تاريخ الشراكسة

لكل شعب ثقافته التي تتشكل من عاداته وتقاليده ومعتقداته، وهو ما يجعل له طابع خاص يميزه عن سائر الشعوب الأخرى .. من بين الشعوب التي لها تاريخ طويل وحضارة عريقة، شعب الشراكسة أو الشركس الذين يسمون أنفسهم “أديغة” وهم السكان الأصليون للشمال الغربي للقفقاس، الذي يمتد من بحر قزوين العظيم إلى البحر الأسود مشكلاً قلعة طبيعية بين قارتي آسيا وأوروبا .. تتميز أرض القوقاز أو القفقاس بمناخ قاسي وطبيعة جبلية صلبة أسهمت في تكوين شخصية هذا الشعب المُجيد للفروسية والمتميز بشخصية قوية لا تنكسر ولا تنحني بسهولة ..

الشركس أحد أقدم الشعوب في العالم وأحد أوائل سكان أوروبا، لهم لغة خاصة وثقافة مميزة، ترجع حضارتهم لستة آلاف سنة .. هو شعب متحضر وراقي بطبعه ويظهر ذلك في أناقة ملابسه وتناسق ألوانها، كما يتميز هذا الشعب بعزة النفس والشجاعة التي تظهر في زُهوه بالأسلحة.

التراث الشركسي

الحضارة الشركسية حضارة عريقة تركت لنا تراثًا فنيا رائعًا من الأدب والشعر والموسيقى الفريدة من نوعها التي تميزت بألحانها الماسة للقلوب، حيث استخدم الشركسي القديم آلات موسيقية عديدة مثل القيثارة والكمان والقصبة والمزمار، واهتم بحفلات الرقص التي فيها يقف الشبان والفتيات بشكل حلقة مستديرة ويتوسطها إثنان من الراقصين يتم التصفيق لهما .. وتركت لنا الحضارة الشركسية آثارًا عمرانية من حصون وقلاع كانت تستخدم في الحروب .. كما اهتم الشركسي القديم بالزراعة وزرع محاصيل كثيرة مثل الذرة والشعير والقمح والثوم والجزر الأحمر .. ولا شك أن تنوع الديانات على أرض القوقاز أسهم في تكوين الحضارة الشركسية، حيث كانت المجوسية هي الديانة الرسمية ثم المسيحية ثم الإسلام.

نتائج إبادة الشركس

إعلان

هذا الشعب ذاق طعم الحروب والدمار ووحشة الهجرة حتى أطلق المؤرخين على الشركس “أهل الشتات” .. لأنهم تعرضوا لإبادة جماعية إرتكبتها روسيا القيصرية بحق الشركس المسلمين، راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى، ومليون ونصف شركسي هاجروا من موطنهم الأصلي في القوقاز، ومنهم من غرق في البحر الأسود .. استمرت هذه الحروب مئة وأربعة وخمسين عاماً بصورة مستمرة، أثناء الحملات التوسعية التي شنتها روسيا في نهاية القرن الثامن عشر لضم أراضي الشركس إلى روسيا القيصرية. مما أدى إلى موجات من الهجرات القسرية إلى أنحاء الدولة العثمانية في أماكن تحددها القوات الروسية وهي أشبه بمعسكرات إعتقالية، وبسبب الخوف من الإجبار على ترك الإسلام. هاجر الشركس إلى عدة دول مثل سوريا، ولبنان، ومصر، والأردن، وليبيا، وغيرها من الدول.

فنانون مصريون من أصول شركسية

شراكسة مصر هم المصريون الذين ينحدرون من أصول شركسية. يتجذر الشراكس بعمق في المجتمع المصري وفي تاريخ مصر حيث كانوا من الطبقة الحاكمة في مصر، بعد أن خدموا كمماليك في الجيش، وكانت لهم أدوار وأعمال في السياسية والمجتمع، لعدة قرون .. على رأسهم المملوك الظاهر برقوق الذي وُلد في القوقاز وبويع سلطاناً على مصر في عام ١٣٨٢م ولُقّب بالملك الظاهر سيف الدين برقوق، فكان بذلك مؤسس دولة السلطنة الشركسية في مصر والتي إستمرت حتى عام ١٥١٧م .. وشخصيات أخرى كالظاهر بيبرس وسيف الدين قطز وغيرهم الكثير .. وهناك شخصيات تاريخية كثيرة في مصر من أصول شركسية كالملكة فريدة (صافيناز ذو الفقار) ملكة مصر السابقة .. والفريق أول محمد فوزي الذي كان وزيراً للحربية (من عائلة حاخو شابسوغ) .. وشخصيات فنية كثيرة أيضاً كالفنان رشدي أباظة والفنان حسين فهمي وغيرهم الكثير.

المرأة الشركسية

لو سلطتنا الضوء على المرأة الشركسية صاحبة الصفات المميزة فسنجدها شامخة وصلبة كجبال القوقاز، صبورة على المتاعب، لا تتذمر ولا تشكو بسهولة، تختار شريك حياتها بكامل إرادتها دون تدخل من الأهل، إمرأة لها كبرياء وعزة نفس غير عادية …. خدمة وطاعة زوجها بالنسبة لها واجب لا تتأخر عنه وتكون مقتنعة به جداً ولا ترى فيه أي ضعف .. كما أن لها دورًا فعالاً داخل المجتمع، فللسيدات المكان الأول في الإجتماعات والحفلات، ورجال الجنسيات المختلفة بكل مناصبهم ومنهم القياصرة الروس كانوا يتشرفون بالنسب الشركسي عن طريق الزواج من الشركسيات لتحسين نسلهم.

إعتادت المرأة الشركسية على إرتداء أجمل الملابس، وامتازت بذوقها الرفيع في إختيار التطريز، حيث إبتعدت عن الإضافات غير المهمة، وعن الألوان الفاقعة .. أما عن زواج المرأة الشركسية فيسمى بزواج الخطيفة وهي عادة قديمة عندهم تكون بإتفاق الفتاة مع إحدى قريبات العريس على الخروج من منزل أهلها والإقامة عندهم إلى أن يتم الزواج .. وفي العادة هذه التصرفات تبرر بأن العريس قد يكون له إخوة أكبر منه سناً. وجرت العادة أنه لا يجوز له أن يتزوج قبل إخوانه الكبار حفاظاً على مشاعرهم ونفس المبدأ يُطبق على الفتاة .. وقد يعتبر النظام الطبقي الموجود في المجتمع الشركسي المقسم إلى ثلاث طبقات (أمراء – نبلاء – عامة) عائقاً أمام الزواج التقليدي.
ما يدعو للفخر أن الشراكسة الذين تميزوا بهوية فريدة من نوعها، استطاعوا بعد هجرتهم إلى الدول العربية وإندثارهم في وسط العرب أن يحافظوا على هذه الهوية.

 

المراجع :
١- (التاريخ الشركسي) لقادر اسحق ناتخو ترجمة محمد ازوقة / ص(١٩ ، ٢١).
٢- (موجز تاريخ الجركس) تأليف شورا بكمرزا نوغمو Shora bekmursin nogmow تعريب الدكتور شوكت المفتي (حبجوقه) / الفصل الثاني ص(٢١ - ٢٢ ، ٣١ ، ٣٣).
٣- (الموسوعة التاريخية للأمة الشركسية) للدكتور محمد خير مامسر.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: كريم خالد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا