تأخذك إلى أعماق الفكر

You’ve got mail: الشغف وحده ليس كافيًا

الفيلم الأمريكي الشهير “You’ve got mail” من مفضلاتنا جميعًا. قصة الحب العذبة، والجديدة عن قصص الماضي، والتي بشرت بزمن الحب الإلكتروني لامستنا كثيرًا، وما نزال حتى اليوم متأثرين بتلك القصة.

“كاثلين كيلي (ميج رايان)” المرأة التي ورثت شغفها عن والدتها، الكتب هي كل عالمها وتحديدًا كتب الأطفال. جدران المكتبة التي ورثتها كاثلين عن والدتها ليست مجرد حوائط تحوي بداخلها مشروعًا وثروة يوفران لها حياة كريمة؛ بل كانت كل حياتها، فيها كانت ذكريات طفولتها الأكثر جمالًا، هنا كانت تروي لها والدتها القصص، هنا أحبت كاثلين الكتب وصارت تعرفها كما لم يعرفها أحد من قبل. كاثلين مرتبطة كذلك بجمهور المكتبة في تلك المنطقة؛ فهم بالنسبة لها ليسوا مجرد زبائن وهي كذلك بالنسبة لهم، إذ يجمع بينهم شغف مشترك وذكريات طويلة ممتدة منذ زمن والدتها.

كاثلين كانت تدير المكتبة بالطريقة التي كانت تديرها بها والدتها؛ حتى يظهر لها مُنافس “جو فوكس (توم هانكس)” والذي لا يعنيه أي من هذه الأشياء التي تتعلق بالشغف والذكريات. هو رجل أعمال وضع دراسة لمشروعه والذي يهدف للربح في المقام الأول، ويعرف بالضبط كيف يجذب الزبون. تظل كاثلين مؤمنة بقوة العاطفة وأن ما يخرج من القلب يصل للقلب، وأن زبائنها يحبونها ولن ينصرفوا لهذا المتجر الكبير الجديد والذي يحتوي على ركن للمشروبات ومكان للقراءة وكل شيء إلا شغفها وحبها للكتب. بين صراع المادة والعاطفة، والشغف والذكاء تستسلم كاثلين، وتقرّ أن شغفها وحده ليس كافيًا وتنسحب من المعركة.

في مشهد مؤثر تذهب كاثلين بعد إغلاق مكتبتها لرؤية هذه البناية الممتلئة بالكتب التي سحقتها وحلمها؛ فتجد العاملين في المكان لا يفقهون شيئًا عن الكتب، ولا يذكرون أسماء السلاسل الشهيرة ولا حتى كُتابها. في بكاء خانق تخبر كاثلين البائع الذي عجز من مساعدة زبونة تبحث عن سلسلة كتب أطفال باسم السلسة واسم كاتبها، دموعها ليست على خسارتها؛ لكن لعلمها بأنها لم تكن تستحق تلك الخسارة وأنها كانت أولى بحلمها وهذا الذي أخذه لا يستحقه.

إعلان

على الجانب الآخر من الحدث يقف جو فوكس صاحب العلامة التجارية الضخمة، والذي لم يكن يعلم بعد عمق الخسارة التي كبدها لكاثلين. كاثلين وجو فوكس وللصدفة المحضة هما صديقي دردشة في أحد غرف الدردشة عبر الإنترنت؛ لكن لم يكن أحدهما يظهر هويته الحقيقية للآخر إلى أن قررا ذات يوم خضوعًا لرغبة كاثلين المُلحة أن يلتقيا، يفاجأ جو فوكس بأن المرأة التي يجرى معها تلك النقاشات المطولة في غرفة الدردشة دون هوية هي ذاتها التي يجمعه بها نزال شديد في ساحات العمل. كيف يمكن لكاثلين المنافسة الشرسة التي تمقت آل فوكس وكل شيء يتعلق بهم أن تكون هي ذاتها الفتاة الوديعة في غرفة الدردشة، والتي أفصحت لصديق دردشتها أكثر من مرة عن استيائها من المرات التي كانت فيها فظة مع منافسها جو فوكس…وكيف يكون الصديق الإلكتروني اللطيف الذي كان يُسري عنها هو ذاته الخصم اللدود.

