الاغتراب: من هيغل إلى سيمان

مقدمة
واحدة من ميزات الدماغ البشري هو قدرته على التصنيف ثم التمييز بين الأشياء التي يراها ويحسها، قدرتنا على معرفة الفرق بين الكائنات الحية وغير الحية، قدرتنا على الإشارة للاختلافات الموجودة بين البشر، قدرتنا على تمييز القريب عن الغريب، كل ذلك أعطانا معيارًا دقيقًا ومحددًا لمعرفة من هو منا ومن هو ضدنا، من يتبع نظامنا ومن يخالفه، لكن هذه القدرة الفريدة من نوعها باتت تهدد طبيعتنا ووجودنا في نفس الوقت.

كلنا ولدنا كبشر، فعندما كنا صغارًا، لم يكن أحد غريبًا عنا، ولم يتواجد شيء مستثنى من مجموعتنا. كنا نحس بأننا جزء من الكون، كما هو الكون جزء منا، لا أي إنسان ولا حيوان ولا حتى حجر اغترب عنا وعلينا، كنا موحدين مع البعض. لكن سرعان ما تطور وعينا وذاكرتنا ليفصل ولأول مرة في حياتنا بين الأحياء والجماد، بين الإنسان والحيوان، بين الحيوان والدمية، وبين الدمية والخشب. ثم تطورت شبكتنا العصبية ليفصل بين الناس أيضًا، بين الذكور والإناث، بين الكبار والصغار، بين القريب والغريب. ثم تطور أكثر فأكثر حتى تولد في عقولنا مجموعتان: الأولى مجموعتنا والثانية باقي المجموعات الأخرى الغريبة المختلفة عنا.

الآخرين الغرباء ما زالوا بشرًا بالطبع، لكن بوجوه مختلفة من وجوهنا، وبجلود متنوعة عن جلودنا، وأصوات مبهمة عن أصواتنا، وأفكار واتجاهات وأهداف متباينة عن مبادئنا وأصولنا. حينها نكون قد وصلنا إلى مرحلة فصلهم عنا، بل وربما فصلهم عن البشر أيضًا، نراهم مثل الوحوش لا يختلفون عن الحيوانات بشيء. لأنهم لا يشبهوننا ولا نشبههم، فقد أصبحت سرقتهم غنيمة، وقتلهم فضيلة، وظلمهم عدالة. كوننا لا نقتل ولا نسرق من أنفسنا، فإذًا لا بد من أن هؤلاء يُعتبرون منفصيلن عنا وعن مجموعتنا. الاختلاف هو منبع التغريب، وقلة المعرفة هي مصدر التطريد. وقد يصل المرء حتى إلى تغريب أهله وأصدقائه وأقربائه، إلى أن يبقى في الأخير نفسه فقط داخل المجموعة، أي يصل إلى مرحلة من شدة الأنانية في الاغتراب حيث يرى الجميع كآلات ليسوا بشرًا مثله، ويحاول بقدر الإمكان أن يستغل الآخرين من أجل نفسه، يظن بأن العالم في دائرة معينة، وهو نفسه في دائرة اخرى. وما بعدها يأتي الاغتراب عن النفس، وهي آخر درجات الاغتراب، الاغتراب إما عن عقلنا المألوف أو طبيعتنا الموروثة. الشعور بالاغتراب هو نفسه الشعور بالغرابة، والشخص المغترب اجتماعيًا هو أيضًا ما يسمى اليوم بشخص غريب الأطوار.

تعريف الاغتراب

يعرف الاغتراب على أنه حالة خروج من إحدى الطورين أو اثنانهما معًا (Cohen, 1974) :

أولًا – طور موروث : وهذا يعني خروج الإنسان من طبيعته الموروثة الجينية (رضا, 2018). مثلًا انعزال الفرد عن المجتمع يعد اغترابًا عن طبيعة الإنسان الاجتماعية. قد يكون الاغتراب عن الموروث محسوسًا أو غير محسوس, أي يمكن للإنسان أن يستشعر بأنه خارج عن طبيعته أو قد لا يستشعر على الإطلاق. ويحسن التذكير إن القصد بالطبيعة الموروثة هو الطبيعة الجسدية والعقلية معًا؛ عدم أكل الإنسان هو الخروج عن الطبيعة الجسدية (إن افترضنا انعدام الشعور بالجوع), وانعزال الإنسان عن المجتمع يعتبر خروجًا عن الطبيعة العقلية (Foster, 1989).

إعلان

ثانيًا – طور مألوف : هو الخروج عن كل ما تعود وتآلف عليه الإنسان (Allan, 1999). نقول مثلًا أن الشخص اغترب عن عادة مجتمعه إذا اعتزل عن تصرف بمثله. وهذا يعود بشكل كلي إلى الدماغ والوعي، فالوعي هو الذي ينتج الاغتراب هنا، بدون الوعي لا يمكن لشيء أن يحول ما بين كون الإنسان جزءًا من الطبيعة والطبيعة جزءاً منه. خروج الإنسان عن المعلومات المألوفة التي حفظتها الذاكرة وتآلف عليها الوعي هو الذي يجعل الإنسان مغتربًا. اغتراب عن المألوف هو اغتراب محسوس, أي يمكن للفرد ان يشعر بأن هناك شيئًا ما يجري بشكل غير صحيح. ومن الممكن حتى أن يشعر الإنسان بالغربة بسبب مشاعره غير المحسوسة من قبل أو غير المعتاد عليها. لو تخيلنا شخصًا لم يشعر بالحزن في حياته لمدة طويلة وبدأ بتحسسها بسبب وضع ما، فبالإضافة إلى الشعور بالحزن، يشعر الشخص بالاغتراب أيضًا بسبب عدم تعوده على الشعور بالحزن. ويندرج تحت هذا الاغتراب المألوف أيضًا خيبة التوقع – عندما يخرج الواقع من متوقع الإنسان ومما كان يأمله ويتصوره، عندها يغترب ذلك الشيء عليه.

في كلا الطورين, يبرز الاغتراب من تغيرات إما في بيئة الإنسان، سواءً كانت تلك البيئة اجتماعية أم فيزيائية جامدة، أو من تغيرات في الإنسان نفسه، سواء كانت تغيرات في الجسد أو في العقل (Leopold 2018).

تاريخ الاغتراب

لسنا مهتمين هنا بالمعاني الأخرى لكلمة الاغتراب أو بتفسيراته العادية التي تمتلئ الروايات والقصص فيها. نحاول أن نتعرف على شخصيات تاريخية أخذوا الاغتراب على محمل الجدية ووضعوا نظريات لها ليفسروا أسبابه ويجدوا علاجًا له.

