بين عبثية ديوجانس الكلبي وعبثية الواقع الذي نعيشه الآن

ثار بمبادئ الفلسفة الكلبية -التي تعلمها على يد أنتيستنيس– على كل شيء، فهل علينا فعل ذلك الآن حتى نقضي على الأفعال العبثية التي تؤرق عالمنا، أم علينا التمهُّل قليلًا فلا مهرب من العبث الذي سيقضي علينا في النهاية؟
ديوجانس الكلبي الفيلسوف الذي ولد في سنة 421 قبل الميلاد، وحاول كثيرًا أن يدحض العادات السقيمة والتناقضات البشرية، حيث كان يرى الفضيلة والسعادة هما الشيئان الأهم على الإطلاق، فظل يتعاطى الفقر كفضيلة كبرى في الحياة كما عاش يتوسل لكسب الرزق بعدما تم نفيُه من سينوب بسبب عملية تزوير للعُملة ساعد فيها هيسياس والده، يعود تاريخ تلك الأحداث إلى منتصف القرن الرابع قبل الميلاد حيث شُوهت العملات المعدنية عمدًا من أجل جعلها بلا قيمة كمناقصة قانونية؛ فكان الذي يبحث عن النبل ليس بنبيلٍ في الأساس.

“لا خير في الطبيعة البشرية.”

هكذا كان يرى ديوجانس الكلبي البشر وإنها لرؤية كثيرًا ما نتفق عليها؛ ولكننا نقف مكتوفي الأيدي كعادتنا؛ على عكسنا كان ديوجانس، حيث كان “يفعل كل ما يحلو له” دون التمسك بالعادات والتقاليد، وهشم الإطارات التي يضعها الناس ليُزينوا بها صورتهم في أعيُن الآخرين طوال الوقت، حيث كان يتبوّل في الشوارع ويقوم بالاستمناء على الأرصفة، ويعيش في برميلٍ قذر في أحد الأزقة في أثينا ويقال أنها كانت جرة خزفية كبيرة توجد في السوق. وهنا أتوقّف للحظات حتى أتناول تلك الأفعال العبثية. هل من الممكن أن الأفعال العبثية تسوق العالم وتوضع محط أنظار للجميع؟ وأن هذه الحياة لم يُقدّر لنا فيها أن نكون نبلاء؛ وأننا لسنا إلا “قطيع عميان يفتش في العراءِ عن البطولة” كما قال الشاعر نجيب سرور. أم أنهُ من الممكن حدوث العكس؟ فالعالم غيمة كبيرة من التناقضات بعد كل شيء؛ وما أشدّ تناقضات هذه الأيام حيث يظهر الجميع في بذلة الشخصية المزدوجة طوال الوقت.

“هل العبثية تطوف بنا حول النهاية؟”

يُذكَر أنهُ بعدما تم نفي ديوجانس قبض القراصنة عليه وباعوه كعبد، واستقر في نهاية المطاف في كورنثوس. هناك مرر فلسفته من التهكم إلى أقراطس، والذي درسها لزينون الرواقي الذي أسس المدرسة الرواقية التي أثّر ديوجانس فيها بأفكاره، والتي كانت واحدة من أكثر المدارس التي بقيَت للفلسفة اليونانية. لم تنجُ أي من كتابات ديوجانس، ولكن توجد بعض التفاصيل عن حياته من حكايات “شيريا”، وخاصة من كتاب ديوجانس اللايرتي بعنوان “حياة وآراء الفلاسفة البارزين”؛ ويُذكر أن كتابات ديوجانس كانت اثنا عشرَ كتابًا.

“إن الكلاب تعضُّ أعدائها، أمّا أنا فسأعضّ أصدقائي كي أساعدهم على النجاة.”

بين العالم المحفوف بشرور النفس البشرية والفلسفة الرواقية -الزاهدة الأخلاقية- التي تأثرت بأفكار ديوجانس، كان يسير المذهب الكلبي على قدمين كلما سار ديوجانس في الشوارع، حيث كان يتجوّل في وضح النهار وهو يحمل مصباحًا، وعندما سُئل عما كان يفعله كان يجيب: “أبحث عن رجلٍ نزيه”، كما أنه يُذكر عنه أيضًا أنه تمنى أن يُباع لرجل يحتاج إلى سيد.

