تأخذك إلى أعماق الفكر

وأم كجوليا روبرتس: نموذجان سينمائيان لصورة الأمومة الخالصة

“أجمل ثلاث نساء في العالم: أمي، وظلها، وانعكاس مرآتها”

هكذا وصف “جبران خليل جبران” الأم في جملة واحدة بليغة تدل على أنه لا أحد كالأم. وكذا حافظ إبراهيم يقول عن الأم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها

أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيابِ

الرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى

شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ.

دومًا كانت صورة الأمومة صورة مقدسة وخالية من الشوائب والعيوب، تستخدم كاستعارة عن الحنان ورقة القلب، وهي مضرب الأمثال في التسامح والعفو. هذه الصورة النمطية للأم تغيرت قليلًا، أو للحق كثيرًا وصارت الصورة النمطية للأم في حاجة لإعادة تقييم فليست كل الأمهات يستحققن هذا اللقب، ولا يملكن كلهن قلبًا رحيمًا، ويدًا حانية. أخبارنا وصحفنا في الآونة الأخير تعج بقصص لأمهات تفوقن على زعماء العصابات في الخسة وقسوة القلب. لكن لنعد قليلًا لصورة الأم المثالية ونستعرض نموذجين سينمائيين لأم كما نحب أن نرى في مجتمعاتنا، قامت بهذين الدورين الممثلة الأمريكية “جوليا روبرتس” وجسدت بصدق نموذج الأم الحانية الرفيقة بابنها مهما كانت ظروفه، ومهما كان شكله.

فيلم” Wonder”  أحبك مهما كان شكلك:

الإنسان بالفطرة يميل لحب الحُسن ونبذ القبح. حينما نرى شخصًا جميلًا نشعر تلقائيًا بأننا بحاجة للحديث معه والتقرب منه، وفي تعاملنا مع الأطفال بالطبع دومًا نفضل الطفل الأجمل ونقربه وينال منا الحب والاهتمام؛ يكفي أنه جميلًا.

في فيلمها المنتج عام 2017 تقوم “جوليا روبرتس” بتجسيد دور أم يعاني ابنها من مشاكل خليقة في وجهه بحيث يبدو بعد الكثير من عمليات التجميل مشوهًا. في بادئ الأمر تحاول الأم جاهدة أن تحصن ابنها من المجتمع في مراحل نموه المبكرة كي لا تنصب عليه حمم الكراهية والاستنكار. لكن في سن معين تقرر الأم أنه على طفلها أن يواجه المجتمع، وأن يريهم جوانب نفسه الجميلة التي يجهلونها. عليه أن يعلمهم أن الجمال ليس جمال الوجه وحسب؛ بل أيضًا جمال القلب والروح.

ينضم “أوغي” الطفل إلى مدرسة عادية وسط أطفال عاديين، يرمونه بنظرات مستنكرة في بادئ الأمر، يتجنبونه، ينفرون من الحديث معه، ثم يتحول كل هذا الرفض الصامت إلى حمم من التقريع واللوم على إثم لم يقترفه، والمعايرة بشكله الذي لا يشبههم. يحاصرونه بفضولهم وأسئلتهم الجارحة؛ لكنه يرد عليها بدعابة، ذات مرة يسأله أحد أقرانه “لم لا تقوم بعمليات تجميل؟” فيخبره “بربك، هذه هيئتي بعد عمليات التجميل”.