فريدريك هيغل

يعود تاريخ الاغتراب إلى الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل، حيث فسر الاغتراب في كتابه (علم ظواهر الروح) كحالة حتمية أو بالأحرى حالة أولية لوعي الإنسان. يرى هيغل على أن الوعي في بدايته لا يدرك بوجوده إلا بعد الإعتراف بوجود الآخرين (Hegel, 1979). فيرصد وعي الإنسان نفسه في الآخرين، فلذلك يغترب الوعي هنا. لكن بعد الاعتراف بالآخرين وبوعيهم، يبدأ وعينا برؤية نفسه مختلفًا عن الآخرين – أي يبدأ الوعي بعملية إقصاء وعي الآخرين وصفاتهم من نفسه حتى يجد نفسه. القارئين لفلسفة هيغل سوف يدركون أن هيغل لديه نظرية أساسية تسمى بالدايليكتك (Hardimon. 1994): عملية دايليكتك يتكون من ثلاث أجزاء رئيسية: الطريحة، النقيضة، الشمولية. يمكنك التفكير فيهم كمجموعة (طريحة) ومضاد المجموعة (النقيضة) والمزيج بين مجموعتين (الشمولية)، وهذه مجموعة يمكن أن تكوّن أي شيء سواء كان مادي أم معنوي.

يضع هيغل وعي الإنسان كطريحة، ووعي الآخرين هو النقيضة، ومن خلال الصراع بين وعينا ووعي الآخرين نصل إلى حالة الشمولية وهو حل وسطي أو مزيج بين الحالتين السابقتين حيث يكون فيه هوية الإنسان ووعيه واضحًا لنفسه. لكن قبل الوصول إلى الشمولية، ولأن وعينا يريد الاعتراف بنفسه من خلال وعي الآخرين، ولأن الآخرين يريدون الاعتراف بوعي أنفسهم من خلال وعينا، فإذًا هناك صراع شرس بيننا وبين الآخرين من أجل الوصول إلى هويتنا وذاتنا (Hegel. 1820). فلنسمي وعي الآخرين عبدًا، ونسمي وعينا سيدًا كما وصفهم هيغل في كتابه. يتخلى العبد عن وعيه لإدراك وعي سيده، ولكنه فور إقراره بذلك سوف يستقل عن سيده (لأنه لا يحتاج إلى وعي سيده لكي يدرك وعيه) (Wood, 1998), والسيد يصبح معتمدًا على وعي عبده.

ظن هيغل أن الوعيان اثنانهما مشردان عن نفسهما الطبيعيَّين لإن اثنانهما غير مستقلان عن بعضهما، فالآخر يعيش على وعي سيده والثاني يعتمد على وعي عبده. بمرور الزمن والتاريخ، يتعلم الوعيان من أخطائهم السابقة في تعريف هويتهما، ويصلان إلى طبيعتهما عندما يعرفون أنفسهم بـ”المعرفة المطلقة” كما سماه هيغل، ويجدان الحرية المطلقة من بعضهما.

إذًا، لهيغل، صراع الفرد هو صراع لتعريف النفس أو لمعرفة الوعي لنفسه، ولطالما لا يملك الوعي هذه المعرفة والحرية المطلقة، فهو إذًا يبقى في اغتراب دائم من نفسه (Daniel, 1995). الوعي الذي لا يعرف نفسه هو وعي مهيأ بشكل آخر، بصورة أخرى، موموس بروح الآخرين وليس ذاته. يتشكل الوعي بعدة أشكال مختلفة في مراحل تطوره نحو الحرية المطلقة والمعرفة المطلقة، يمكننا إطلاق على هذا الوعي المتعدد بالاغتراب أو الشعور بالغربة. ويمكننا القول أن هيغل هو أول من اعترف باغتراب المألوف لإيجاد الطبيعة الموروثة في قوله: “إنه طبيعة الروح، والفكرة، الاغتراب نفسه حتى يجد نفسه” (Hegel, 1979), ومعنى هذا هو إن الإنسان يجب عليه الاغتراب مما تألف وتعود عليه نفسه حتى يصل إلى طبيعته الموروثة الأصيلة.

لكن هيغل لا يعرف مصطلح الاغتراب أبدًا في كتاباته، مما يفتح المجال إلى عدة تفسيرات لما يقصده بكلمة الاغتراب. على كل حال، فإن منطق هيغل في الاغتراب هو شيء غريب ومعقد بنفسه. ولكن يكفي أننا ذكرنا أنه اول من اكتشف فكرة اغتراب الروح.

كارل ماركس

لم يطور أحد من قبل ومن بعد نظرية الاغتراب كما طورها الفيلسوف الألماني كارل ماركس. كان كارل متأثرًا بأفكار هيغل عن الاغتراب، ولكنه رفض نظريته الروحية الميتافيزيقية المتسامية. فقد كان كارل ماديًا، يؤمن أن صراع البشر هو صراع توزيع الموارد والأراضي والمنتوجات الصناعية فقط، من دون اللجوء إلى تفسيرات روحية أو دينية أو مبدئية. بالرغم من اهتمام ماركس باغتراب العمال في عملهم إلا أن أفكاره يمكن أن تتوسع وتتضمن كل مجالات حياة الإنسان.

ظن ماركس أن الإنسان بطبيعته يحب أن يعبر عن هويته بإنتاج أشياء محسوسة محددة بعمله (Karl, 1844). مثلًا، يمكن للحداد أن يؤشر على السيف الذي صنعه كامتداد لهويته وشخصيته. فهنا أصبح هوية الحداد شيئًا محددًا محسوسًا يمكن للجميع أن يراه بما في ضمنه هو، فيشعر بالفخر واللذة والانتماء إلى طبيعة الذات. لكن الإنسان العامل في المصانع والشركات يغترب من هذه الطبيعة من عدة نواحي:

اغتراب الإنسان عن استقلالية العقل وحرية التصرف : لصنع السيف، يقرر الحداد أن يضع الحديد في النار، ومن ثم إخراجه لتصميمه كما يريد، وفي الأخير ينجح الحداد في صنع سيفه وبيعه إلى من يريده. لكن لو وضعنا ذلك الحداد في المعمل، لرأينا تجرده من هذه القرارات والتصاميم والممتلكات، وبالتالي يغترب عن حريته وعن استقلالية عقله. ففي المصنع، المدير والمسؤول هو الذي يقرر متى يتم صنع السيف وكيف يتم صنعه، وهو الذي يأمر الحداد بما يجب أن يقوم به ويتصرف عليه، وهو يملك السيف في الأخير وله الحرية المطلقة لمن يبيعه. يمكننا أن نوسع هذا الاغتراب إلى علاقات سلبية أخرى، منها علاقة بين الآباء والأبناء، العلاقة بين المالك والمملوك، العلاقة بين الموظف والمدير، العلاقة بين إرادة الفرد وإرادة المجتمع، العلاقة بين الحاكم والشعب. كلها يمكن أن تعد بنظر ماركس اغترابًا عن الحرية والاستقلالية، والتعبير عن الهوية والتمييز، والشعور بالانتماء إلى المجتمع الذي هو فيه ومنه (كارل, 2013).