في الواقع، كان هذا فقط تلاعبًا في الألفاظ. في اليونانية القديمة، يبدو هذا كأنه “رجل حاكم أو معلّم للقيم الإنسانية”، فهو لم يكن يرى سوى أوغادًا بعضهم يستحق العض كي ينجوا. هنا يختلط عليّ شعور السخرية بشعور الجدّية، فأغلبنا يعرف ما فعلهُ نقيب الموسيقيين في مصر بكائنات المهرجانات الشعبية والفن الرديء، ولكن هل سياسية المنع تؤدي حقًا إلى مجتمعٍ صالح؟ بالطبع لا، فعندما يُحرّم على الشخص فعل شيء ما فإنهُ سُرعان ما يفعلهُ في الخفاء, وأنهم سُرعان ما نشروا مهرجانات أُخرى. أذكر هنا الواقعة التي أكل فيها ديوجانس من السوق رغم أن ذلك كان أمرًا ممنوعًا في عصرهِ وعندما وَبّخوهُ وضربوهُ قال “كنت جائعًا!” فالمنع لا يأتِ فُرادًا وإنما تأتِ معهُ دائمًا الرغبة في كسر القواعد. ولذلك أُناقد ديوجانس في بحثهِ عن الرجل النبيل حيث أن العالم بطبعه لابد وأن ينتشر فيه السوء وليس علاجًا لعدم نبل البشر هو ما كان يفعلهُ ديوجانس نفسه بالتبوّل والاستمناء والأفعال العبثية الأخرى.

إعلان

“ياليتني أستطيع إزالة الجوع كما أفعل بالاستمناء؛ بأن أفرك معدتي قليلًا.”

كان يُعرف بإكتفائه الذاتي عن كل ما هو زائد، فلم يأكُل اللحم وعاش متقشفًا في برميل وذات يوم جاءه الإسكندر المقدوني وقال لهُ:
– اطلب ما تُريد.
فقال ديوجانس:
– لا أريد منك سوى أن تبتعد، فأنت تحجب نور الشمس عن وجهي.
كما قال الإسكندر أيضًا: “لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجانس.”
وفي هذا الموقف من الممكن أن نُصوّر وقوف الإسكندر وحجبه للشمس عن وجه ديوجانس أنه يفعل كما يفعل الأغبياء في عصرنا الحالي حيث أنهم يحجبون الشمس -الظهور- عن وجوه المبدعين الحقيقيين، فلقد انتشر مؤخرًا “الفن الهابط” في كل مجالات الحياة بكثافة شديدة، وهو ما يجعل هواءها عَفِن. فهل يجوز إبعادهم بالمنع أم بنشر الثقافة والتوعية ومد يد العون للمبدعين؟

“الغوص في العبثية.”

عند رؤية ديوجانس الكلبي لفتى يشرب من جوف يديه حطم الوعاء الخشبي الوحيد الذي كان يملكه ثم صرخ قائلًا: “أحمق أنا، لأنني حملت أمتعة زائدة عن الحاجة طوال هذا الوقت!”, وهذا ما يفعلهُ المثقفون في وقتنا الحالي والذي يدفعهم بشدة إلى اليأس.

وهُنا نسأل: هل الأدوات التي يحملها المثقفون أصبحت لا تصلح لهذا الزمن أم أن عقل الإنسان المُتابع للفن الهابط هو من قرر ذلك، فإذا وضعنا شخصًا آخر موضع ديوجانس في الموقف المذكور أعلاه فسيناقض فعل ديوجانس بشدة، وهذا لا ينفي أن الأدوات في حاجة دائمة إلى التطوّر وليس العكس. إذًا نحنُ لا نتحدث هُنا على أن الأدوات الثقافية قد قلّت وإنما زيادة القبح -التي جعلت من ظهور النهضة الثقافية التي من شأنها أن تمحي جزءًا كبيرًا من انتشار الفن الهابط ومحاولة إرجاع العقل لصحيح رشده- أمر صعب.

وفي النهاية أنا لا أعرف هل عليَّ أن أخاف زيارة الموت في هذا العصر العبثي الذي يتم فيه قتل آليات الإبداع والتحريض على كل ما هو مضاد للثقافة، أم أبتسم وأكتم أنفاسي حتى أسلب الموت الإرادة كما فعل ديوجانس لحظة وفاته سنة 323 قبل الميلاد.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أسامة عاطف

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

تحرير/تنسيق: خالد عبود

اترك تعليقا