إعلان

المعركة قاسية وشرسة على طفل لم يبلغ العاشرة بعد؛ لكن وراءه أم تدعمه وتعيد له ثقته بذاته وتوازنه، وتفتح له آفاقًا من المحبة والتقبل تعينه على مواصلة معركته مع مجتمع يرفضه أو بالأحرى لا يعطي لنفسه فرصة لتقبله. لكن الأمر لا ينجح دومًا تنفد طاقة الطفل الصغير، ويقرر الانسحاب من المواجهة؛ لكن أمه أبدًا لم تتركه، لم تختر الحل الأسهل بتعليمه منزليًا وإحاطته بشرنقة مدى الحياة خوفًا من ضربات الناس القاسية بل تعلمه أن يستمر في المواجهة ويدرك في قرارة ذاته أنه ليس قبيحًا، وأن عليه أن يريهم جماله الداخلي. تخبره كذلك أنها هي الأخرى لديها عيوب في وجهها، وأن هذه العلامات التي يكسبها لنا الزمن هي قصة حياتنا وتلخص ما مررنا به.

فيلم” Ben is back”  سأغفر لك مهما كان الخطأ:

في فيلمها الأخير من إنتاج عام 2018 تكون في مأزق قلما تجيد الأمهات التعامل معه، أن تكون أمًا لشاب مدمن وأذاقها وأذاق عائلته ويلات الإدمان من: سرقة، واضطرابات نفسية، والأدهى من ذلك كله الاقتراب من الموت أكثر من مرة أمام عينيها. في أحد أعياد الكريسماس تفاجئ “هولي” بابنها الذي كان في أحد دور رعاية مدمني المخدرات قد عاد لقضاء يوم الكريسماس معهم. تقابله أخته بجفاء، وبالطبع زوج أمه لن يتلقاه بترحاب. وحدها أمه احتضنته كما لو كان عائدًا من سفر طويل، وكأنها كانت تنتظر قدومه بشوق ولهفة، ونسيت في لحظة كل ما مرت به بسببه، وكل ما جناه على أسرته. تنسى كذلك أنه أفسد لها عيدي كريسماس سابقين وتمنحه فرصة جديدة وتتعهد أمام الجميع بأن تتولى أمره طوال اليوم، ولن تدع له مجالًا للخطأ.

تسير الأمور على ما يرام ويُبلي الإبن بلاءً حسنًا، وحينما يخطئ الابن مجددًا تتستر الأم عليه وتأخذ منه جرعة المخدرات التي وجدها وسط حاجياته القديمة وتنقذه من نظرة الشماتة واللوم المُرتقبة في عين أخته وزوج أمه. لكن الانفكاك من مجتمع المخدرات ليس بهذه السهولة، هم موجودون في كل مكان، يلتقي بهم أينما ذهب؛ حتى يصل الأمر لأن يقتحموا منزل الأسرة ويسرقوا كلبهم، هنا يضطر الابن للعودة لهذا المستنقع ليحمي عائلته من شرورهم، وفي هذا أيضًا لن تتركه أمه يذهب وحده ستصحبه في رحلة ليلية مؤرقة من بيت إلى بيت ومن وكر إلى وكر، حتى يفر منها ويسرق سيارتها ويذهب لمواجهتهم وحده. تتبعه أمه حتى بعد سرقة سيارتها وتقرر أنها لن تتركه للموت هذه المرة أيضًا، لم تعد للمنزل وتقرر إكمال حياتها مع أبنائها الآخرين كما كانت قبل عودته، لم تخبر زوجها ولا ابنتها بفراره ولا بسرقة السيارة وظلت طوال الليل تجوب الشوارع بحثًا عن ابنها، على الرغم  من كل شيء هو ابنها ولن تتخلى عنه.

يذهب الابن لمتعهده السابق والذي كان وراء اقتحام منزله وسرقة كلبه، ويطلب منه أن يوصل شحنة مخدرات مقابل ترك عائلته وشأنها واسترداد الكلب. يقوم “بن” بهذه المهمة بنجاح فتكون مكافأته جرعة مخدرات يأخذها ويذهب، وللأسف يتعاطها بعدما انقطع 77 يومًا عاد مجددًا لهذه اللعنة. على الجانب الآخر تكون “هولي” ما زالت تلهث بحثًا عن ابنها وعند فقد جميع الآمال في العثور عليه تذهب للشرطة وتبلغ عن فقد سيارتها فهذه أيسر وسيلة للعثور عليه. بعدما هدها اليأس تعثر “هولي” على ابنها وهو يشارف على الموت مجددًا بعد تعاطيه هذه الجرعة اللعينة، وتنقذه مجددًا.