اغتراب الإنسان عن جوهر الطبيعة البشرية: يقصد ماركس هنا الطبيعة العقلية البشرية الموروثة وليست الطبيعة العقلية المألوفة. العقل والدماغ البشري لديه بعض من الطبيعة الموروثة الجوهرية، كالشعور بالألم عند الجرح، والشعور باللذة الغذائية والجنسية، والرغبة في التميز عن الآخرين، ووضع أهداف ومبادئ محددة للعمل والتصرف من أجلها. وواحد من طبيعة العقل الأساسية عند ماركس هو تعبير الإنسان لشخصيته وهويته الخاصة من خلال تصنيع وإنتاج منتوجات محسوسة (رضا, 2018). بمعنى آخر، تحويل الفكرة الموجودة في العقل إلى واقع ملموس. وهذه الطبيعة الممنوحة، في رأي ماركس، انتزعت من العمال الذين يعملون في المصانع والشركات في النظام الرأسمالي لأنهم أُجبروا على التصرف بأفعال غير معلومة الهدف (فكر في المرأة التي تقوم بوضع الغطاء على زجاجة الحليب) أو ذي فائدة للفرد (غير ملبية للراحة النفسية والفخر والانتماء التي يشعر بها الإنسان عند إكمال عمل معين).

اغتراب الإنسان عن أناس آخرين: بدلًا من أن يكون العمل جهدًا اجتماعيًا من أجل البقاء على قيد الحياة ومن أجل تحسين المجتمع وإفادته، يتحول في نظام رأسمالي إلى وسيلة لغاية مالية ربحية لا غير (Sayers, 2011). بالإضافة إلى ذلك، يخلق صراع التحدي بين العمال لكي يوظف العامل أقل طلبًا وأكثر جهدًا، ثم بعدها يشتغل العامل في شركة معينة ضد العامل آخر في شركة منافسة أخرى لمحاولة جني أكبر عدد من رأس المال.

يجدر الإشارة إلى أننا شرحنا فقط أنواع الاغترابات الماركسية التي يمكنها أن تتوسع على مجالات الحياة الأخرى غير العمل، حيث يوجد أنواع أخرى من الاغترابات التي وضحها كارل في كتاباته.

ميلفن سيمان

كان ميلفن عالمًا اجتماعيًا في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس. وقد اخترع نموذجًا يشرح فيه خصائص الاغتراب التي تتمثل بخمس مقاطع أساسية:
العجز: يشعر الفرد بالاغتراب عند عدم تملكه القدرة في السيطرة على نتائج الأحداث (Seeman, 1959). بمعانٍ أخرى، فقدان الفرد السيطرة على الأوضاع التي كانت مسيطرة من قبل، خروج الوضع من سيطرة الفرد، فقدان حرية التعبير وحرية التصرف، تشلل استقلالية الفرد.

قد يعجبك أيضًا

فقدان المعنى: أو فقدان الهدف أو المبدأ من الحياة. لا يفهم الفرد المعنى والمغزى من التصرف الذي يقوم به بعد أن كان مغمورًا بالمعاني من قبل (Seeman, 1959). يغترب الإنسان عن سابقه، والسلوكيات التي يقوم بها تكون شبه خالية من النتائج المرضية أو المتلذذة.
فقدان المألوف : اغتراب الفرد بسبب تهدم أو تغير العادات الاجتماعية التي كانت تحكم حياته وتملي عليه التصرفات الجائزة والممنوعة. وقد لا يكون سبب الاغتراب تهدم أو تغير العادات السابقة، بل عدم الانتماء أو عدم فهم عادات المجتمع من المرتبة الأولى. ويحدث هذا عند المهاجرين إلى بلاد “مختلفة اجتماعيًا” عن عادات بلادهم، حيث يشعرون فيه بنوع من الاغتراب والشوق إلى ما كان مألوفًا.
الانعزال: انعزال الفرد عن مجتمعه ينتج أحاسيس اغترابية عنده. لكن لم يبين مليفن هل أن الاغتراب يأتي بعد العزلة أم قبله. وهل الاغتراب مسبب للعزلة أم نتيجته. يبدو هنا أن الانعزال هو مسبب للاغتراب ويأتي قبله.

تغريب النفس: ينفصل الإنسان عن ذاته (Seeman, 1959)، ويشعر أن نفسه وهويته وشخصيته أصبح غريبًا عليه. لا يهتم بعد الآن بما كان يهتم به سابقًا. ربما لا يشعر بالأصالة أو بالتميز عن الآخرين.
يمكنك التفكير في هذه الخصائص الخمسة كأعراض لمرض الاغتراب بالإضافة إلى كونهم مسببات ومميزات.

أنواع الاغتراب

ينقسم الاغتراب إلى عدة أنواع عديدة منها حسب أسباب الاغتراب أو حسب المغترب عنه. ودعنا لا ننسى أن هذه الاغترابات تظهر نتيجة اختلافات أو فراغات معلوماتية بين المغترب والمغترب عنه.

الاغتراب الشخصي والموضوعي:

الاغتراب الشخصي: أو ما يسمى بالاغتراب المحسوس أو الاغتراب الواعي لأن الشخص يمكنه الإحساس بوجوده ويشعر به ويكون واعيًا منه (Szekety, 2015). مثل شعور الفرد بالغرابة عند جلوسه مع أشخاص لا يعرفهم. مسألة وعي الإنسان لاغترابه تعني أن الحل يكمن داخل الفرد نفسه، وهو أيضًا محفز للتخلص من هذه الحالة.

الاغتراب الموضوعي: وكذلك يسمى بالاغتراب غير المحسوس أو الاغتراب اللاواعي لأن الشخص لا يكون واعيًا أو لا يشعر بالاغتراب على الرغم من حقيقة وجوده (Pavithran, 2009). ومثاله هو أخذ الإنسان للمخدرات النشوية، فقد لا يشعر الشخص باغتراب أفعاله ولكنه حتمًا مغترب عن طبيعته. وكونها غير محسوسة تعني بأنها تشكل مشكلة كبيرة للفرد وللمجتمع. ففي هذه الحالة يحتاج الفرد إلى مساعدة الآخرين، أو يحتاج المجتمع بأكمله إلى ثورة وتغيير (كما ظن ماركس) لكي يتخلصوا من هذا العائق الذي يمنعهم من التصرف والتفكير بطبيعتهم – كالحرية مثلًا.

