التمهيد لقبول اللامعقول: دونالد ترامب أنموذجًا | علي طلال فضل

تقوم العديد من التحليلات المعاصرة للسلوك السياسي على فرضية مفادها أنّ تشكيل الوعي الجمعي لا يتم بصورة فجائية، وإنما عبر عمليات تدريجية من التهيئة والتطبيع. وفي هذا السياق، تكتسب مقولة غوستاف لوبون، في كتابه الشهير سيكولوجيا الجماهير، أهمية خاصة، حيث يؤكًد أنّ «الجماهير لا تفكِّر، بل تشعر». ويشير هذا الطرح إلى أنّ الأفراد، عند اندماجهم ضمن الجماعة، يصبحون أكثر خضوعًا لتأثير اللاوعي، وأقل استجابة للمنطق العقلاني، مما يجعلهم أكثر قابلية للتوجيه والتأثير.

يُظهِر علم النفس الاجتماعي أنّ الجماهير تخضع لبنية لاواعية تحكم سلوكها، بغض النظر عن انتماءاتها الثقافية أو الاجتماعية. في كتابه علم نفس الجماعة وتحليل الأنا، يوضح سيغموند فرويد كيف تتشكّل الهوية الجماعية عبر آليات نفسية لاواعية، تجعل الأفراد أكثر قابلية للتأثر بالقيادة والرمز ومن هذا المنطلق، تمثّل هذه البنية مدخلًا أساسيًا لممارسة السلطة، التي لا تعتمد بالضرورة على الاعتبارات الأخلاقية أو الإنسانية، بقدر ما تستند إلى منطق براغماتي يهدف إلى تحقيق الاستمرارية.

وعليه، فإنّ أدوات التأثير الأكثر فاعلية لا تتمثّل في الخطاب العقلاني أو الحجاج المنطقي، بل في استثارة العاطفة، وتوظيف الرموز، وصياغة الشعارات القادرة على التأثير في المخيال الجمعي. وتتوافق هذه الأدوات مع الطبيعة الانفعالية والاندفاعية للاوعي الجماهيري، وفي هذا السياق يشير تشومسكي و هيرمير في كتابهما «صناعة القبول» إلى دور وسائل الإعلام في “صناعة القبول” من خلال توجيه الرأي العام بما يخدم السلطة.

 

شهدت العقود الأخيرة تصاعدًا في دور المنظومات الإعلامية، المرتبطة بالبنى الرأسمالية، في إعادة تشكيل القيم والمعايير. وقد تم ذلك من خلال عمليات مستمرة لتفكيك المعنى، وإعادة إنتاجه بما يخدم أنماطًا معينة من الهيمنة ، وهو ما يتقاطع مع مفهوم “الهيمنة الثقافية” لدى غرامشي الذي يرى أنّ السيطرة لا تمارس بالقوة فقط، بل عبر تشكيل الوعي والمعنى . ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تعزّزت هذه العمليات، نظرًا لانسجام هذه الوسائل مع طبيعة التلقي العاطفي والسريع لدى الجماهير.

إعلان

دونالد ترامب بوصفه حالة تحليلية

 في ضوء هذا الإطار، يمكن مقاربة شخصية دونالد ترامب بوصفها حالة تحليلية تتجاوز التفسيرات السطحية التي تصفه بـ“الجنون” أو “اللامعقول”. إذ يمكن النظر إلى هذه الشخصية باعتبارها نتاجًا لعملية تهيئة تدريجية، هدفت إلى جعل أنماط سلوكية معينة مألوفة ومقبولة للرأي العام.

