التوريث المشروط: إشكاليّة الإمامة في الفكر الزيدي

لا تجد في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي نظريةً تنطوي من الداخل على توتّر بنيوي عميق مثل نظرية الإمامة الزيدية. فمن جهة، تشترط هذه النظرية أن يكون الحاكم منحدراً من آل البيت، أي من ذرية فاطمة بنت محمد وعلي بن أبي طالب. ومن جهة أخرى، تُقرّ صراحةً أن هذا النسب وحده لا يكفي، بل يمكن الخروج على كل حاكم لم يقرنه بالعلم والعدل والكفاءة. التوريث هنا إذن ليس انتقالاً تلقائياً للسلطة بين الأقارب، بل هو شرطٌ من جملة شروط، قابل للنقض حين يتخلّف ما يُلازمه.
هذه الإشكالية ليست مجرد تدقيق فقهي. إنها مفتاح لفهم تحوّلات الإمامة الزيدية عبر القرون، ولفهم التوترات التي رافقت انهيارها في كل مرة، أو ظهور أكثر من إمام في وقتٍ واحد على الرغم من أنه من الناحية النظرية لا يجب أن يكون هناك سوى إماماً واحداً.
شروط الإمامة – النسب كمبدأ لكن لا ككفاية
ولفهم الموقف الزيدي من التوريث لا بدّ من فهم المنطق الشامل لنظرية الإمامة. فالزيدية – وعلى الأخص النسخة الهادوية منا – لا تقول بأن الإمامة تنتقل آلياً من أبٍ إلى ابن، ولا تقول بأنها تنتقل بالانتخاب الحرّ بمعزل عن النسب. الإمام يجب أن يكون من أبناء علي من فاطمة – وهو ما يُعرف بالاشتراط الفاطمي – لكنه يجب فوق ذلك أن يكون عالماً بالدين، شجاعاً، عادلاً، متديّناً، قادراً على حمل السلاح لمقاومة الظلم. فضلاً عن ذلك، لا تكتمل شرعية الإمامة – وفق الفهم الهادوي – إلا بـ”الخروج”: أي بالإعلان العلني عن الدعوة وحمل السلاح في وجه الظلم.
وكما يُلاحظ بول دريش في دراسته الأساسية عن القبائل والحكومة والتاريخ في اليمن، فإن الإمامة تصبح مشروعةً قانونياً بـ”الدعوة والخروج لا بالانتخاب والعقد”، ولا يعترف النظام الزيدي بأيّ آلية ثابتة للبتّ بين المتنافسين على الإمامة (Paul Dresch: 1989, p. 161). وهذا بالذات هو مصدر عدم الاستقرار البنيوي: فحين يتعدّد المؤهَّلون لا تستطيع الزيدية أن توفّر آليةً قاطعة لتسوية النزاع بينهم بغير القوة والاعتراف الطوعي من العلماء والقبائل.
كذلك تُشير جبريل فوم بروك في دراستها عن “زيدية بدون إمام” إلى أن مزدوجَي السادة والقضاة اللذين يُشكّلان النخبة الزيدية كانا يستمدّان شرعيتهما من النسب والمعرفة معاً، لا من النسب وحده؛ فقد تولّى أبناء عائلات القضاء مناصب قضائية وإدارية رفيعة لا بحكم انتمائهم الجيني فحسب، بل بحكم كونهم حُرّاس مؤسسة العلم. ومن هنا تبيّن أن المنظومة الزيدية كانت تزاوج بين اعتبارَي النسب والمعرفة الدينية بصورة لا تمنح أيّاً منهما استقلالاً تاماً عن الآخر (Gabriele vom Bruck: 1999, p. 169).
إعلان
الخروج كصمّام أمان – التمرد في قلب التوريث
ما يُميّز الزيدية عن سائر المذاهب الإسلامية هو أن مبدأ الخروج – أي مقاومة الحاكم الظالم بالسيف – ليس استثناءً طارئاً، بل ركنٌ بنيوي في نظرية الإمامة ذاتها. فالإمام لا يُعدّ إماماً حقيقياً قبل أن يُعلِن دعوته ويخرج بالسيف لإقامة العدل، وفق الصيغة الهادوية الكلاسيكية. هذا يعني أن التوريث – حتى حين يُراد تسليمه لأبناء آل البيت – لا يكفي وحده لإسباغ الشرعية؛ وحين يتخلّى الإمام عن العدل أو يعجز عن العلم، يصبح الخروج عليه واجباً لا محظوراً.