يرتبط هذا النوع من الاغتراب مع الاغتراب الموروث بإضافة غفلة دماغ الفرد عن ذلك الاغتراب. فالإنسان في هذا النوع من الاغتراب ولد في عالم من الاغتراب وتبرمج عقله على التعود والتعايش مع الاغتراب، فلا يعلم ما الجيد وما الطبيعي الذي يفتقده لأنه لا يدرك حتى بوجوده. حالهم يشبه حال ماء راكد في بقعة ما على ضفة النهر يرفض الجريان مع طبيعة مجراها. ولكي يرجع إلى أصلها وطبيعتها، يجب علينا إزالة العوائق التي تمنعها من العودة والجريان مع باقي مياه النهر، ربما يكون هذا العائق الطين أو الأرض التي حولها أو عمق حفرة التراب التي تحتها، لكن مهما كانت، يجب أن تقوم المياه الجارية بالثورة أو بالتغيير للتغلب على هذه القيود والعوائق من أجل تحرير الفرد وإرجاعه من الاغتراب إلى مكانه الطبيعي الصحيح. وكما نعرف، فإن هذا يحتاج إلى أشخاص واعين ومدركين ويعرفون المجرى الطبيعي للإنسان لكي يوقظوا العامة أو الأفراد غير المحسوسين من هذا الاغتراب. فهم الوحيدون الذين يمكنهم مساعدة هؤلاء المغتربين.

الاغتراب النفسي والاجتماعي:

الاغتراب النفسي: هو اغتراب الشخص عن نفسه – سواءً عنت ذلك نفس الموروث أو المألوف. يفقد الشخص شخصيته وهويته وخصاله، فكل ما كان يعرفه عن نفسه في السابق قد تغير عليه الآن (Debnath, 2020). ويظهر هذا الاغتراب إما لأسباب خارجية أو داخلية. مثال على الأسباب الخارجية التي تؤدي إلى اغتراب النفس هو فقدان أحد الأطراف أو تشوه الوجه، ومثال آخر هو تورط الشخص في موقف من المواقف الذي يتحدى شخصيته ويغير هويته. ومثال على الأسباب الداخلية هو قيام الشخص بتصرفات معينة خارجة عن المألوف، مثلًا عندما يقوم بتغيير تسريحة شعره أو يرتدي ملابس مخالفة لملابسه الروتينية أو المقبولة فيشعر بالغربة عن نفسه. لكن الاغتراب النفسي يمكن أن ينجلي بسرعة كوننا دائمًا مع أنفسنا، فإننا نتعود على التغيرات التي تطرأ علينا ونتبنى الهويات التي تقدمها لنا الحياة.

الاغتراب الاجتماعي: انفصال الإنسان عن مجتمعه وعن عاداته وتقاليده ومبادئه ودينه يسمى بالاغتراب الاجتماعي أو المجتمعي (Foster, 1989). وهذا الاغتراب يؤثر على هويته وعلى هوية من يعرفونه من المجتمع.

الاغتراب التميزي : يختلف هذا نوع تمامًا عن كل أنواع الاغتراب. لأنه صادر عن الإنسان نفسه. فواحدة من طبائع الإنسان هو التميز عن الآخرين (Pavithran, 2009). لذلك يقوم الفرد بالعبور خارج الحدود المألوفة والمعروفة إلى أبعاد غير مستوطنة من قبل الآخرين، فبذلك يقوم بتغريب نفسه عن نفسه وعن مجتمعه وربما حتى عن زمانه وعن مكانه. مثال على ذلك في عصرنا حالي هو المراهقين الذين يتصرفون بتصرفات غريبة ويفعلون أفعلًا عجيبة من أجل التغير عن مجتمعهم وأبائهم وأجدادهم، نرى مثلًا شخصًا يوشم نفسه بوشوم مشوهة وبلا معنى فقط لتمييز نفسه عن طبيعة مجتمعه. هذا الاغتراب طبيعي في بعض الأحيان، لكن نتائجه قد تكون غير محمودة أو غير طبيعية على الإطلاق. فقد يجعلنا يائسين ويعود عواقبه علينا ليجعلنا عبيدًا لتلك التصرفات، أو يجعلنا بعيدين عن الأشياء التي يجب علينا ان ننتمي إليها من طبيعتنا، أو يحرمنا من أشياء يجب علينا إدراكها وقصدها. ربما يشعر المغترب في بداية الأمر بشعور جيد، إلا إنه يغترب اغترابًا موروثيًا عن طبيعته البشرية.

الاغتراب الفتشية : للفتشية معانٍ مختلفة، وهنا تعني خروج الأشياء التي صنعها الإنسان عن سيطرته (Pietz, 1985). والمثال الشائع والمرتقب هو خروج الروبوتات عن سيطرة الإنسان. لكن الفكرة تعني أيضًا اختراعات عقلية، مثل هوس الفرد بفكرة ما إلى حد الجنون. دور الاغتراب يأتي بعد انقلاب تلك الأشياء التي اخترعها الإنسان للسيطرة عليه واستعباده. والمثال المثالي على ذلك هو اغتراب الطفل عن غرفته التي تألف عليه بسبب ظنه بوجود أشباح شريرة في الغرفة. هذا الاختراع العقلي أدى إلى السيطرة على تصرفات الطفل وبالتالي جعله مغتربًا عن حالته الطبيعية.

الاغتراب الزماني: يشعر الإنسان به عند حدوث تغيرات في زمانه، فيظن الإنسان أنه لا ينتمي إلى هذا الزمان أو هو ليس الزمان الذي كان يعرفه من قبل. والمثال الأمثل عليه هو اغتراب المسنين اليوم عن تكنولوجيات القرن الواحد والعشرين.
الاغتراب المكاني: ذهاب الإنسان إلى مكان آخر متغاير جزئيًا أو كليًا عن المكان الذي تعود عليه. ومثاله هو هجرة القرويين إلى المدن.

محاسن ومضار الاغتراب

تقع محاسن الاغتراب على إفادة نفس الإنسان ومجتمعه كما تقع مساوئها على أذية الإنسان ومجتمعه
محاسن الاغتراب: للاغتراب محاسن قليلة ونادرة. الاغتراب ممكن أن يكون جيدًا إذا كان فيه خروج من اغتراب آخر، وتحدث مثل هذه الحالات فقط عندما يخرج الإنسان من طبيعته المألوفة ليرجع إلى طبيعته الموروثة.