فخلال ولايته الأولى، تم تقديمه كنموذج يتّسم بتجاوز الأعراف الدبلوماسية، واعتماد خطاب شعبوي، واستخدام وسائل تواصل غير تقليدية في إدارة الشأن السياسي، ونرجسيته الفظّة و أناه المريضة، ولا أتكلم هنا عن الرؤيا الميكيافيلية لصورة الحاكم  المتمّثلة بإظهار القوة والإنتماء للأمة وتحقيق الإنتصارات وإنما بسلوكه الشعبوي وشذوذه المَرضي وإظهار الجنون الممتع للجماهير المهيَّئة أساسًا له بل والراغبة فيه. فاستخدام الشتائم والألفاظ النابية والرقص أثناء الخطابات الرسمية واستخدام التويتر لسن القرارات الرئاسية والتهديد والوعيد لخصومه وغيرها من السلوكيات التي تناسب جمهور معدوم القيمة والمعنى ويلهث خلف اللذة الفارغة هو ما يجعله مقبولًا من قبل هذا الجمهور. كما أنّ هذا الجنون الوقح لترامب يمرّر رسالة لأعدائه بإمكانية تجاوزه لكلً القوانين والأعراف الدولية ويبرّر بمكان ما وقاحته بالتعدّي على العالم بأيّ طريقة يريدها. وعلى ضوء ذلك فإنّ حادثة اختطاف مادورو وإسقاط نظامه سواء كانت حقيقية أم تمثيلية متّفق عليها فهي من حيث طريقتها التي حدثت بها أو زمان حدوثها، هي مقدّمات نفسية لشرعنة الجنون واللامعقول والرضوخ لها. وقد أسهم هذا التدرج في خلق حالة من الألفة مع هذه الأنماط، سواء على المستوى الداخلي في الولايات المتحدة أو على الصعيد الدولي.

تتجلّى أهمية هذه العملية -تطبيع اللا معقول- في قدرتها على تحويل ما كان يُعد سابقًا سلوكًا شاذًا أو غير مقبول إلى ممارسة طبيعية. فالاستخدام المتكرّر للغة حادة، أو تبنِّي سلوكيات غير مألوفة في الخطاب السياسي يسهم في إعادة تعريف الحدود المقبولة للسلوك العام. ويمكن فهم عملية تطبيع السلوكيات غير التقليدية من خلال مفهوم «نافذة أوفرتون» الذي يشرح كيف تنتقل الأفكار من الهامش إلى القبول العام تدريجيًا. كما أنّ السخرية، بوصفها أداة ثقافية، قد تسهم في تقليل مقاومة الجمهور للأفكار المثيرة للجدل.

وانتشار السخرية من هذا الإطار عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن تفسيره بوصفه آلية مزدوجة، إذ يسهم، من جهة، في تقويض الجدية النقدية، ومن جهة أخرى، في تعزيز انتشار الظاهرة وتكريس حضورها. فالسخرية، بوصفها ممارسة ثقافية، قد تؤدي إلى تفريغ الظواهر من دلالاتها السلبية، وتحويلها إلى مادة استهلاكية مقبولة.

“شرعنة اللامعقول”

في ضوء ما سبق، يمكن اقتراح مفهوم “شرعنة اللامعقول” لوصف الحالة التي يصبح فيها السلوك غير المنطقي أو الفوضوي مقبولًا، بل ومبرّرًا ضمن السياق العام. وتتحقّق هذه الشرعنة من خلال التكرار، والتطبيع التدريجي، واستخدام أدوات إعلامية وثقافية متنوعة.

وختامًا يخلص هذا التحليل إلى أنّ فهم الظواهر السياسية المعاصرة يتطلب تجاوز التفسيرات الاختزالية، والانتقال إلى دراسة الآليات العميقة التي تحكم تشكيل الوعي الجمعي. وفي هذا الإطار، تمثل حالة دونالد ترامب مثالًا دالًا على كيفية توظيف الديناميات النفسية والإعلامية لإعادة تشكيل معايير القبول الاجتماعي، بما يسمح بتمرير أنماط جديدة من السلوك السياسي تحت غطاء الألفة والتكرار.

مراجع:

  • Chomsky, N., & Herman, E. S. (1988). Manufacturing Consent. Pantheon Books.

 

  • Freud, S. (1921). Group Psychology and the Analysis of the Ego.

 

  • Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks.

 

  • Le Bon, G. (2001). The Crowd: A Study of the Popular Mind (Original work published 1895)

إعلان

اترك تعليقا