أسوأ الديموقراطيات أفضل من أحسن الديكتاتوريات (مترجم)

بقلم: روبِن آمون
إنه لأمر مقلِق وكاشف أن يصرّح واحد تقريبًا من كل خمسة شبان إسبان بتفضيل الديكتاتورية على الديموقراطية. مقلق بسبب الإحصائية وكاشف بسبب الاستخفاف. وكأنّ الديكتاتورية زرّ يخمد الضجيج، وكأنّ التخلّي عن الضمانات هو حركة صوب الفعالية وليس انتحاراً سياسيًا. والأدهى هو أنّ ثلاثين بالمائة من الشباب الذين يصوِّتون لحزب vox يتشاطرون هذا الرأي، مقتنعين بأنّ القبضة الحديدية ستقضي على كل التصدّعات في بلدٍ ليس ديمواقراطيًا بالكامل، لكنه في جوهره بلد حُر.
الشكّ ليس في الاستبيان. إنه في اللامبالاة. في الإحساس بأنّ قسمًا من الشباب حوّل كلمة “الديكتاتورية” إلى إضافة لفظية، وأداة زخرفية، تُستَخدَم للإبهار في النقاش، دون تقدير الثقل التاريخي، والتصدّع الأخلاقي، والصمت القاتل الذي يرافقها. لا يتعلّق الأمر بأنّ اسبانيا تعيش في صحةٍ ديموقراطيةٍ لا تشوبها شائبة، ولا بأنّ النظام السياسي خالٍ من الشبهات، ولا بأنّ المؤسّسات تعمل كالساعة. الأمر أبسط من ذلك؛ حتى في أكثر الأوقات توترًا، اسبانيا بعيدةٌ جدًا عن أن تكون نظامًا تسلطيًا.
جرْدٌ سريع يكفي للتحقّق من ذلك. في نظام ديكتاتوري، لن يكون شقيق الرئيس ولا زوجته مُتَّهَمَيْن، ولن تكون هناك محكمة تحقّق مع المحيطين برئيس الحكومة، ولن يكون الأمين العام لحزب الرئيس في السجن، ولن يخضع المدعي العام للدولة للمحاكمة، لأنّ الفصل بين السلطات لن يكون طموحاً مُحْبَطًا، بل ذكرى أثرية arqueológico. وهاهنا المفارقة: إنّ إمكانية التنديد بتدهور المؤسّسات هي بحدّ ذاتها دليل على أننا لا نعيش في نظام تسلطي.
ويشتد العبث عندما تُقَارَن اسبانيا بفنزويلا. ما يظهر نوعًا من السُّعَار الجدلي لا يتطابق مع الوقائع. فلا الأسعار، ولا الندرة، ولا النزوح السكَّاني، ولا الاختناق المدني، ولا إغلاق البرلمان، ولا إلغاء الصحافة الناقدة يصف المشهد الإسباني. المقارنة خرقاء، وقبل كل شيء، غير مسؤولة. اسبانيا ليست فردوسًا ديموقراطيًا، لكنها أبعد ما تكون عن دولة فاشلة. ولعلّ أفضل دليل على ذلك هو شيء آخر: حتى أولئك الذين ينددون، بلا كلل، بانهيارٍ مزعوم للمؤسّسات، يمكنهم القيام بذلك من وراء الميكروفون، أو من على مقعد نيابي، أو عبر عمود صحافي. لا أحد يسكتهم. فالصخب جزء من النظام. والاحتجاج أيضاً.
إعلان
ينبغي أن نتذكّر ذلك، لأنّ الديموقراطية ليست نظامًا مصمّمًا من أجل التوافق، وإنما من أجل الاحتكاك والخلاف. تعمل بشكل سيء، لكنها تعمل أفضل من أي بديل آخر. تنتج خيبة أملٍ، وتعبًا، وتشبعًا. وفي هذا التشبّع تجد إغراءات التسلطية مكانًا لها: الوعد بالنظام، والفعالية المفترضة، والتركيز المحكم للسلطة في فرد واحد. يكفي مراجعة تاريخ القرن العشرين لفهم التكلفة: الزعيم الكاريزمي يصبح طوطمًا؛ القانون هو ذراعه، والاختلاف عائق له.
الشباب الذين يُظْهِرون اليوم ميلًا إلى التسلطية، لا يتوقون إلى ديكتاتور حقيقي، بل إلى نموذج جمالي: شخص يفرض النظام. شخص يحلّ مشكلة التضخّم السياسي، والاستقطاب الذي لا ينتهي، والتضخّم البيروقراطي، والتدهور المؤسّساتي. والمشكلة هي أنّ العمل بدون ضوابط لا يوجد إلّا في الأوتوقراطية (حكم الفرد autocracia)، والأوتوقراطية ليست وسيلة للإدارة المُسَرَّعَة، بل هي مختبرٌ للخضوع.
صحيح أنّ بيدرو سانشيز يظهر ميولاً أوتوقراطية: إصراره على ضبط الدولة وفقاً لمقاسه، وطريقته في الهيمنة على المؤسّسات، وقابليته لتحويل RTVE/هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية إلى أداة دعائية، والتدخل في CIS/مركز الأبحاث الاجتماعية، واستغلاله لهيئة محاماة الدولة، ومضايقاته الخطابية للقضاة… كل ذلك قابل للانتقاد. كل ذلك يقوِّض المشهد الديموقراطي. وكل ذلك يستحق مراقبة شديدة.