محاسنه على النفس: ليس من المستحيل علينا تخيل شخص تربى وتعود على رفض طبيعته الموروثة لسبب أو لآخر. مثاله يكون تعوّد الشخص على رفض ممارسة الجنس. لو حاولنا مساعدة هذا الإنسان لإرجاعه إلى طبيعته الموروثة (ربما عن طريق زواج أو غيره)، سنراه يغترب تمامًا عن نفسه لأنه خرج من هويته وشخصيته السابقة. لكن هذا الاغتراب يعد أمرًا طبيعيًا وحسنًا لأننا قدمنا طبيعته الموروثة على المألوفة. وواحدة من المحاسن الأخرى للاغتراب هو جعلنا نتميز عن الآخرين (Wood, 1998). فالاغتراب التميزي قد يكون نافعًا نفسيًا للإنسان إن لم يكن ضارًا أو يؤدي إلى اغتراب شديد من المجتمع وطبيعة النفس.

محاسنه على المجتمع: لنتخيل شخصًا آخر تربى على أذية الناس، اغتراب هذا الشخص عن تربيته المألوفة يعتبر فائدةً للمجتمع. وكذلك الأمر للأشخاص الانعزاليين بالتآلف، خروجهم من انعزاليتهم وشروعهم إلى الكون جزءًا من المجتمع هو أمر جيد أيضًا للنفس وللمجتمع (Allan, 1999).

مضارّ الاغتراب: هناك مضار عديدة للاغتراب، نذكر هنا بعضًا منهم:

الإجرام: الشخص المغترب عن المجتمع لا يرى الآخرين كبشر مثلهم، بل يراهم كمجرد أشياء أو كوسائل يستخدمها للوصول إلى غايته الأنانية (Leopold 2018).
قتل الآخرين : بمجرد تصنيف الشخص المغترب الآخرين كمجموعة أخرى لا ينتمي إليها (Szekety, 2015). فإنه سيبدأ باستحلال دمائهم. يمكنك اختيار أي مجموعتين من واقعنا الحالي أو من تاريخنا البشري، فسوف ترى أن الذي بكى على موت صاحبه من طائفته ضحك بفخر على قتل غيره من طائفة أخرى.

سرقة من الآخرين: السرقة سوف تتبع القتل طبيعيًا. فهنا لن يشعر الشخص بأي ذنب أو تأنيب ضمير عند قيامه بمثل هذه الجرائم ضد الآخرين. وهذا المثال نراه في شرطة الدولة، حيث يرون ممتلكات المجرمين كممتلكات العدو ف”يصادرونه” من أجل أنفسهم باسم “الدولة”.

التخريب: لا يبالي المغترب على الإطلاق إن كان العالم حوله منتظمًا أو في حالة فوضى. بل ربما يقوم بتهميش النظام الذي يراه هو ليس منه. فكر في جندي يقصف مدينة من دولة أخرى. أو في طفل يهمش ألعاب التركيب التي لم يبنيها هو.

أذية النفس: يؤذي الشخص نفسه عندما يغترب نفسه عن نفسه.

الانعزال: ربما لا يعلم الشخص بأنه يؤذي نفسه عند انعزاله عن المجتمع، لكن علم النفس يثبت ذلك. تشير الدراسات على أن مضار الشعور بالوحدة والانعزال الاجتماعي على الصحة البدنية والعقلية يفوق مضار السمنة بضعف المقدار (Tomas, 2014).

الانتحار: هناك أسباب عديدة للجوء الإنسان للانتحار, لكن الإنسان المغترب هو أكثر عرضة لذلك، كونه لا يجد أي شيء في الكون.

الكآبة: الانعزال هو واحد من أسباب الكآبة. ومن المحتمل أيضًا أن يكتئب الشخص بسبب عدم إيجاد هويته أو تغير شخصيته أو تغير البيئة التي كان يعرفها (مثل تطور التكنولوجيات التي أدت إلى اغتراب الأشخاص الذين لا يجيدون استخدامها) (Johnson, 1975). وأيضًا يمكن أن يكتئب الشخص بفقدان الثقة في النفس بعد أن تغير عليه شخصيته أو الناس حوله أو حتى الأشياء في بيئته.

الخوف والقلق والتوتر: يتواجد القلق والتوتر والخوف في جميع أنواع وحالات الاغتراب (Tomas, 2014)، وحتى في الاغترابات الجيدة. وبعدما يتخلص الفرد من الاغتراب ويرجع إلى طبيعته، فإنه سيشعر بالراحة والطمأنينة وكذلك الثقة بالنفس.

فقدان النشاط في المدرسة والعمل: الاغتراب عن المبادئ، الاغتراب عن الأسس والأصول والدين، الاغتراب عن الأهداف ومعاني الحياة، يجعل الإنسان لا يبالي بنفسه ومستقبله ويفقد حيويته في المدرسة والعمل.

عدم القدرة على تكوين الصداقات والانتماءات: يرى الإنسان المغترب الآخرين مختلفين عنه، فلا يبادر بمصادقتهم والاختلاط معهم (Leopold 2018). وربما لا يحسن بعدها الانضمام إلى أي مجموعة بشرية قد تكون مفيدة له.

ملاحظات على ما سبق

للتوضيح: الاغتراب لا يعني عدم معرفة فرد ما حق معرفته أو عدم الانتماء إلى مجموعة ما أو حالة ما، كما أن التآلف والمعرفة لا يعنيان الانتماء. فيمكن أن يكون شخصًا غريبًا مألوف عليك تمامًا، ويمكن أن يكون حتى عدوك مألوف ومعروف عليك، لا تستغرب في الحالتين عن أقوال وأفعال الغريب والعدو. يأتي الشعور بالاغتراب عندما يكون تغير ما في المعلومات أو في الإدراك عن العدو والغريب. اكتشافي لمعلومة جديدة عن عدوي يجعله مغتربًا في عقلي. وكذلك الأمر بالنسبة للقريب، فربما أجد معلومات مضادة لما كنت أعرفه عنه سابقًا، فبالتالي يغترب هو عليّ أيضًا. والسوء والمضار ليس له علاقة بالاغتراب أيضًا، فعندما تشعر بالانتماء إلى الكون (حالة تآلف تام)، تكون منتميًا إلى محاسن الكون وفوائده بالإضافة إلى مساوئه ومضاره. هناك بعض الناس من تعودوا على الجوع أو تعودوا على الألم، فعندما تزال تلك المضار، نراهم في حالة من الاغتراب.

