هل نعيش في واقع أم صورة عنه؟ موجز حول إشكالية الواقع المفرط

إلى قارئ المقال بدايةً، هل انتبهت لحقيقة إيجادك أثناء مشاهدتك لإعلان عن منتج معيّن أنّ ما يعرضه هو واقع متنوع؛ على سبيل المثال لا الحصر واقع من من الوعود بالجمال، والسعادة، والراحة، والحرية، وتحقيق الأحلام، أو إطلاق العنان للمقدرات الكامنة -على حسب المنتج- بدلًا عن المنتج مجرداً فتجد نفسك أمام شراء واقع مختزل في رمزية وهي المنتج؟

لقد تنبّه وأطلق فيلسوف ما بعد الحداثة الفطن جان بودريار على هذه الآلية في الترويج لثقافة الاستهلاك «المحاكاة» وفي المحاكاة يُختزل الواقع في زخم من الصور الحالمة والمفلترة على مواقع التواصل والمنصات الرقمية وبدلًا عن افتعال واقع حقيقي، يعيش الجميع في واقع بديل لا وجود للحقيقة فيه أو الأصل بقدر ما تطغى فيه نسخ متكرّرة عنها وصور لا نهاية لها -الصورة التي يتم التقاطها أو بناؤها بالذكاء الاصطناعي- ونحن نعيش اليوم في عالم الصورة والصورة هي ما فوق الواقع أو  الواقع البديل أو المفرط -Hyperreality- فالنشرة الإخبارية قبل أن تبثّ لك صورًا عن الحدث تصنع الحدث، وتُخضِع الصورة خلف الكواليس لعدد من التعديلات، ويُخيَّل للناس أنّ عملية التعديل بمختلف أغراضها -تحسين للصورة، وتحريف، وتشويه… إلخ – هي آلية قد لا تتعارض أحيانًا مع الحقيقة التي ترغب الصورة في ايصالها ولكن البديهي وغير المدرك بسهولة أنّ الصورة ليست الواقع بل هي محاكاة، وأنّ في كل تعديل إلغاء واماتة للواقع واستبداله بآخر مصطنع، وفي مواقع التواصل يطابق الواقع المصطنع بين مسألتين شاسعتا الفروقات؛ بين كيف نبدو ومن نكون ليجعلهما الشيء نفسه وعندما نتّجه نحو الترفيه نغوص أعمق فأعمق في الواقع البديل، فقد تولّت الرأسمالية الراهنة أمر صناعة الحاجات النفسية للمستهلك وتنميتها وتلبيتها بما يدر أرباحها ويبقي روح النظام ويعمًق حالة اغتراب البشر عن الحياة الواقعية.

ولا أعتقد أنّ هناك حاجة للاسهاب في أعتى الأمثلة؛ عالم السينما والأفلام والمسلسلات والألعاب الرقمية والتطبيقات والمواقع الاباحية -صناعة شريرة- وهي وسائل محاكاة تقتل الحقيقة وتحلّ محلّها الصور والمؤثرات البصرية والسمعية المصطنعة.

كيف وصل الأمر الى مرحلة اصطناع الواقع؟

مرّت الصورة الفوتوغرافية في التاريخ الإنساني بأربع  مراحل تدخّلت فيها الرأسمالية وتبنّت صناعة أدوات إنتاج الصورة بما قاد نحو حالة توحّش أماتت الواقع، وبالتأكيد تناسب التقدّم نحو هذه الحالة بتطور وتوحش النظام نفسه.

1 – المرحلة الأولى:  الصورة انعكاس للواقع، في أول اكتشاف للصورة ويشار إلى عام 1826م

إعلان

في الغالب والى الفيزيائي الفرنسي جوزيف نيسيفور حينما التقط صورة تعرض جزءًا من منظر من النافذة في لو غراس -فرنسا- بواسطة التصوير الشمسي. هنا كانت الصورة تشير إلى واقع ملموس وموجود وهي مجرّد تمثيل له ولا يزال المتلقّي يملك القدرة على لمس الواقع الذي تمثّله الصورة حسّيًا، والجدير بالذكر أنّ الصورة هنا لم تنفتح على إمكانية الخضوع لأيّ شكل من أشكال التعديل في المشهد الملتقط صورة منظر من النافذة في لو غراس

2 – المرحلة الثانية : الصورة تخفي وتشوّه الواقع، وقد حدث عندما أتاح تطوّر الصناعة أدوات تعديل الصورة الملتقطة.

3 – المرحلة الثالثة : الصورة تخفي غياب الواقع -المدخل نحو مرحلة اصطناع الواقع-.

