تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يشبه الفاتيكان الفيفا؟

في كرة القدم كما في الكنيسة الكاثوليكية، الأتباع خير من قادتهم.

قليلة هي النشاطات الإنسانية التي تثير من العواطف بقدر ما يفعله الدين والرياضة. فالكاثوليكية هي إحدى الأديان الأكثر أتباعًا، وكرة القدم هي الرياضة ذات العدد الأكبر من الهواة. يقود الفاتيكان الكاثوليكية فيما يدير الفيفا -الاتحاد الدولي لكرة القدم- هذه الرياضة.

أوجه الشبه بين الفيفا والفاتيكان

إن أصل وتاريخ وسبب وجود هاتين المؤسستين لا يمكن أن يكون أكثر اختلافًا. مع ذلك، وبالرغم من اختلافاتهما العميقة، إن لديهما أيضًا الكثير من أوجه الشبه المثيرة للاهتمام. كلاهما مثلًا يشتركان في مفارقة كونهما مؤسسستين أوروبيتين أساسًا، إلا أن معظم أتباعهما يوجدون في بلدان نامية. يتشابهان أيضًا في خلو المواقع القيادية في كليهما من النساء. وفي الوقت الراهن، الشخصيتان الأكثر تمثيلًا للفاتيكان وكرة القدم على الصعيد العالمي هما رجلان أرجنتينيان: البابا فرانسيسكو وليونيل ميسي.

تدير هاتان المنظمتان كميات هائلة من الموارد. ورغم أن الكرسي الرسولي يمتلك إرثًا فنيًا وعقاريًا ضخمًا، إلا أن مصادر دخله الرئيسة تأتي من استثماراته، ومن إيجارات ممتلكاته، ومن التبرعات. إن مواردها المالية غامضةٌ للغاية، لكنَّ تحقيقًا لمجلة الإيكونوميست (The Economist) قدَّر أن ميزانية الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2010 كانت 170.000 مليون دولار، كلها تقريبًا مخصصة للأعمال الخيرية.

من ناحيته، يتموَّل الفيفا عبر بيع حقوق النقل التلفزيوني لفعالياته، ومن تسويق المنتجات، والاستثمارات. وقد زاد مجموع هذه الإيرادات عن 5.500 مليون دولار بين عامي 2015 و2018.

قضايا الفساد

كما هو معلوم جيدًا، واجه كل من الفاتيكان والفيفا مشكلات قانونية في الأعوام الأخيرة. ففي أيار|مايو 2015، اقتحم أكثر من اثني عشر رجلًا من الشرطة بالملابس المدنية الـ Baur au Lac، وهو فندق فاخر في زيوريخ، حيث كان يجتمع مديرو الفيفا، واعتقلوا سبعةً منهم. بعد عدة شهور تكرر المشهد. في السادسة من صباح الثالث من كانون الأول|ديسمبر 2015، وصلت الشرطة السويسرية إلى الـ Baur au Lac واعتقلت قادةً للمنظمة كانوا ينزلون هناك. ولئن كان رجال الشرطة الذين قاموا بهذه الاعتقالات سويسريين، فهم إنما كانوا يعملون بطلب من السلطات الأمريكية. كان مكتب التحقيقات الفيدرالي (الأف بي آي) يحقق في الفساد في الفيفا منذ أعوام. اتهمت وزارة العدل الأمريكية الفيفا بـ “الفساد المُستشري، والممنهَج، والمتجذِّر”. تلقى مديرو الفيفا دفعاتٍ غير قانونية مقابل التصويت لمصلحة بلد محدد كان يتطلع ليكون مقرًا لبطولة العالم، أو مقابل منح حقوق البث التلفزيوني.

إعلان

نتيجةً لمبادرات من مكتب مدعي عام المقاطعة في نيويورك، ومن الأف بي آي، ومن وكالات أخرى في الحكومة الأمريكية، سُلِّمَ عددٌ من قادة الفيفا واتحاداته الإقليمية إلى الولايات المتحدة حيث حوكموا وحُكِم عليهم بالسجن. وتم استبدال قمة هرم المنظمة. كما حملت الفضيحة عدة حكومات أخرى على التحقيق في حالات مماثلة في بلدانها. ينبغي التشديد هنا على أن الكشف عن الفساد في الفيفا لم يكن مفاجأةً كبيرة. كان سرًا مكشوفًا أن كثيرًا من قراراته كانت للبيع.

ما كان مفاجأة حقًا هو أن من واجه الفساد في الفيفا كانوا المدعين العامين والقضاة ورجال الشرطة في الولايات المتحدة، وهي البلد الذي لم تنل فيه كرة القدم بعد الأهمية التي نالتها في أنحاء أخرى. إن لتقلبات الأحوال المعروفة في الفاتيكان نظيراتها المثيرة للاهتمام في الفيفا، إلا أن المتصلة بالأخير تتعلق بالرشاوى أما المرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية فهي تتعلق بالاعتداء الجنسي.

تاريخ الكنيسة الكاثوليكية والاعتداءات الجنسية

لكليهما تاريخ طويل من السلوكات غير المقبولة من جانب بعض أعضائهما وتاريخ طويل كذلك من إنكار المشكلة والتستر والتساهل والإفلات من العقاب. مرة أخرى، ورغم أن الكاثوليكية ليست الدين المهيمن في الولايات المتحدة، إلا أن سلطات هذا البلد هي التي واجهت بقوة هذه الانتهاكات. وفقًا لصحيفة الواشنطن بوست: “تتناقض الاستجابة السريعة والواسعة للسلطات المدنية مع الإيقاع الجليدي نسبياً للفاتيكان”. وصرحت المدعية العامة في ولاية إيلينوي الأمريكية بأن “الكنيسة الكاثوليكية أثبتت أنها لا تستطيع أن تكون رقيبة على نفسها. لا يمكن للسلطات المدنية أن تسمح بأن تخفي الكنيسة اتهامات الاعتداء الجنسي على الأطفال كما لو أنها قضايا شخصية خاصة. إنها جرائم”. في الولايات المتحدة، بدأت خمس عشرة ولاية تحقيقات جنائية واسعة في هذه الانتهاكات الجنسية. في المقابل، ووفقًا لبعض الإحصاءات، ما زال الصمت والحصانة في البلدان الأوروبية، حيث الكاثوليك هم غالبية السكان، ما زالا هما القاعدة. لكن ذلك سيتغير.

ليس فقط لأن المجتمع المدني أصبح أكثر فعاليةً وتمكينًا، والمعلومات أسهل منالًا، وإخفاء الجرائم أكثر صعوبةً، ولكن أيضًا لأن الأتباع، سواء في كرة القدم أو في الكنيسة الكاثوليكية، هم خير من قادتهم.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: زيـاد الأتاسي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.