إلى جانب ذلك، القليل أو البعض من الاغتراب لا بأس به، فجميعنا في زمن ما نخرج عن طورنا ومن طبيعتنا لنشعر بمشاعر غريبة ونخوض تجربة أحداث حديثة، أو ربما نكتشف معلومات جديدة غير متوقعة عن أشياء قديمة، أو نستبدل هويتنا الطفولية بهوية المراهقة. لا شيء ثابت في الحياة، جميع الأشياء معرضة للتغير، ويأتي مع التغير أنواع عديدة من الاغترابات. نحن نحاول هنا التخلص من الاغترابات التي تضرنا سواء كانت مضارها للفرد أم للمجتمع، وسواء كان ذلك في الزمن الحالي أو في المستقبل. الاغتراب السيء هو الاغتراب الذي يحول بينك وبين شيء جيد أو مفيد أو طبيعي، وإلا لا فائدة من تغيير الحالة الاغترابية التي لا تلبي تلك المقاييس.

لكن هل فعلًا خروج الإنسان من طبيعته هو أمر سيء أم مجرد شيء عادي؟ على سبيل المثال، هل عدم التعبير عن الغضب والغيرة والحسد هو أمر سيء؟ وهل تعود مساوئه علينا أم على المجتمع؟ وكيف نتطور إذًا ونرتقي من حالتنا إن كنا نجبر أنفسنا على البقاء في طبيعتنا الضيقة فقط؟ مثلًا، هل ارتداؤنا للملابس في جو حار من أجل ستر جلودنا عن نظر الآخرين هو أمر سيء لإنه ليس من طبيعتنا؟ إن كانت الإجابة على ذلك بنعم، فنحن إذًا في مشكلة، هناك عديد من القوانين الدولية والأخلاقيات الاجتماعية التي تقف كعائق للتعبير عن طبيعتنا وحريتنا (فكر في القوانين ضد القتل والانتقام وممارسة الجنس في العلن والسرقة والاغتصاب، كلها قوانين تمنع الإنسان أن يتصرف بطبيعته).

ندرك أن جميع التطورات التي حدثت عبر التاريخ البشري كانت تتبع المنطق العقلي وليس طبيعة الإنسان بالضرورة، وهذا المنطق كان مستنبطًا من مبدأ ما أو دستور ما تبنيناه لسبب ما – لا يهم إن كانت تلك المبادئ وجدت بسبب مشاعرنا (مثل قانون الإعدام المعاكس لمشاعر الانتقام) أو بسبب الحاجة إليه (كقانون القتل). فالزهرة التي فُتحت جميع بتلاتها اليوم، توسعت ونضجت وفق المنهاج الجيني الذي تبناه النبات، كذلك الأمر بالنسبة لتاريخ تطور الفكر البشري، فإنها كانت تخطو يومًا بعد يوم خطوات إضافية منذ يوم تبنيها لدستور معين. لقد وسعنا دساتير الماضي بمنطق المعمي، وبسبب فعلنا لذلك، عرضنا أنفسنا لخطر الخروج من طبيعتنا باسم التطور والرقي. وما هو التطور والرقي إن لم يخدم طبيعة الإنسان ويفتح له آفاقًا لممارسة طبيعته بحرية تامة وبأقل جهد وأسرع وقت. وهنا نتحدث عن الخروج من الطبيعة الموروثة وليست الطبيعة المألوفة، لأنه من الممكن للدماغ أن يتآلف ويتعود ويتربى على الأفكار الخاطئة، أما البرمجة الخاطئة للطبيعة الموروثة فهي تكون مميتة وقاتلة للفرد، ولا يمكن تغيير ذلك الخطأ في زمننا الحالي (تغييره يتطلب الاستبدال والتلاعب بالجينات). بينما مرونة الدماغ في التبني والرضى عن الأفكار الخاطئة والمؤذية يجعل الاغتراب من الطبيعة ممكنًا للغاية (فكر في شخص يحاول الانتحار بسبب حالته المادية، فهذا القرار هو نتاج العقل للخروج من طبيعة الرغبة في البقاء على قيد الحياة). أعتقد أن الإجابة في الأخير على سماح خروج الإنسان من طبيعته من أجل التطور والرقي سيكون لا على الأرجح.

لنسأل السؤال التالي: ماذا لو خالفت طبيعتنا المألوفة طبيعتنا الموروثة؟ في هذه الحالة، سنشعر بالاغتراب فور قرارنا بالرجوع إلى الطبيعة الموروثة (أي نشعر بالاغتراب بسبب خروجنا من الاغتراب الذي تعودنا عليه). لنفترض أن هناك شخصًا لم يمارس الجنس أبدًا في حياته ولم يشعر بالرغبة إليه (يعد إغترابًا عن طبيعته الموروثة)، وقد تعود عقله على عدم الشعور باللذة الجنسية. لنتصور يومًا ما أنه رأى فتاةً جميلة ومثيرة، في هذه اللحظة، يبدأ عقله ولأول مرة الرغبة في الجنس، مما يؤدي إلى الشعور أيضًا بالاغتراب لأنه كسر عادته المألوفة في عدم التفكير بالجنس، وسيشعر بالمزيد من الاغتراب إذا قام بممارسة الجنس معها بالرغم من أنه يعد شيئًا إيجابيًا لعودته إلى طبيعته الموروثة بعد الاغتراب.

اغترب شخصنا الافتراضي عن هويته وشخصيته السابقة لكنه أصبح أكثر قربًا الآن إلى إنسانيته الحقيقية، لا يمكننا إذًا الاستنتاج بأن الاغتراب هنا كان سيئًا عليه، بل هو أمر إيجابي قام بتغريب طبيعته المألوفة لتقريب طبيعته الموروثة، وهذه قاعدة تُتبع في كل أنواع الاغترابات، يجب علينا أن نقدم الطبيعة الموروثة على الطبيعة المألوفة (نقدم الجينات على الدماغ). وكذلك الأمر بالنسبة لشخص خرج عن عادة مجتمعه السيئة من أجل العودة إلى طوره الطبيعي الموروث، يبدأ بالشعور بالاغتراب الاجتماعي بسبب اختلافه عن طوره المألوف.
ماذا عن التغيير من وسيلة الغاية الطبيعية؟ ماذا مثلًا عن التلذذ بالجنس (طبيعة موروثة) عن طريق الجنس الفموي (وسيلة غريبة)؟ أليس هذا اغترابًا عن الطبيعة البشرية الموروثة؟ ماذا مثلًا عن شخص يبقي نفسه اجتماعيًا عن طريق مواقع تواصل الاجتماعي بدلًا من المقابلة وجهًا لوجه؟ ماذا عن إنسان يأكل بالملعقة بدلًا من يده؟ نجيب على جميع تلك الأسئلة بـ (نعم أو لا).

