بين أبي العلاء المعري وداعي الدعاة الفاطمي

ومن بين هذه الرسائل التي لم يقرأها إلا القليل رسائله مع داعي الدعاة الفاطمي، ففي أواخر حياة أبي العلاء هبط إلى ديار الشام داعي الدعاة الفاطمي المؤيد في الدين هبة الله السلماني الشيرازي (390-470هـ)، وقد سمع لغطًا كثيرًا عن أبي العلاء وعن أدبه وعلمه ودينه، فكان بينه وبين أبي العلاء عدة مراسلات، توقفت إما لأن أبا العلاء توفي أو لأن داعي الدعاة قد يئس من تفاعل أبي العلاء الإيجابي مع رسائله، وهذا هو الذي يظهر من آخر رسالة لداعي الدعاة. 

ظاهر الرسائل أن داعي الدعاة أراد أن يسأل أبا العلاء عدة أسئلة من باب الاستفادة من علم أبي العلاء، لكن أبا العلاء كما يظهر من ردوده على الرسائل كان مرتابًا في نوايا داعي الدعاة فكان يكثر من تعظيمه وتقليل شأن نفسه وكان يسبغ عليه الألقاب ويسجع له العبارات ويراوغ في أجوبته ويشهد على نفسه بأنه يؤمن بالآخرة ويصلي ويصوم رغم أن داعي الدعاة لم يتهمه في دينه، وهو ما دعا داعي الدعاة إلى أن يلح عليه بالجواب بشكلٍ مباشر وترك الأسجاع والألقاب جانبًا، لكن أبا العلاء لم يفعل ذلك، فكما يبدو أن أبا العلاء كان خائفًا من السلطة التي يتمتع بها داعي الدعاة فمرتبته وإن كانت تلي مرتبة قاضي القضاة لكنه يتمتع بنفس مزاياه وسلطته، وكانت وظيفته الأساسية الإشراف على الدعاة الذين يخطبون في الناس وينشرون الدعوة الفاطمية، أي أن وظيفته كانت سياسية ودينية في نفس الوقت، ولا يُلام أبو العلاء على ما فعل.

في أول رسالة من داعي الدعاة بدأ بقوله: “إلى أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي أحسن الله توفيقه، الناطقُ بلسان الفضل والأدب، الذي ترك من عداه صامتًا، مشهودٌ له بالفضيلة من كل من هو فوق البسيطة. غير أن الأدب الذي هو جالنيوس طبه، وعنده مفاتح غيبه، ليس مما يفيده كبير فائدة في معاشه أو معاده، سوى الذكر السائر به الركبان، مما هو إذا نشأ مع المذكور به علمَ أنه بمكانة الجِمال والزينة ما دام حيًّا، فإذا رمت به يد المنون من ظهر الأرض إلى بطنها فلا بحسن ذكره ينتفع، ولا بقبحه يستضر. وإذا كانت الصورة هذه، كان مستحيلًا منه -أيده الله- مع وفور عقله أن جعل موادَّه منصبة إلى إحكام اللغة العربية والتقعر فيها، واستيفاء أقسام ألفاظها ومعانيها، ووفّر عمره على ما لا نتيجة له منها”.

وفي هذا القول دليل على العقلية الدينية التي ينطلق منها داعي الدعاة للنظر إلى الفنون والآداب، وهي عقلية ما زالت موجودة لحد يومنا هذا، إذ لا ترى في الفنون والآداب قيمة لأنها مما لا يترتب عليها ثوابٌ أخروي.

بدأ داعي الدعاة بعد ذلك أسئلته بسؤالٍ وصفه أنه خفيف وأنه سيرتقي بعده مع أبي العلاء إلى ما هو أثقل، وكان سؤاله عن سبب امتناع أبي العلاء عن أكل لحوم الحيوان، مع أن الله فسح لنا في أكلها وهيأ جسمنا لذلك، كما هيأ أصنافًا من الحيوان لتأكل أصنافًا أخرى، فإن كان ذلك من باب الرأفة والرحمة فلا يجب أن يكون أبو العلاء أرحم وأرأف بها من الله سبحانه وتعالى الذي خلقها والذي لحكمة منه لا نعلمها جعلها مادة للافتراس والأكل من السباع وجوارح الطير، ثم من الإنسان الذي هو أولى بالاستفادة من لحومها وأجسامها.