4 – المرحلة الرابعة : الصورة لا علاقة لها بأيّ واقع وانما تحاكيه فقط  -مرحلة اصطناع الواقع-.

وما يميّز المرحلتين الأولى والثانية هو وجود أصل ونسخة أما في الثالثة والرابعة فلا وجود للأصل بهيئته الواقعية ولكن ثمة نسخ، وبل لا حاجة لوجود أصل أساسًا، فمثلًا الذكاء الاصطناعي اليوم ووسائل الفوتوشوب تولد صوراً لأشياء وأناس لا وجود حقيقي لهم في الواقع، إذْ انتفت الحاجة الى أصل للأشياء وأصبح المحور هو النسخ وتوليد حلقة لا نهائية من النسخ المفتقرة لأصل -الأصل يمثل الوجود الواقعي- وفي غياب الأصل غياب للمعنى الأصلي للأشياء  فبذلك يكون الواقع المفرط واقع يتجاوز الواقع ذاته، أي عالم تخلقه وسائل الإعلام ليبدو أكثر اقناعاً ولا يعير اهتماما لأهمية حضور الحقيقة.

بتغييب الأصل يلغي الواقع المفرط ضرورة التعرّف على الذات

أود من القارئ تأمل المعنى الهائل لفكرة الأصل بدلًا عن المرور عليه سريعًا وسطحيًا، وأقصد تعميم فكرة الأصل على كل شيء في هذا الوجود وفي المقابل تأمًل كم الخسائر المؤلمة التي ترتّبت على أساس محاربة الواقع المصطنع للأصل في كل الأشياء -معنوية ومادية-.

على سبيل المثال لا الحصر : الطبيعة، والمشاعر ، والطعام والأجساد والأشخاص، والمجتمع والعلاقات، والأفكار والعقل، والفن، وغيرها. فقف وتأمل ما ضاع وما زال قيد الضياع نتيجة لتقنيات وتوحّش رأسمالي يدر أرباحه  ويزداد قوة وهيمنة ثقافية واقتصادية من تسليع العالم، من تسليع كل شيء بما فيه الواقع، فقد سحبه من الحياة وأبدله بما فوق الواقع حيث لا وجود لحقيقة بل نسخ.

ولعلّه في كل مرة تتعاظم فيها الواقعية المصطنعة تتعاظم هشاشة الإنسانية ويصعب على البشر تمييز الوجود والموجودات من الصور، وإحدى أكثر الخسائر إيلامًا التي قام بها الواقع المفرط من وجهة نظري هي إلغاء الذات وإلغاء ضرورة التعرّف عليها، فويح اليوم!

يعتقد البشر في عصر الواقعية المفرطة أنه يجب عليهم تعريف أنفسهم عبر «البروفايل» حيث الصور وحيث ماذا تفضّل؟ وما هي هواياتك؟ والجدير بالقول أنّ الهوايات والتفضيلات التي تضج بها البروفايلات قلَّما يتّسع للمرء مزاولتها واقعيًا وبانسجام ورغبة كذلك فما يهمه فيها ويقلقه هو التقاط الصورة المثالية أثناء ممارستها -إنْ حدثت- أكثر من الهواية في ذاتها ولما تضفيه على حياته من أثر وفائدة. هنا يغدو الأثر ثانويًا والرمز -الصورة- الأولوية والغرض. كما يعتقد أنّ البروفايل هو تعريف لهذه الذات وقد يشكّل أحدهم صورة متكاملة عن أحد يعتقد أنها حقيقته بناءًا على تصفحه لبروفايل في أحد مواقع التواصل.

إنّ الآلية التي ألغى بها الواقع المفرط ضرورة التعرّف على الذات هو إيهامه البشر بـ «كيف أبدو في الصورة» وفي مواقع التواصل وبمعني «من أنا»، فـ «من أنا» في الأصل هي عملية وجودية ونفسية واجتماعية في غاية التعقيد وصراع صعب وضارب في القدم في عمق الفلسفة وليست صورة توضع على حالة فيسبوك، انستغرام أو سناب شات أو بروفايل كامل. في المجمل هي اشتباك مستمرً بين خصوصية فردية وتجربة حضارية وأخلاقية، وهي سؤال فلسفي هام وقديم اشتغلت عليه مدارس عديدة فمثلاً تتساءل الفيلسوفة المرموقة وأستاذة الدراسات المقارنة جوديث بتلر عن الطرق المتاحة أمام الذات لوصف نفسها، وعن العلاقة بين السرد الذي تقدّمه الذات عن نفسها وتداخلاته مع النظم الاخلاقية والمعرفية الجارية، وعن تعريف الذات هذا المفهوم العريض والمهموم بمن يحقّ له أن يعتد بكونه ذاتًا وما حدود هذه الذاتية.