لكن الخلط بين هذه الممارسات المتدهورة والديكتاتورية ليس مجرد مبالغة: إنه خطأ مفاهيمي. فلو كانت اسبانيا ديكتاتورية لما استطاع أحد الإشارة إلى الهيمنة على المؤسّسات، ولما استطاع أحد اتهام الحكومة بالضغط على الصحافة، ولما استطاع أحد أن يندد بخمول البرلمان، وقبل ذلك كله، لما استطاع أحد اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يمارس وصاية فعالة على الدول الأعضاء، والذي يمتلك، كما ثبت في حالتي بولندا والمجر، آليات حقيقية للتصدّي لانتهاكات السلطة التنفيذية حيثما وقعت.
الحكومة الإسبانية تتجاوز الحدود، لكن الحدود ما زالت موجودة. ويجري تجاوزها بالتحديد لأن هناك حدوداً. لا أحد يتجاوز حداً في نظام تسلطي، لأن الحدود لم تعد موجودة أصلاً.
ربما يُستَخَف بالمدى الذي يبلغه الاتحاد الأوروبي في العمل جداراً حيوياً يحول دون الانحراف نحو التسلطية في أعضائه. لكن الصناديق الهيكلية، وعمليات التدقيق، والمحاكم، ومحكمة العدل الأوروبية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمفوضية، والبرلمان الأوروبي … كل ذلك يشكِّل منظومة من الرقابات المتبادلة تمنع أي بلد من التهاوي نحو التسلطية دون دفع ثمن اقتصادي وقانوني لا يحتمل.
ليست اسبانيا جزأً من هذه البنية وحسب، بل إنها تستفيد منها، وتندمج فيها تمام الاندماج، وهذا لا يجعل نظامنا الديموقراطي مثاليًا بشكل سحري، لكنه يعمل على ضمان أن لا تستطيع أية حكومة، برئاسة سانشيز أو بغيره، أن تحوِّل الدولة إلى متصرفية خاصة دون أن تواجه التأنيب الأوروبي. وهذا الضمان، بحد ذاته، يبطل أية إيماءة بخنق المؤسسات. إن المشكلات حقيقية، والضوابط والتوازنات كذلك.
الجاذبية في الديكتاتورية عاطفية، وليست عقلانية. فهي تقوم على fantasía خيال: الوضوح المُفْتَرَض الذي توفره قيادة واحدة. وهي تتعزز مع الإحساس بالعجز الذي يخبره كثير من الشبان عندما يرون نظاماً متعدد الأقطاب، صاخباً، وعاجزاً عن تقديم حلول بسيطة لمشكلات معقدة. لكن الوضوح الذي يعد به النظام التسلطي ليس وضوحًا: إنه ظلمة بدون تدرُّجات. والفعالية الموعودة هي فعالية للحاكم وحده. والاستقرار الموعود هو، في الحقيقة، تحجر اجتماعي.
المقلق في الأمر ليس أن يخطىء الشباب، بل هو أن يخطئوا من موقع امتلاكهم امتياز القدرة على الخطأ. في الديموقراطية وحدها يمكنك أن تقول إنك تُفَضِّلُ الديكتاتورية. في الديموقراطية وحدها يمكنك أن تتخيّل أنك تتخلّى عن حرياتك دون أن تفقدها. ومن داخل الديموقراطية وحدها يمكنك الاستخفاف بما يعنيه إلغاؤها. إنّ إغراء التسلطية لا ينبع من المعاناة الحقيقية، بل من السأم، والاستياء، ومن السياسة المتحولة إلى استعراض. من هنا تأتي أهمية توضيح أن الديكتاتورية ليست البتة تعبيرًا عن نفاد الصبر، بل إنها قفزةٌ في الفراغ.
الديموقراطية الإسبانية منهكة، فاقدة الاعتبار، مستقطبة، مستغلَّة. لكنها ما زالت حيةً. تَنبِض. تصوِّبُ نفسها. تخطىء. تتعافى. ليست كاملة لأنها تعتمد علينا. وهذا، بعيداً عن كونه نقيصةً، هو مكمن قوتها. إنَّ عدم الكمال الديموقراطي هو وحده ما يقبل الإصلاح، والنقد، والتصحيح.
لا تقبل الديكتاتورية بشيء. ولا حتى بالخطأ. الجمود يتحول إلى مصير. وقد يكون من الملائم أن نقولها بكل هدوء: إنَّ من يحلمون اليوم بالحكم التسلطي لا يعرفون حقاً ما يطلبون، لأنهم لم يعيشوه قط. يخلطون بين المضايقة والقمع، بين الإحباط والاستبداد، بين الضجيج البرلماني والغولاغ gulag. والتحدّي ليس في السخرية منهم. التحدي هو تذكيرهم بأن الحرية ليست فكرة مجردة وإنما هي عادةٌ تبلى عندما يجري ابتذالها.
اسبانيا ليست فردوسًا ديموقراطيًا. لكنها، بلا جدال، بلد حر. بلد فيه قواعد، ورقابة، وقضاة يحقّقون مع السلطة، وصحافة تزعجها، ومؤسسات تخفق، نعم تخفق، لكنها موجودة. وطالما هي موجودة، فإن الإغراء التسلطي لن يعدو أن يكون: إغراءً طفوليًا مكتسيًا جديَّة البالغين الراشدين.
رابط الأصل الاسباني:
La peor democracia es preferible a la mejor de las dictaduras
إعلان