https://www.youtube.com/watch?v=j7ckCekdGr8

ليست الأم بالتي تلد، ولا تطعم فهذه الأشياء وحدها لا تصنع إنسانًا؛ فالحيوانات تقدم لأبنائها مثل ذلك. الأم هي التي تدعم وإن تخلى الجميع، التي تغفر جميع الأخطاء ولديها دومًا فرص لا تنفد تمنحها لأبنائها مهما فعلوا. كثير من الأمهات يعجزن عن تقبل أبنائهن في لحظات الفشل والخطأ، والغالبية منهن يفضلن الطفل الأجمل ويعاملونه معاملة ألطف. الحق أن كلمة الأمومة أعمق بكثير من نقل الجينات والاهتمام بالمأكل والملبس؛ فأهم من التربية بمعناها المادي، التربية النفسية والمعنوية التي إن لم يحصل عليها الابن من أمه سيظل طوال عمره مهشمًا من الداخل مهما بدا أنيقًا، ومُتعلمًا، وناجحًا تظل هناك ندبة في قلبه: أنه لم يحصل على الحب الكافي والتقبل من أمه، أقرب الناس إليه، من خرج من رحمها رفضته فكيف يقبل هو نفسه؟ وكيف يشعر بالأمان في مجتمعه الكبير إذا كان مجتمعه الصغير تخلى عنه وخذله؟

فيما مضى كانت الأمومة فطرة نقية لم تشبها الشوائب فكانت كل أم حانية طيبة، أما الآن فصرنا نسمع عن أمٍ تُلقي بأبنائها في النهر انتقامًا من زوج سرحها، وعن أم تعاقب أبنائها إن أخطأوا بالنار، وأخرى تترك ابنها الرضيع يموت جوعًا ويتعفن دون التفكير في السؤال عنه، وغيرها الكثير من القصص تعج بها الصحف والأكيد أن ما تعج به البيوت أفظع، وأقسى، وأكثر. كم من كلمة يا سوادء أو يا بدينة قيلت لفتاة صغيرة من أمها أفقدتها الثقة بنفسها مدى الحياة، كم من طفل اتُّهم بالتخلف والغباء وعوقب على درجته المتدنية، وكم من فتاة نبذت وازدريت لأن أمها تعتز بإنجاب الذكور عن الإناث وتقرب أخوتها الذكور وتدللهم عنها، كم من أمهات صرن معاول هدم لأبنائهم وبسببهم عانى هؤلاء الأبناء حتى الممات من مشاكل نفسية تتعلق بالثقة بالنفس والشعور بالأمان.

لا يوجد بيت ليس فيه طفل يعاني – إن لم يكونوا جميعهم –  لأننا لم تعد لدينا أمهات بل والدات، وضاعت الأمومة كغيرها من المعاني النبيلة في الحياة. صحيح أن البنوة هي الأخرى تشوهت وصرنا نشاهد حالات من القسوة تجاه الآباء والأمهات تشيب لها الرؤوس؛ لكن من يدري ماذا غُرس في هؤلاء الأبناء في الصغر ليتشبعوا بهذا القدر من القسوة والكراهية؟ وبماذا مروا ليصبحوا هكذا؟ وهؤلاء الأطفال الذين نشاهد ونسمع قصص عنف أسري تعرضوا لها بطلها الأول الأم كيف سيصبحوا حين بكبرون؟ مؤكد أننا لن نملك أجيالًا صالحة دون أمهات صالحات. أمة بلا أمهات صالحات لن تصلح لأي شيء؛ فمن يعيد لنا قلوب الأمهات لفطرتها؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.