يتناول برنارد هيكل في بحثه “الخروج أو الهجرة أو الديمقراطية الشورية: الزيديون اليمنيون ومنتقدوهم” الإشكال التاريخي الذي تطوّر مع تطور مؤسسة السلطة الزيدية وحاجتها إلى الاستقرار. إذ يُشير إلى أن بعض أئمة الزيدية حاولوا في فترات معينة تبنّي مواقف العلماء الذين تأثروا بالفقه السني – ومنهم ابن الأمير الصنعاني والشوكاني – والتي تُحرّم الخروج على الإمام ولو كان ظالماً أو غير عالم. هذا الميل “السنّي” داخل الزيدية نفسها يكشف عن التوتر العميق بين مبدأ “الثورة المشروعة” الذي يُشكّل هويّة الزيدية التأسيسية، وبين الميل إلى الاستقرار السياسي الذي يُغري به النظام العائلي – أو ما يمكن تسميته “التوريث الفعلي” – حين يتمأسس الحكم في يد أسرة بعينها.
محاولة لإيجاد صيغة مختلفة عن التوريث الأموي
ولفهم سبب انشغال الفكر الزيدي بشروط الإمامة الدقيقة، لا بدّ من استحضار سياق الصراع التاريخي مع الأمويين. فزيد بن علي بن الحسين، الذي يستمدّ منه المذهب شرعيته، لقي حتفه عام 740م في مواجهة الحكم الأموي. وكان قد خرج داعياً إلى إمامة العدل، وليس إلى إمامة الدم فحسب.
هنا تتّضح الوظيفة الأساسية لاشتراطات الإمامة: فهي تُعبّر عن رفض صريح لمبدأ التوريث الذي قامت عليه الدولة الأموية، حيث كان الانتماء للبيت الحاكم كافياً لتولّي الخلافة دون اعتبار جديّ لشروط العلم أو العدل. بتشديدهم على الكفاءة العلمية والعدالة الأخلاقية إلى جانب النسب الفاطمي. كان الزيديون يُقيمون خطاً فاصلاً: التوريث شرط لازم لكنه ليس كافياً، والنسب وحده لا يُسوّغ الحكم حين يُفقد معه الحدّ الأدنى من الكفاءة الدينية.
يرى دريش أن هذا التوليف بين “النسب والمعرفة والخروج” خلق نمطاً من التاريخ المتكرر: إمامات قصيرة تُثبت أنه لا يكفي الانتماء للبيت الفاطمي، بل لا بدّ من ولاء العلماء وتبعية القبائل معاً، وحين يتفكّك هذا الثلاثي المؤسّس تنهار الإمامة وتعود الفوضى. تلك ليست أزمةً عرضية، بل هي بنية متكرّرة نابعة من صميم نظرية التوريث الزيدية نفسها (Paul Dresch: 1989, pp. 166-167).
البيئة القبلية وهشاشة التوازن
قدّم المفكر اليمني أبو بكر السقاف (تحت اسم محمد عبد السلام) قراءةً مغايرة لهذا الإرث المضطرب بين الأفكار المؤسِّسة والاختلافات التطبيقية في كتابه ” الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي”، مُدرجاً إياه في سياقه الاجتماعي. فمبدأ الخروج الذي يُتيح تعدّد الأئمة في آنٍ واحد يعكس في جوهره طبيعة البيئة القبلية حيث “لا يتعارف بعضهم بالآخرين إلا أقراناً، وعلاقاتهم لا تسمح بقيام نظام هرمي، بل على ضرب من التوازن الهشّ والوقتي، وتكرار جولات التنافس والتنازع” (محمد عبد السلام، ١٩٨٨، ص ٨).