غالبًا لا تهم الوسيلة المتبعة للوصول إلى الغاية الطبيعية الموروثة. والاغتراب هنا هو اغتراب مألوف وقتي فقط وليس اغتراب موروث – كما قلنا في السابق يُقدَّم الاغتراب الموروث على المألوف. الوسائل للتعبير عن الطبيعة البشرية تتغير وما زالت تتغير من جيل إلى جيل، وما دامت الطبيعة الموروثة معبرة فلا يهم كثيرًا الوسيلة المختارة بالنسبة لموضوع الاغتراب.

والسؤال الأخير هو: كيف نعلم إن كان شيء ما أو تصرف ما من طبيعة الإنسان أم لا؟ لا يزال هناك جدال واسع حول ماهية الطبيعة البشرية. هل تبني المبادئ والأديان من طبيعتنا؟ هل وجود طبقات اجتماعية مختلفة مستنبط من الطبيعة الإنسانية أم مجرد اختراع عشوائي متبوع؟ هل إنشاء العوائل من الطبيعة الإنسانية؟ وعندما نتحدث عن طبيعة الإنسان، هل نتحدث عن غالبية الطبيعة البشرية أم الطبيعة البشرية المطلقة التي لا تقبل التغيير؟ مثلًا، هل الإدمان هو من الطبيعة البشرية (بعض الأشخاص لا يدمنون)؟ هل المثلية هي من الطبيعة البشرية؟ يختلف الرد على هذه الأسئلة من عالم إلى آخر. لكننا جميعًا يمكننا الاتفاق على أن طبيعة الإنسان تنقسم إلى طبيعة جسدية وطبيعة عقلية. الطبيعة الجسدية تتطلب البقاء على قيد الحياة في كل الأحوال، والنمو في كل الأحوال، والتكاثر الجنسي واللاجنسي الخلوي.

الطبيعة العقلية تتطلب الرغبة وراء المشاعر الجيدة وتتجنب المشاعر السيئة، وغيرها. ويمكننا القول أن تطور الطبيعة الموروثة للفرد يختلف من إنسان إلى آخر، فالكل حسب نظرية الاغتراب يجب أن يرجع إلى طبيعته الخاصة، مثلًا الشخص المصاب بمرض الكآبة وراثيًا يجب عليه حسب نظرية الاغتراب ألا يغترب عن الشعور بالاكتئاب لأن طبيعته الوراثية وأي محاولة تتظاهر بغير ذلك يعد اغترابًا عن الموروث.

والاستنتاج المثير عن نظرية الاغتراب هو أن الموت لا يعد من الطبيعة الإنسانية بل اغترابًا عنها. لذا فإن الباحث عن الحياة الأبدية لا يُلام على بحثه، بل يجب أن يحثه المجتمع عليه وأن يحرره من جميع القيود والعوائق التي تعيقه للوصول إلى تلك الطبيعة. الاغتراب يأتي عند الشعور بالموت أو عند تذكر الموت أو عند الاقتراب من الموت، فهذه المشاعر هي ليست طبيعية على الإطلاق، والألم الذي نعانيه قبل الموت هو ألم وهمي لا علاقة له بطبيعتنا. وكذلك الأمراض، فهي غير طبيعية في أجسادنا ويجب علينا التخلص منها لأنها تجعلنا مغتربين عن أنفسنا وعن الاخرين.

طرق التخلص من الاغتراب

لقد أصبح لدينا اسم وتعريف ومعلومات عن هذا الشعور الذي نشعره عند الخروج من عادة ما أو الخروج من طورنا المألوف والموروث. ربما وضعنا وعينا على الطريق الطبيعي بمجرد معرفتنا عن الاغتراب, لكن يبقى لدينا في الواقع الكثير من العمليات والخطوات التي يجب أن نعملها لكي نتخلص من الاغتراب بالكامل.

إذًا لنتطرق إلى طريقتان للتخلص من الاغتراب:

تقريب المعلومات المختلفة وتشبيهها (للاغتراب المألوف) : ما الذي يجعل شخصًا ما يعتقد بأن شخصًا آخر هو من مجموعته؟ كيف يعلم الطفل أنه ينتمي إلى مجموعة من الناس يسميهم العائلة؟ الجواب هو تقرب المعلومات في ذهنه الذي تعود على هؤلاء الناس الذين يسميهم بعائلته، أي إن اللحظة اللاحقة لأفراد عائلته ينقل نفس المعلومات عن اللحظة السابقة، فهو متآلف معه. عرّفنا الاغتراب على أنه خروج من طوري الموروث والمألوف، وقلنا في المقدمة أن الاختلاف هو منبع الاغتراب. وهذه الاختلافات تظهر على شكل معلومات للوعي، أي أن الإنسان يدرك أن الآخر مختلف عنه عندما يجد عقله معلومات تثبت أنه مختلف عنه؛ يدرك الإسكافي على أنه مختلف عن الحداد عندما يرى الحداد يقوم بتصرفات مختلفة عن تصرفاته، ويتعامل مع أدوات مختلفة عن أدواته، وينتج أشياء مختلفة عمّا ينتجه. وحتى لو لم نملك معلومات عن شخص آخر، فإننا لا نرتاح له ولا نزال نفترض إنه من مجموعة أخرى غير مجموعتنا حتى يثبت غير ذلك.

إذًا، الحل يكمن في اكتساب أكبر عدد من المعلومات عن الأشياء أو عن الأماكن والأزمان، وعن الأشخاص والمجتمعات الذين نراهم مختلفين عنا، ومن ثم ربط تلك المعلومات مع ما نملكه من معلومات أخرى وإيجاد قواسم مشتركة بينهما لكي نسد ذلك الفراغ المعلوماتي في عقولنا، ونطفئ ذلك الشعور ونعود إلى طبيعتنا المألوفة. وينطبق نفس الحل للاغتراب النفسي (يجب أن يتعرف الشخص على الاختلافات التي تحصل في هويته وشخصيته، ويبدأ بمعالجته عن طريق تقريب المعلومات وإيجاد القواسم المشتركة بين شخصيته وهويته القديمة والجديدة).