وتحلّل مواقف فلسفية مختلفة لهذه المسألة، وتستعرض نيتشة الذي يتصوًر العقاب دافعًا للاحساس بالذات وحدودها، وميشيل الفوكو الذي يشير بالبنان للنزعة الابداعية الخالصة، وأدريانا كافريرو التي تؤكّد أنً الذات تنشأ في بنية من الأنا والأنت فيها يشترط وجود المتخاطبين الاثنان وجودًا حيًا وتتوقّف أيضًا عند مفهوم هيجل الجدلي لتحقًق الذات.

وفي رأيي فإنّ عصر الواقعية المفرطة قد ألغى شقً الخصوصية الفردية في معترك معرفة الذات وأبدله بالتشتت، وبالاستهلاك الحسّي والمادي لمنتجاته بما يعزّز حالة من التشتّت نحو الخارج لا وجودًا نحو الداخل مع الذات قوامه سبر أغوارها والذي يتأتى عبر العزلة معها، وابتكار وسائل لفهم وتحديد كينونتنا مثل التساؤل والتفكير النقدي، فـ بالهاتف والتلفزيون والراديو والصور والرغبة الجامحة في الاستهلاك المادي والحسّي عمّق الواقع المفرط تشتّت الإنسان، واختطف بدوره الشقّ الثاني من معترك التعرّف على الذات، وابتلعه داخل ثقافته -ثقافة الاستهلاك والتسلي-  وقدّم نظامًا حضاريًا مشوّهًا يجري الآن فيه، حيث لا تهم أصالة وخصوصية التجربة الفردية المحاربة وغير المطلوبة، والبديل فقط هو نسق ينقاد الجميع نحوه بوسائل تلاعب وتببيع جبارة

ولتوصيف هذا المستوى من رفض التعرّف على الذات الذي يمارسه الواقع المفرط استلهم من فيلسوف النظرية النقدية ثيودور أدورنو مفهوم العنف الأخلاقي الذي يشير إلى الخلل الذي يصيب العلاقة بين الذات وحاضنتها القيمية حيث يؤدي إلى هيمنة الثانية على الأولى، فما يجري الآن بدقة هو العنف الأخلاقي لما فوق الواقع.

ما العمل وأين المفر؟

حتى لا يموت العقل الإنساني  بالكامل داخل الواقع المفرط يكون جلّ الرهان هو اللجوء الى الفلسفة وحماية الفلسفة واستمرارية التفكير الفلسفي، تُعمِل الفلسفة ملكة العقل والنقد بما ينفع التجربة الوجودية للبشر ففي تشريح جان بودريار لواقع الإنسانية الذي يقاسي الهلاك في غياهب الاصطناع  تذكير مصغر بهذه الحقيقة.

لذا وددت لفت القراء خصوصا اليافعين منهم والطلاب والطالبات منهم إلى ضرورة  استيعاب الفلسفة في حياتهم اليومية، وفي هذا الفعل ضلوع بطريقة أو بأخرى في التصدي لهلاك الحضارة الإنسانية على يد الشرور التي أنتجها الإنسان عبر اليقظة والنقد والمحافظة على القدرة على تمييز الحقيقة والانحياز الى الخير

أود اختام هذه الفقرة بمجتزأ يخاطب أحد مخاوف العامة من الفلسفة من مقال لي عنوانه “الفلسفة واليومي: مقاربات نظرية وتطبيقية :- وهو «لا بد من إزالة لبس يعتقده العامة إزاء الفلسفة ويغذّي نفورهم منها وهو أنها تعادي الإيمان الفردي والذي يجسّد جزءًا مهما في الحياة اليومية، وهو اعتقاد خاطئ فالفلسفة يمكن أن تتعامل مع حياة الإنسان بمعزل عن معاداة أيمانه أو أنماط عيشه وتفكيره لأنّ مبدأ الفلسفة المعاصرة هو الاعتراف الصريح بالتنوّع والعمل على استيعاب معطياته». بالإضافة تساؤل بتساؤل موجّه للقارئ.

قد تشعر بالإحباط من صورة لك على وسائل التواصل، نالت عشرة إعجابات؛ فكيف سيكون شعورك إذا مدحك عشرة  أشخاص في الواقع وأعجبوا بهيأتك حينها؟ إنّ الحقيقة تكمن في خط فاصل بين الواقع والوهم وتنحاز إلى الواقع بلا شك.

إعلان

اترك تعليقا