تأخذك إلى أعماق الفكر

أربعة اضطرابات غير الاكتئاب نتعامل معها يوميًا دون علم!

اضطراب ثنائي القطب Bipolar، اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه ADHD، عمى الوجوه Face Blindness واضطراب الوسواس القهري OCD.

شهد التاريخ البشري انتفاضات كثيرة ترسيخًا لمبدأ المساواة ومناهضةً للعنصرية، دعوة أحدهم بصفات جسدية مثلًا الآن تعتبر رذيلة كبيرة يحاول العامة تجنبها، لكن استخدام العامة أسماء بعض الاضطرابات العقلية كوسيلة للسب أو التهكم فلا عيب في ذلك في مجتمعاتنا حتى الآن!

أغلب الظن أنك قد عرفت شخصًا مهووسًا بالعد والتنظيم، وآخر تمثل له الدراسة ضغوطًا شديدة، وربما كان لك صديق لا يلقي التحية، وقد تسمع عن ذاك المفعم بالنشاط والحيوية لكن -مع الأسف- يزوره الاكتئاب بين الفينة والأخرى، وربما تكون نفسك أحد هؤلاء الأشخاص! وفي الحقيقة لم يخلق الله فردًا عياريًا نقيس عليه المختلف من العادي؛ لقد خُلقنا مختلفين وسنظل، والإيمان بذلك الاختلاف فرض لتحقيق غاية الله من البشر.

عند الحديث عن الاضطرابات العقلية يتأهب العقل لسماع كلمة “اكتئاب”؛ فهو أكثر الاضطرابات شيوعًا وربما هو السبب الأساسي وراء اهتمام الناس بالاضطرابات العقلية، لكن -وبكل أسف- عقل الإنسان قادر على ابتكار اضطرابات أخرى يجب أن يعلم المجتمع بوجودها. لذلك لنناقش قليلًا بعض الاضطرابات بنظرة اجتماعية بعيدًا عن العلم قليلا!

-اضطراب ثنائي القطب Bipolar Disorder: 

 

Bipolar
بعنوان Bipolar للمصمم Camilo Vera

جميعنا نملك مزيجًا من الذكريات والآمال الطامحة، لكن مريض “البايبولار” نادرًا ما يقدر على الجمع بين الإثنين معًا، الأغلب أن تسيطر المآسي وحدها على عجلة القيادة وهذا ما يُعرف ب”اكتئاب ثنائي القطب”، أو أن يعلن الدوبامين (الهرمون المسئول عن السعادة) السيطرة وهذا ما يُعرف بمرحلة “هوس ثنائي القطب”، وتنحصر حياة المريض في مجموعة تقلبات مزاجية شديدة، كلٌ منها قد يستمر لأسابيع أو شهور. في حالة الاكتئاب تتلاشى الرغبة والطاقة لفعل أي شيء، وأي فكرة عابرة قد تزيده في احتقار الذات، وربما تراوده أفكار انتحارية أيضًا. وأما مرحلة الهوس -وبرغم ارتفاع مستوى الإبداع والطموحات خلالها- فقد تكون مدمرة أيضا! حيث أن النشاط الهائل يسبب استنزافًا لصحة الإنسان. تأتي مرحلة الهوس مصاحبةً لقلة الرغبة في النوم (الأرق)، وتشابك الأفكار لدرجة فقدان القدرة على التركيز، واضطرابات في الطعام، وقد تسبب شيئًا من فقدان السيطرة، فمريض “البايبولار” قد ينفق كل ثروته أثناء نوبة هوس!

وعلى عكس أغلب الاضطرابات العقلية “البايبولار” يؤثر فقط على المزاج بالأساس ولا يسبب أي نوع من الهلاوس أو العجز في النطق، ولا يمكن للضغوط الشديدة أو الحوادث المؤلمة أن تسبب “بايبولار” مستديم. ونظرًا لأن السبب الوحيد المعروف ورائه حتى الآن يتعلق بكيمياء المخ، فالعلاج الوحيد لمصاب “البايبولار” هو الالتزام بالدواء الموصوف!

إعلان

ولا عجب أن يُعرف “البايبولار” بمرض المبدعين حيث يرتبط بأسماء مثل: فان جوخ، وبيتهوفن، وإرنست هيمنجواي، وفرانك سيناترا، ومارلين مونرو، وونستون تشرشل، وهيث ليدجر وغيرهم!

اقرأ أيضا: النرجسية .. اضطراب في الشخصية من أسطورة يونانية 

-اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط ADHD: 

 

ADHD
بعنوان ADHD للمصمم Hom Ho

هو اضطراب تسببه بعض الجينات المنقولة وراثيا في العائلات، وبعكس الاسم فذلك النوع من الاضطراب لا يعني فقط نقص الانتباه لكن أيضًا تنقل العقل قهريًا من موضوع لآخر في ثوانٍ قليلة، بالإضافة إلى صعوبة التخطيط وصعوبة الهدوء، وربما بعض المعاناة في التواصل الاجتماعي، وحتى السيطرة على المشاعر.

وقد يصنف البعض ADHD تحت بند عجز التعلم Learning disability، لكنه ليس كذلك؛ إن عجز التعلم يقاوم اكتساب مهارات محددة كالقراءة أو علم الرياضيات -مثلا-، لكن ADHD هو أسلوب حياة يصعب فيها التركيز عمومًا، ويقول الدكتور “توماس براون” من جامعة “Yale” أن لكل مريض ADHD اهتمام خاص يستطيع التركيز فيه بجدية وبدون تشتيت. وهنالك جانب أكثر إشراقًا وهو أن أعراض ADHD تبدأ في الاختفاء بعض الشيء مع تقدم العمر. بالإضافة إلى أن الكثير ممن أثروا في التاريخ عانوا من ADHD، لكن يكفي ذكر “ألبرت آينشتاين” هنا كمثال!