الإيقاظ وتغيير الفرد والمجتمع (للاغتراب الموروث) : كما أشرنا سابقًا أن الاغتراب الموروث يكون في بعض الأحيان غير مُستشعر – لا يشعر الشخص به – مما يضع العاتق على الذين يدركون تلك الاغترابات في الأفراد والمجتمعات لكي يقوموا بإيقاظهم من خلال تنبيههم على تلك الاغترابات، ومحاولة تغييرهم للرجوع بهم إلى طبيعتهم المفضلة. قد يكون هناك في البداية مقاومة من الفرد أو من المجتمع لتلك التغيرات المطروءة، لكن تذكر أن هذا طبيعي لأنهم لا يريدون الخروج من طبيعتهم المألوفة.

قطع دابر مسبباتها: مثل الطبيب الذي يحاول أن يتعرف على أسباب ألم في الظهر ليعالجه على حسبه. نحاول بقدر المستطاع أن نفصل الاغتراب ونحلل نفسية المغترب وروتيناته اليومية وحالة مجتمعه، والعوائق التي تعيقه من التعبير عن طبيعته المألوفة والموروثة. فور معرفتنا بالسبب، نبدأ تدريجيًا برد فعل مناسب تجاه المسبب، ونقطع يده القابضة لحرية المغترب.

الزمن اللازم للعودة إلى الطبيعة يعتمد على نسبة الاختلاف أو الانحراف من الطبيعة. عادةً، يكون شفاء الإنسان من الاغتراب المألوف أسرع من الاغتراب الموروث.

الخاتمة

نهاية الاغتراب لهيغل هي حتمية طبيعية؛ إذا ظهر الاغتراب في أي زمان ومكان كان، وفي أي مجموعة تجسدت أو في أي وعي تمثلت، يجب أن يكون هناك نقيضه في مجموعة أخرى أو وعي آخر، أما في نفس المكان والزمان أو غيره، يواجه هاتان المجموعتان بعضهما البعض حتى يذوبان إلى مجموعة جديدة متوسطة بينهما، ومن ثم تبدأ دورة جديدة من المجموعة الوسطية ويظهر نقيضها في مجموعة أخرى ليواجهها حتى تذوبان أيضًا إلى مجموعة وسطية جديدة أخرى (Hardimon. 1994). وهكذا تستمر الدورة حتى يصل المجتمع البشري إلى طبيعتهم بشكل كامل. والطبيعة لهيغل تعني الحرية المطلقة والمعرفة التامة. أي ينتهي الاغتراب مع مرور الزمن لهيغل. أما نهاية الاغتراب لماركس، فيقع على يد الفرد والمجتمع. للتخلص من الاغتراب، يجب أن يقوم الفرد والمجتمع بالثورة عليه والقضاء عليه بشكل فعال. بالنسبة للعمال المغتربين بسبب عملهم، يتطلب منهم المناضلة وهدم الرأسمالية التي تضعهم في ذلك الحال (Cohen, 1974).

كون ميلفن من المعاصرين للقرن العشرين، يعني ذلك أنه رأى معالجة الاغتراب بالعلاجات النفسية الحديثة عن طريق معرفة الأسباب وإعطاء الأدوية أو النصيحة المناسبة له، وبدعمه من أفراد ومجتمع أقل اغترابًا منه (Rokach, 2004).

المراجع
Allan Bullock & Stephen Trombley. 1999. Alienation. The New Fontana Dictionary of Modern Thought., editors. p. 22.
Chiaburu, Dan S., Thundiyil, Tomas, and Wang, Jiexin, 2014, “Alienation and its Correlates: A Meta-Analysis”, European Management Journal, 32(1): 24–36.
Cohen, G. (1974). Marx's Dialectic of Labor. Philosophy & Public Affairs, 3(3), 235-261. Retrieved June 19, 2020.
Daniel Berthold-Bond. 1995. Hegel's theory of madness, SUNY Press.
Debnath, S. 2020. Concept of Alienation in Hegel’s Social Philosophy. J. Indian Counc. Philos. Res. 37, 51–66. 
DUPRÉ, L. (1972). HEGEL'S CONCEPT OF ALIENATION AND MARX'S REINTERPRETATION OF IT. Hegel-Studien, 7, 217-236.
Foster, S. (1989), Social Alienation and Peer Identification: A Study of the Social Construction of Deafness, Human Organization, Volume 48, Number 3, pp. 226–235
Hardimon, Michael O., 1994, Hegel’s Social Philosophy. The Project of Reconciliation, Cambridge: Cambridge University Press.
Hegel, G. W. F., Miller, A. V., Findlay, J. N., & Hoffmeister, J. (1979). Phenomenology of spirit. Oxford [England: Clarendon Press
Hegel, G.W.F. [1820]. Elements of the Philosophy of Right, Wood, Allen W. (ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
Johnson, Frank (1975) Psychological Alienation: Isolation and Self-Estrangement Psychoanalytic Review 62:3 Pg 369. Reprinted from Alienation: Concept, Term, and Meanings, 1973.
Leopold, David. 2018. "Alienation", the Stanford Encyclopedia of Philosophy (fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.).
Marx, Karl. 1844 "Comment on James Mill," Economic and Philosophical Manuscripts of 1844.
Pavithran, K. (2009). 'ALIENATION' AND THE HUMANIST SIGNIFICANCE OF MARXISM : A CRITICAL APPRECIATION. The Indian Journal of Political Science, 70(1), 175-184. Retrieved June 19, 2020.
Pietz, William (Spring 1985). "The Problem of the Fetish, I". RES: Anthropology and Aesthetics. The President and Fellows of Harvard College acting through the Peabody Museum of Archaeology and Ethnology (9): 5–17. JSTOR 20166719.
Rokach, Ami (2004). "Loneliness then and now: Reflections on social and emotional alienation in everyday life". Current Psychology. 23 (1): 24–40. doi:10.1007/s12144-004-1006-1.
Sayers, Sean, 2011, Marx and Alienation. Essays on Hegelian Themes, London: Palgrave Macmillan.
Seeman, M. (1959). On The Meaning of Alienation. American Sociological Review, 24(6), 783-791.
Szekely, dorottya. 2015. Melvin Seeman: Social Alienation.
The Editors of Encyclopaedia Britannica. 2018. Alienation. Encyclopedia Britannica, inc.
Wood, A. (1998). Alienation. In The Routledge Encyclopedia of Philosophy. Taylor and Francis. 
رضا الظاهر. مساهمة في اعادة قراءة ماركس (6) الاغتراب .. الرأسمالية تجرّدنا من إنسانيتنا. مدارات, حزب الشيوعي العراقي. 2018.
كارل ماركس; فريدريك إنجلز. الأيديولجية الألمانية. تُرجم بواسطة فؤاد أيوب. 2013. دمشق: دار دمشق. صفحة 83.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد كريم إبراهيم

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

تدقيق علمي: مجد حرب

اترك تعليقا