هذه القراءة لافتة لأنها تُفسّر الشروط المتعدّدة للإمامة لا كنظرية لاهوتية مكتفية بذاتها، بل كانعكاس لبنية اجتماعية يَصْعُب فيها ترسيخ هيمنة هرمية ثابتة. القبيلة اليمنية لا تقبل طاعةً مُطلقة لأحد، حتى وإن كان من آل البيت. لذا كانت شروط الإمامة تُوفّر خطاباً تفاوضياً: حين يفشل الإمام في تلبيتها يُفتح المجال لإعادة التفاوض حول الولاء، وهو ما يُسمّيه الفكر الزيدي “الخروج” لإعادة توزيع للقوة في منظومة تتوازن لا تتراتب.
يُقترب هذا الفهمَ مما كتبه بول دريش حين أشار إلى أن المواجهات بين الأئمة والقبائل كانت كثيراً ما “تتدهور إلى أشكال صراع قبلي وتسوية قبلية”، وأن وجود عدوّ خارجي – أموي أو فاطمي أو عثماني – كان هو ما يُحوّل الصراع الداخلي إلى وحدة وجهاد. فالتوريث المشروط كان يعمل بشكل أفضل حين كانت هناك تهديدات تُوحّد الحجج ضدها لا تُفرّق (Paul Dresch: 1989, p. 161).
الانزياح القاسمي – نحو التوريث الفعلي
يُظهر تاريخ الإمامة الزيدية في اليمن أن المبدأ النظري للتوريث المشروط كان يتعرّض لضغط دائم نحو التوريث الفعلي. فمنذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، لم تعد الأسرة القاسمية الحاكمة تُطبّق شروط الإمام المنصوص عليها في المذهب الزيدي؛ بل أصبح الأئمة يأتون من أسرة يرث فيها الابن حكم أبيه بصرف النظر عن المؤهلات. كما يوضح برنارد هيكل، حين أرفق القاسميون هذا التحوّل نحو الحكم الأسري بتبنّي آراء علماء السنّة الإصلاحيين – كمحمد بن إسماعيل الأمير ومحمد بن علي الشوكاني – ممّن يرون أن الحكم الوراثي مقبول وأن التمرد محرّم، كانوا في الواقع يسعون لإضفاء الشرعية على ما هو في جوهره انحرافٌ عن المبدأ الزيدي الأصيل (Bernard Haykel: 1999, pp. 193-194).
هنا يتجلّى بأوضح ما يكون التوتر الداخلي في بنية التوريث الزيدي: الشروطُ الإضافية – العلم والعدل والخروج – كانت موجودةً في الأصل لمنع تحوّل النسب الفاطمي إلى امتياز توارثي مُغلق، لكن حين نضج الحكم الزيدي وترسّخت الأسرة الحاكمة، انقلبت هذه الشروط نفسها إلى أدوات في يد العلماء المرتبطين بالدولة لتسويغ الوراثة الفعلية وتحريم الخروج عليها.
ترصد جبريل فوم بروك هذه الازدواجية حين تُشير إلى أن قيام الجمهورية عام 1962 كشف عن هذه الهشاشة البنيوية: فالسادة – الذين كانت الزيدية قد أوكلت إليهم الزعامة السياسية والدينية – وجدوا أنفسهم في مواجهة دعاة جمهوريين يستندون إلى تقليد الشوكاني ذاته ليُسبغوا الشرعية على نظام لا قيمة فيه للنسب الفاطمي. وهكذا دارت الدائرة: الأداة التي ابتكرها الفقه الزيدي لتجاوز التوريث الأموي وُظِّفت في نهاية المطاف لتجاوز التوريث الزيدي نفسه (Gabriele vom Bruck: 1999, p. 170).