-عمى الوجوه Prosopagnosia: 

 

face blindness
بعنوان Face Blindness للمصمم Ryan Tippery

تخيل أنك تتصفح صور العائلة فتشاور على أحدهم وتسأل: “من هذا الوسيم؟”، فيأتيك الرد أن “هذا الوسيم هو أنت”! هذا واحد من المواقف المحرجة التي قد يتعرض لها مريض عمى الوجوه.

عمى الوجوه هو اضطراب عصبي يمنع الأفراد من تمييز ملامح الوجوه، كما ينطبق ذلك حتى على وجه المريض ذاته. تتفاوت الأعراض من شخص لآخر، ويبدأ الاضطراب بمشاكل طفيفة في التعرف على الوجوه وينتهي عند الجهل التام بالملامح. ولا علاقة له بمدى قوة الذاكرة أو قوة النظر، حيث أن الحالة لا تتحسن بالتمرين أو الحفظ.

أنا أفضل كثيرا في تمييز كلاب جيراني (لديهم أشكال وألوان مميزة)، عن جيراني أنفسهم. – أوليفر ساكس، عالم أعصاب مصاب بعمى الوجوه.

حتى الآن لا يوجد علاج لعمى الوجوه إلا التكيف، حيث يعتمد الكثيرون من مصابي الاضطراب على ملاحظة قصة الشعر والملابس والأصوات لتمييز الناس!

وعلى عكس هذا الاضطراب تمامًا، نُشرت ورقة بحثية في عام 2009 لباحثَين من جامعتي لندن وهارفارد يؤكدان فيها وجود مجموعة من الناس قادرين على حفظ كل الوجوه للأبد! أطلقا عليهم مصطلح “Super Recognizers”.

ويا للقدر! فبراد بيت لا يستطيع التعرف على وجهه؛ لأنه مصاب ب Prosopagnosia.

-اضطراب الوسواس القهري OCD:

ocd
بعنوان Visual OCD Trigger للمصمم Nikola Simich

ربما “الوسواس القهري” هو الأشهر في تلك القائمة، فأصحابه معروفون بالنظافة والترتيب أليس كذلك؟! صحيح، لكن ليس كل موسوس لديه OCD. الأمهات مثلا دائمة القلق حول أبنائها من هواجس كالمرض والنظافة والمخاطر عموما. لكن لا يمكن تشخيص تلك الأفكار المتطفلة بالوسواس القهري حتى تتسبب في قلق خطير يمكن أن يعيق الوظائف اليومية للإنسان! بمعنى آخر، لا يستطيع المريض بالوسواس القهري تخطي تلك الهواجس، بل غالبًا ما يأخذ كل منها على حدة ويظل يفكر في المخاطر المحتملة الناتجة عنها بلا توقف. أما الخطوة التالية بعد الهواجس فهي القهر! وهي تصرفات متكررة ينفذها المريض للتخلص من تلك الهواجس، لا يستطيع المريض التهرب من تلك التصرفات القهرية رغم كرهه لها ومعرفته بأنها حلول مؤقتة، كما أنها تستهلك الكثير من الوقت وقد تعوق أنشطة مهمة كالعمل، والدراسة أو الحياة الاجتماعية بشكل عام.

قد تظهر تلك التصرفات القهرية في شكل تنظيف، أو عد الأشياء أو ترتيبها، أو مراجعة كل الأضرار المحتملة والتأكد مرتين من أن كل شيء صحيح وفي مكانه، أو حتى المشي بنمط معين!

حاليًا الأسلوب الوحيد للتعامل مع الوسواس القهري هو الأدوية الكيميائية التي تخفف من مخاوف المرضى مع أداء التمرينات على عدم الاستجابة للتصرفات القهرية (Exposure and Response Prevention).

هل كنت تعلم أن نيكولا تسلا، وليوناردو دو كابريو، ومايكل جاكسون، وديفيد بيكهام لديهم OCD؟ اممم حسنا، ودونالد ترامب أيضا!

 

في النهاية، تعلمْ أن كل منّا مميز بشكل أو بآخر، كما أن مخ الإنسان أكثر اتساعًا مما تظن، والاضطرابات المتعلقة به غاية في التعقيد، والأهم من ذلك أنها منتشرة في كل مكان!

لذا فلا تطلب من Bipolar السيطرة على أفعاله، ولا تعتقد أبدًا أنك أفطن من مصاب ADHD، واعذر مصاب OCD إن جاء متأخرًا عن موعده، واعلم أن مريض ال Prosopagnosia لم يقصد أبدًا الإهانة. واعلم أيضًا أن أعراض الاضطرابات العقلية تختلف من شخص لآخر، وربما تظهر على البعض أعراض مختلفة، لذلك يجب أن أؤكد أن الاضطرابات المذكورة يجب أن تكون بتشخيص طبيب، وطبيب فقط!

المصادر:

https://bit.ly/1DVEuBD
https://bit.ly/2trrnqu
https://u.org/1gtcwnV
https://u.org/2tGWmAW
https://u.org/2IE8Xt6
https://bit.ly/2tQulGk
https://bit.ly/1uu4par
https://read.bi/2KytTn9
https://bit.ly/2jVkAUY
https://bit.ly/1VvqVyv
https://bit.ly/2yYseWM
https://cnn.it/2yVkKnc

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.