تأخذك إلى أعماق الفكر

هل امتلاك المرأة لصدر بارز يعد دليل انحلال؟

تعميم منتشر بلا أدلة علمية قوية

ليس هناك شكٌ بأن الأثداء الكبيرة تعد أكثر جاذبية جنسية لدى الرجال، وفي الدراسات الميدانية، يجد علماء النفس أن النساء بارزات الصدر كثيرًا ما يكنَّ مرغوباتٍ أكثر في الحانات والنوادي الليلية، وإذا عملن كنادلات، يحصلن على الإكراميات بشكلٍ أكثر سهولة من النساء ذوات الأثداء الأصغر، ويحصلن على توصيلات مجانية بسهولة أكبر إذا سافرن كمتجولات Hitchhikers (طريقة للسفر منتشرة كأن يطلب المسافر توصيلة مجانية من الغرباء على الطريق). ورغم هذا فإن السبب وراء بروز الأثداء لدى النساء ما زال يشكل لغزًا تطوريًا.

يستخدما الثديان بطبيعة الحال في إنتاج الحليب لإطعام الأطفال، ورغم ذلك فإن إناث الأنواع الأخرى من الثدييات نادرًا ما تُبرز أثداؤها النتوءاتِ الضخمة، حتى عندما تكون مرضعة لمجمل الثدييات، وعلاوةً على ذلك، تبين الدراسات أن حجم الثدي حتى بين البشر لا يرتبط بكمية أو جودة الحليب الذي تنتجه الأمهات. إذًا، لا شيء من هذه الوقائع يوضّح لماذا تبدي النساء حجم أثدائهن، أو لماذا يعتبرهن الرجال جذّابات جنسيًا إلى هذا الحد!

اقتُرحت العديد من النظريات التطورية في محاولةٍ لتفسير هذه المعضلة، ومن بين هذه النظريات، ما تقول أن الثديين الكبيرين هما دلالة صحية صادقة، أي أنّ النساء اللواتي يتمتعن بصحة جيدة بشكلٍ استثنائي هنّ وحدهن القادرات على بناء ودعم هذه النتوءات الثقيلة.

ثمة نظرية أخرى تزعم أنها تشير إلى الخصوبة، حيث أن الدهون المخزنة داخلها تثبت أنها تمتلك موارد بيولوجية وافرة لإنجاب الأطفال وتغذيتهم.

وهناك نظرية ثالثة مفادها أنها تطورت بحيث تشير إلى الاستعداد للمشاركة في ممارسة الجنس غير الرسمي بدلًا من الترابط بين الزوجين.

إعلان

ولكي نرى ما إذا كان بوسعهم أن يجدوا الدليل الذي قد يدعم أي من هذه النظريات، قام عالم النفس البولندي كريزستيف كوسينسكى وزملاؤه بتوظيف مائة وثلاث وستين (163) فتاة كنّ على استعداد للخضوع لسلسة من التقييمات الفسيولوجية والنفسية، وكان الهدف من ذلك هو معرفة ما إذا كان حجمُ الثدي مرتبطًا بمؤشراتٍ معروفة للصحة والخصوبة، أو بالمواقف التي يتم الإبلاغ عنها ذاتيًا بشأن الحياة الجنسية، ولاسيما الانفتاح على الجنس غير الرسمي.

فحصت المجموعة الأولى من التدابير والمقاييس حجم الثدي ونوع الجسم، وكما هو متوقع، لا يرتبط حجم الثدي بالطول ولكنه مرتبط بمؤشر الوزن و كتلة الجسم، بعبارةٍ أخرى تميل النساء الأثقل وزنًا إلى الحصول على أثداء أكبر، وهو الاستنتاج الذي لم يكن مفاجئًا.

ونظرت المجموعة الثانية من المقاييس في الفرضية القائلة بأن حجم الثدي هو إشارة تدل على الصحة، ولقد أخذ الباحثون تاريخًا طبيًّا من عدوى الجهاز التنفسي والهضمي لكل امرأة كمؤشر للقابلية للتعرض للإصابة بالمرض، وقاسوا أيضًا تناظر الجسم، وهو مؤشرٌ معروف لاستقرار التنمية، وهذا يعني أن الأطفال الأصحاء يميلون إلى النمو في ظل أجسام متماثلة، في حين يميل الأطفال غير الأصحاء إلى إظهار اختلالات التوازن البدنية عندما يكبرون.

وقد كانت النتائج مختلطة، حيث كانت النساء ذوات الثدي الكبير مصابات بقدر أكبر من التهابات الجهاز التنفسي، ولكن كان لديهنّ نفس القدر من التهابات الجهاز الهضمي مثل النساء ذوات الصدر الأصغر. ومع ذلك، أظهروا تماثلًا في الجسم أكثر من غيرهنّ من النساء، وهذا قد يوحي بشيءٍ بشأن الحاجة إلى طفولة صحية من أجل الحصول على الموارد الجسدية اللازمة لنمو أثداء كبيرة بعد البلوغ.