أبو العلاء ومشكلة الشر

أولًا: مشكلة الفعل

وقد أجاب أبو العلاء بعدة أجوبة وتعذر بعدة أعذار، لكن ما يهمنا في هذه الأجوبة هو جوابه الأول الذي انتقل فيه من جواب مشكلة بسيطة وهي أكل الحيوان إلى معضلة فلسفية وهي مشكلة وجود الشر في هذا العالم ومصدره، وتعرض فيه لأقوال المتكلمين والفلاسفة في هذه المسألة التي غرق فيها الكثيرون. 

وأبو العلاء بجوابه المراوغ هذا إنما كان يمتحن بذكاءٍ علم داعي الدعاة وعقله ليقرر إن كان سيستمر معه في هذه المراسلات وبأي مستوى معرفي سيتكلم معه. وحين وجد أبو العلاء أن داعي الدعاة لم يفهم الرابط بين المشكلتين وظن أن أبا العلاء لم يجبه عن مسألته تواضع في جوابه الثاني ولم يتكلم بما يتكلم به الفلاسفة وصار يجاري داعي الدعاة بمستوى تفكيره.

ما هي العلاقة إذن بين السؤال البسيط الذي سأله داعي الدعاة والجواب العميق الذي أجاب به أبو العلاء، وبعبارة أخرى ما العلاقة بين مشكلة أكل الحيوان ومشكلة الشر الفلسفية؟ وهي العلاقة التي لم يفهمها داعي الدعاة.

العلاقة هي أن داعي الدعاة نسب إلى الله خلقه كائنات مفترسة وكائنات تكون مادة للافتراس، فافتراسها ليس منافيًا للرحمة أو الحكمة، إذ الإنسان لن يكون أرحم بها من خالقها الذي جعلها مادة للافتراس لحكمة ما. لكن أبا العلاء أراد أن ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى ليسألَ إن كان فعل الافتراس هذا خيرًا أم شرًّا؟ وإن كان شرًّا لأنه يؤلم الحيوانات ويفجعُ أم الحيوان بصغارها، فهل يصح نسبة هذا الشر إلى الله؟ وبالتالي علينا أن نجيب عن أصل المسألة أولًا؛ وهي: هل لا يفعل الله إلا خيراً؟ ثم يمكننا أن نجيب عن المسألة الفرعية، لأن جوابها متعلق بجواب أصل المسألة. لذلك يبدأ أبو العلاء جوابه بقوله: “فأول ما يُبدأ به أن قائلًا من البشر لو قال: إذا تبينا القضية المركبة من المسند والمسند إليه ولها واسطتان إحداهما نافية والأخرى استثنائية فقلنا: (الله لا يفعل إلا خيرًا)، أفهذه القضية كاذبة أم صادقة؟” 

فإن قلنا صادقة فهذا خلاف الواقع، فنحن نرى الشرور في هذا العالم. والشر على قسمين: شر طبيعي كالكوارث والأعاصير والأمراض وغير ذلك وشر أخلاقي يرتكبه الإنسان كالقتل والسرقة والخيانة وغير ذلك. وإن قلنا كاذبة فإما أن نقول إن الله يفعل الخير والشر وفي هذا نفي للخيرية الكلية لله، أو أن نقول إن الخير من عند إله، والشر من عند إله آخر كما قالت المجوس. وفي المخطط التالي اختصار لكلام أبي العلاء عن مشكلة الفعل:

ثانيًا: مشكلة العلم

ثم ينتقل أبو العلاء من مشكلة الفعل إلى مشكلة متفرعةٍ منها وهي مشكلة العلم، فيقول: “وللسائل أن يقول إن كان الخير لا يريد ربنا عزت قدرته سواه، فالشر لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون عَلِمَ به، وإما أن يكون غير عالم به ونعوذ بالله من هذه المقالة. فإن كان عالماً به فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مريدًا له، أو غير مريد. فإن كان مريدًا فكأنه الفاعل كما أن القائل يقول قطع الأمير يد السارق، فالأمير قطعها إلا أنه لم يلِ ذلك بنفسه. وإن كان غير مريد له فقد جاز عليه ما لا يجوز مثله على أمير في الأرض له نظراء كثير، لأنه إذا فُعل في ولايته شيء لا يرضاه نكره أشد النكير”. وفي المخطط التالي توضيح لكلام أبي العلاء:

ثالثًا: مشكلة الرحمة

ثم ينتقل إلى مشكلة ثالثة متفرعة من الأولى أيضًا، وهي مشكلة الرحمة، فيقول: “ويقول القائل قد ذكرت الأنبياءُ عليهم السلام أن البارئ جلت قدرته رؤوف رحيم، ونشاهد ما هو على غير ذلك دليل، لأنه لو رأف ببني آدم لوجب أن يرأف بغيرهم من أصناف الحيوان الذي يجد الألم بأدنى شيء”. وفي المخطط التالي اختصار لكلام أبي العلاء:

هذه هي مشكلة الشر كما يعرضها أبو العلاء في رسالته لداعي الدعاة، وللأسف لم يعرض أبو العلاء الحل الذي يتبناه لحل المشكلة ربما خوفًا من سلطة داعي الدعاة رغم إلحاح هذا الأخير عليه.