دقائق طويلة قضاها جو أمام باب المقهى بعد إذ رأى كاثلين بصحبة كتابها المفضل “حب وكبرياء” ومعها وردة حمراء، كل هذه القرائن تدل على أن كاثلين هي ذاتها فتاة الدردشة. يستجمع جو قواه ويدخل المقهى ويتوجه صوب طاولة كاثلين التي تعامله بجفاء وغلظة مرة أخرى، وينتهي اللقاء بقرار جو عدم الإفصاح عن هويته التي تجهل، وبانكسار قلب كاثلين لأن حبيبها الذي تنتظر وتتخيل أخلف موعدها! بين صدمة جو فوكس، وخذلان كاثلين كيلي تُؤَجَّل المُصارحة مؤقتًا.

رؤية جو لكاثلين بهذا الضعف في متجره يشعره بالذنب، ويجعله يتمنى لو يستطيع الاقتراب منها ومُعانقتها والإفصاح عن هويته التي تجهل؛ لكن الأمر ليس بهذه السهولة… كيف ستقبل كاثلين حبًا من الرجل الوحيد الذي حطمها؛ فلم يُحطمها هجر خليلها لها، و حتى وفاة والدتها لم تكن بهذا الألم، ضياع المكتبة التي كانت آخر بقايا والدتها وآخر الأشياء التي تُحب هو ما جعلها تهوي أرضًا وتفقد توازنها ، هذا بالطبع بالإضافة إلى خذلان وغياب الصديق أو الحبيب الإلكتروني.

يرى جو كاثلين بوجهها الحقيقي لأول مرة ويدرك عمق الألم الذي سببه لها، المكتبة كانت بالنسبة له مشروع من ضمن مئات المشاريع؛ لكنها كانت بالنسبة لها حياتها. يحاول جو في محاولات متفرقة مُتكررة بأن يتودد لكاثلين ويجعلها تراه كجو بوجهه الطيب وليس بوجه رجل الأعمال المادي قاسي القلب. يصير جو وكاثلين صديقين حتى إنها تخبره بأمر صديقها الإلكتروني، يصير جزءًا من قصة كاثلين وفتاها الإلكتروني ويدفعها لأن تقابله مجددًا، وبالطبع يجلس هو في غرفة الدردشة يُعد اللقاء المنتظر. كاثلين في هذه اللحظة وقعت في حب جو بشخصه…لكن لديها حبيب آخر طال انتظاره، وفي مشهد كلاسيكي دافئ تفاجئ كاثلين بأن حبيبها هو ذاته جو، ولكم كانت تتمنى ذلك.

الشغف والذكاء يجتمعان في You’ve got mail

نهاية الفيلم ليست بداية حياة زوجية وعاطفية سعيدة؛ بل هي بداية حياة جديدة يجتمع فيها الشغف والعاطفة بالإدارة والتخطيط. العاطفة وحدها ليست كافية لإنجاح أي شيء مهما كانت قوية. العاطفة لا تكفي لإنجاح علاقة بين رجل وامرأة مهما كان حبهما أسطوريًا؛ فيلزم لهذه العاطفة توافق وتآلف. كذلك العاطفة لا تكفي لتكون مميزًا في المجال الذي تحب؛ يلزمك مع شغفك عقل يخطط ويفكر كيف تترجم شغفك هذا لنجاح.

العقل أيضًا وحده ليس كافيًا، قوة التخطيط ودقة التنفيذ لا يكفلان لك النجاح، وإن حدث ونجحت فهذا لا يكفل لك الخلود والبقاء. لطالما كان القلب جهاز سحري يمكن أن يوصل رسائل ومشاعر تحرك في النفس ألف فكرة وفكرة. العقل وحده يقف عاجزًا عن فهم ما يجري في أفئدة الناس وكيف تؤثر فيهم، وحده القلب يفعل ذلك ومقولة “ما يخرج من القلب يصل للقلب” ليست قولًا مأثورًا بلا معنى؛ بل هي حقيقة، سواءً كان الأمر متعلق بعمل أو زواج وكل مناحي الحياة. للعاطفة تأثير السحر؛ لكنها وحدها ليست كافية.

نرشح لك: the dreamers الــحــالــمــون: كن واقـعـياً واطــلــب المــســتــحــيــل

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.