وقد اختبرت المجموعة الثالثة من المقاييس الفكرة القائلة أن الثديين الكبيرين يشيران إلى الخصوبة، وعلى وجه الخصوص، اختبر الباحثون مستويات هرمونين في لعاب كل امرأة، (الإستراديول والتستستيرون). ويعتبر ارتفاع مستوى هرمون الإستراديول لدى النساء مؤشرًا معروفًا للخصوبة، في حين أن ارتفاع مستوى هرمون التستستيرون غالبًا ما يشير إلى مشاكلٍ تتعلق بالحمل والولادة  في كثيرٍ من الأحيان، ولقد أظهرت النتائج أن حجم الثدي لم يكن مرتبطًا بمستويات أي من هذين الهرمونين، وعلى هذا فإن الأمر يشير إلى أن الثديين الكبيرين لا يشيران في واقع الأمر إلى الخصوبة.

قيّمت المجموعة الرابعة من المقاييس مستويات النساء في العلاقات الجنسية أو الانفتاح على الجنس غير الرسمي، وهذه المرة  قام المشاركون بالإجابةِ على استبيانٍ بشأن مواقفهم وسلوكياتهم فيما يتصل باللقاءات الجنسيّة  قصيرة الأجل مع شركاءٍ متعددين، ولم يجد الباحثون مرةً أخرى أي دليلٍ على إبداء النّساء اهتمامًا أكبرَ بالجنس غير الرسمي من نظرائهن الأقل حظًّا.

باختصار، فشلت الدراسة في العثور على دليلٍ يدعم أيًّا من النظريات التطورية الثلاثة حول سبب إبداء ثدي المرأة، ويعترف الباحثون بأن حجمّ العينة كان صغيرًا إلى حد ما، وعلى نحو مماثل، ربما لم يختاروا الارتباط الصحيح بين الصحة والخصوبة، وعلاوةً على ذلك، فمن المحتمل أنّ النساء في هذه الدراسة لم يقدمن تقارير نزيهة عن مواقفهن وسلوكياتهن الجنسية، ولكن بالرغم من ذلك، استخدم الباحثون اختبارًا قياسيًّا للعلاقة الجنسية الاجتماعية، والذي قد استخدم بنجاح من قبل علماء نفس آخرون.

وبالرغم من أن الباحثين لم يجدوا أي دليل على أن النساء ممتلئات الصدرِ أكثر انحلالًا، إلا أن فضولهم بشأن الطبيعة الاجتماعية لهذة الفئة النمطية كان جزءًا من الدراسة أيضًا، فتساءل الباحثون بشكل خاص عما إذا كان الرجال وحدهم يعتنقون هذا الاعتقاد بشأن النساء ذوات الثدي الكبير، أم أن النساء يؤمنّ بهذه الفكرة أيضًا.

ولاستكشاف إجابة هذا التساؤل، بدأ الباحثون بصورة ضوئية لسيدة شابة عارية الصدر، لديها صدر متوسط الحجم، وباستخدام برمجياتٍ لتغير شكل الجسم، قام الباحثون بتزييد حجم الثدي أو تقليله، وبالتالي وضعوا ثلاث نسخ من المرأة نفسها مع صدر كبير ومتوسط وصغير الحجم. ثم طلبوا من أكثر من 500 رجل وامرأة تصنيف المرأة في كل صورة من الصور الثلاث طبقًا لمجموعة من السمات.

ولعل النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام على الإطلاق هي أن الرجال والنساء اتفقوا إلى حد كبير على تقييمهم للمرأة ذات الصدر الكبير أو المتوسط أو الصغير الحجم، حيث صنف كل من الرجال والنساء على حد سواء المرأة ذات الصدر الكبير أو المتوسط على أنها امرأة جذابة ومناسبة كزوجة، مقارنة بالمرأة ذات الصدر الصغير.

ومع ذلك، فقد صنف المستجيبون النسخة ذات حجم الثدي الكبير، بأنها الأكثر جاذبية من الناحية الجنسية والأكثر انفتاحًا لممارسة الجنس العابر، مقارنة بالمرأة ذات الثدي المتوسط أو الصغير. كما رأوا أيضًا أن المرأة كبيرة الصدر أقلُّ إخلاصًا وذكاءً واجتهادًا من النسخة صاحبة الصدر المتوسط أو صغير الحجم، فضلًا عن ذلك، فقد أظهروا مواقف تتفق مع الفرضيات التطورية المذكورة أعلاه، حيث جاء تقييمهم لقدرة المرأة على حمل الأطفال وإنتاج أكبرَ قدرٍ من الحليب متفقًا مع النسخة كبيرة الصدر، تليها المتوسطة، ثم الصغيرة.

وفي حين لم يجد الباحثون أي دليل على أن النساء ممتلئات الصدر أكثر انفتاحًا من نظرائهن من ذوات الصدر المتوسط أو الصغير، إلا أنهم وجدوا إيماناً راسخاً وشائعاً بهذه الصورة النمطية بين الرجال والنساء على حد سواء.

وفي الختام، يحذر الباحثون القرّاءَ من الحكم على التوجهات الجنسية للمرأة على أساس المظهر البدني. وبصفةٍ عامة، فإنه من الحكمةِ دومًا أن نعمل على تقييم مواقف الناس وتوجّهاتهم على أساس سلوكياتهم، وليس على أساس نمط أجسامهم.

مصدر الترجمة: 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: نورهان سيد ثابت

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.