المعنى السياسي للتوريث المشروط
من خلال استعراض الموقف الزيدي من قضية التوريث، وملمحاً من التجارب التاريخية المتباينة، يمكن استخلاص ثلاث نتائج نظرية:
أولاً: إن اشتراط النسب في الإمامة الزيدية لا يُقيم توريثاً عائلياً مغلقاً، بل يُقيم “حداً أدنى من الأهلية”، يُبقي أبواب التنافس مفتوحةً بين أبناء عائلات فاطمية متعددة، ويجعل الإمامة في حالة نظرية دائمة من الانفتاح على الطعن والمنازعة. هذا يختلف جوهرياً عن التوريث المُعتاد الذي يُحْصَر في أسرة واحدة ويقطع الطريق على المنافسة.
ثانياً: مبدأ الخروج ليس “إضافةً ثورية” عارضة على نظرية توريثية، بل هو ضرورة منطقية داخل المنظومة. فإذا كان التوريث مشروطاً، فلا بدّ من آلية لتفعيل هذا الشرط حين يُخلّ به الحاكم. الخروج هو تلك الآلية. وبهذا المعنى، التوريث والتمرد ليسا متناقضين في الفكر الزيدي، بل متكاملان: لا توريث بغير شروط، ولا تفعيل للشروط بغير إمكانية الخروج.
ثالثاً: من المهم الأخذ بالبعد السوسيولوجي عند تحليل تطور نظرية “الإمامة” في الفكر السياسي الزيدي. فالزيدية لم تتطور في فراغ، بل في حضن بيئة قبلية تمانع الهيمنة الهرمية المطلقة. ولهذا فإن نظرية التوريث المشروط قد تعكس – في جانب منها على الأقل – صياغةً لاهوتيةً لقيمة اجتماعية راسخة: القائد لا يُطاع لمجرد من هو، بل بقدر ما يثبت في الميدان.
خاتمة
التوريث في الفكر الزيدي ليس أيديولوجيا دم، ولا هو عملية اختيار حرة. إنه موقف تفاوضي يزاوج بين اعتقادَين: أن النسب يُفيد دلالةً على الأهلية وحُسن التكوين، لكنه لا يُعوّض عن شرط الإهلية في العلوم الدينية ولا يُغني عن العدل، كما يتصوره. في هذا المنطق مساحة للتمييز بين الشرعية والقدرة الوراثية؛ وفي هذه المساحة نفسها تفجّرت الأزمات المتكررة حين تباعدت الإمامة عن شروطها، ونشأت أيضاً محاولات التجديد التي سعت – وتسعى – إلى إنقاذ المبدأ الأخلاقي للإمامة بعد إسقاط الاشتراط الدموي أو تحييده.
ربما لم تكن الزيدية أقلّ تناقضاً من سواها في هذا الشأن. غير أن ما يُميّزها هو أن تناقضاتها كانت مُعبَّراً عنها صراحةً في منظومتها الفقهية، لا مخبّأةً خلف خطاب التقديس، كما تعطي فكرة عملية عن كيف تُصاغ نظريات السلطة في تربة تتلاقح فيها اللاهوت الديني بالقبيلة والنسب بالاستحقاق.
نرشح لك/ موجز تاريخ إيران .. من الشاه إلى آية اللّه
المراجع
– Bernard Haykel, Rébellion, Migration or Consultative Democracy? The Zaydis and their Detractors in Yemen”, in Rémy Leveau, Franck Mermier, Udo Steinbach (éds.), Le Yémen contemporain, Éditions Karthala, Paris, 1999, pp. 193-231.
– Gabriele vom Bruck, Being a Zaydi in the Absence of an Imam: Doctrinal Revisions, Religious Instruction, and the (Re-)Invention of Ritual”, Ibid., pp. 169-192.
انظر أيضاً: Disputing Descent-based Authority in the Idiom of Religion: The Case of the Republic of Yemen, Die Welt des Islam, 38/2 (1998), pp. 149-191.
– Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Clarendon Press, Oxford, 1989. وكذلك مقاله “Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen”, in P. S. Khoury and J. Kostiner (eds.) , Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1990.
– محمد عبد السلام** (أبو بكر السقاف) ، الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي، شركة الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1988.
– Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict, Hurst & Company, London, 2017.
– Walter de Gruyter, Der Imam al-Qasim ibn Ibrahim und die Glaubenslehre der Zaiditen, Berlin, 1965
إعلان