والملاحظ أن مشكلة الشر كما يعرضها أبو العلاء في القرن الرابع الهجري قد وصلت إلى مرحلة جيدة من النضج، لكننا لا نعلم إن كان هذا النضج قد وصلت إليه بجهود المتكلمين المسلمين، أم أنها أتت ناضجة من الفلاسفة اليونان الذين تناولوها في زمانهم، ولا نعلم أيضًا إن كان أبو العلاء قد أضاف للمشكلة شيئًا أم أنه اكتفى بعرض أقوال من قبله، وهذا ما يحتاج إلى دراسة تاريخية مفصلة لتطور المشكلة من أجل الوقوف عليه. لكن لا بأس بعرض نموذج للمشكلة في العصر الحديث لتلمّس الفروقات.

مشكلة الشر كحجة إلحادية

يعد أوَّل من طرح مشكلة الشر من منظورٍ منطقي الفيلسوف الإغريقي إبيقور، ويمكن وصف محاججته بما يلي:

– إذا كان يوجد إلهٌ كامل القدرة والمعرفة والخير بالعالم، إذن لن يوجد الشر.

– ولكن يوجد شر في العالم.

– إذن، فإنَّه لا يوجد إله كامل القدرة والمعرفة والخير في الآن ذاته.

وقد أُجريت تعديلاتٌ وتطويرات عديدة على هذه المحاججة فيما بعد، ومن الأمثلة الحديثة على هذه التعديلات ما يلي:

– الله موجود.

– الله كلي القدرة [والمعرفة والخير].

– لا توجد حدود لما يمكن أن يفعله الله.

– الكائن كلي الخيرية يقضي على الشر بقدر ما يستطيع [وهو قادر على ذلك وهو عالم بكل شر ممكن].

– ولكن الشر موجود [تناقضٌ منطقيّ].

تختلف هذه المحاججة بشكل أساسي عن المحاججة التي نقلها أبو العلاء عن المتكلمين المسلمين؛ في أن المتكلمين المسلمين لا يشكون في وجود الله كما أقر ذلك أبو العلاء في جوابه لداعي الدعاة، ولذلك خوضهم في هذه المشكلة غرضه تفسير وجود الشر مع إيمانهم أن الله موجود وكلي القدرة والمعرفة والخيرية، أما في العصر الحديث فتم استخدام هذه المحاججة كحجة إلحادية لنفي وجود الله، وذلك بإبراز التناقض المنطقي والذي يستلزم نفي وجود أحد الطرفين من الوجود، أي الله أو الشر، وبما أن الشر لا أحد ينكر وجوده فهذا يستلزم عدم وجود الله. ورغم أن هذه المحاججة يمكن للمؤمن الهروب منها بالقول إن التناقض المنطقي لا يلزم منه نفي وجود الله، فبما أنه كلي القدرة فبإمكانه الجمع بين التناقضات المنطقية، لكن بعض الفلاسفة استطاع الرد على هذه المحاججة بدون نقض المنطق، ومن أقوى هذه الردود هو رد (حرية الإرادة البشرية). 

ومختصر هذا الرد أنَّ الأفعال الشريرة أخلاقيًّا في المجتمع الإنساني ناتجةٌ دومًا عمّا يفعله البشر بإرادتهم الحرَّة، وبالتالي فإنَّ إيقاف هذا الشر يتطلَّب سلب الناس حرية إرادتهم. ولكن هذا الرد خاص بالشر الأخلاقي ولا يشمل الشر الطبيعي، والذي يمكن أن يوجد حل له في نظرية سبينوزا حول الله والطبيعة.

بطبيعة الحال هناك أوجه أخرى لمشكلة الشر وهناك محاججات أخرى وردود أخرى، لكننا أردنا فقط أن نبين مستوى النضج الذي وصلت إليه المشكلة في زمن أبي العلاء، فكما لاحظنا أن الفارق ليس كبيرًا بين النموذج القديم والنموذج الحديث الذي عرضناه من بين نماذج عديدة، وكل الأسف أن أبا العلاء لم يقدم حله لهذه المشكلة لمناقشته إن كان لديه حل.

إعلان

اترك تعليقا