تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلسوف الشر الذي صنع قيمة للوجود.. كيف أثر نيتشه في العامة؟

“قد تكون قراءة أعمال نيتشه مُسكرة، مُسكرة جدًا لدرجة يجب أن يُلصق عليها تحذير صحي يقول لا تحاول تشغيل السيارة، ولا تحاول التفكير عندما تكون تحت تأثيره؛ فوضويون وفاشيون وفرويديون ووجوديون، ما بعد الحداثيون والوثنيون الجدد، لاعبو الكرة ومصففي الشعر، مؤيدو النساء وكارهوهن، حتي الفلاسفة.” هكذا بدأ “ميل ثومبثون” و”نايجل” حديثهما عن نيتشه في كتاب “جنون الفلاسفة”.

قد قدّم نيتشه نفسهُ في القرن التاسع عشر في البداية كنبي يَدَّعي تحطيم الأصنام وقلب كل القيم، فكان عدوًا لكل الاتجاهات السائدة ومحبًا لشوبنهاور وفاغنر.
رفض اليهودية لأنها مصدر أخلاق العبيد، ورفض المسيحية لأنها نشرت هذه الأخلاق، أما الاشتراكية والديموقراطية فرفضهم بسبب رفضه المساواة بين الناس.

في كتابات نيتشة نجد خطيبًا فائق البلاغة عن كونه فيلسوف، فهو يلمس الجزء الفطري والأكثر دموية عند الإنسان، فحماسة الكلمات ودقة الألفاظ تدفع الإنسان حتى ولو لهلاكه.

⁃لقد قتلنا الإله

ذاع صيت نيتشه لعدة أسباب، أهمها هذه المقولة، مع أسلوبه الأدبي بالغ الحماسة، فطالت مطرقته كل مكانٍ وزمان مدمرةً لكل القيم، قبل كونه فيلسوف عالمٍ بالنفس الإنسانية، فشهرته لم تُستمد من أفكاره في الأساس، إنما من حاجة القارئ إلى أسلوبٍ اندفاعي وقوي في الكتابة.

فكانت هذه المقولة أشهر ما قيل في تاريخ الفلسفة، وإن لم يكن في تاريخ ما قيل في العالم كله.

إعلان

⁃ صدامه مع المسيح وسقراط

هجوم نيتشه علي المسيح وتصديره لنبيٍ آخر وهو”زرادشت” الفارسي كمثال لأخلاق السادة في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، كان لهُ تأثيرٌ في الأوساط الثقافية والعامة، لأن المسيح تحدثت عنه كل الأديان السماوية -رغم خلاف بعض اليهود- على أنهُ ناشرٌ للمحبة والتسامح والأخلاق الحميدة، ورسولٌ للديانة المسيحية ومضحٍ من أجل خطايا البشر، ولهُ الكثير من المعجزات الشاذة عن كل الأنبياء، حتى من يعترضون على النبوة والمعجزات يعرفونه كفيلسوف وحكيم، ولم يستطيع أحدٌ الطعن فيه والتقليل من قيمته سوى نيتشة، وكتب كتبًا كثيرة ضده، ولا يخلو كتابٌ لنيتشة لم ينتقد فيه المسيح، وأهمهم كتاب “نقيض المسيح”.

بجانب المسيح كان هناك سقراط، الذي يُعرف بالشجاعة لسيرته الذاتية أيضًا، ولكن لم يستطيع الهرب من مطرقة نيتشة، في كل الكتب والمقالات كان هناك هجومٌ حاد عليه، وقدم نقده للعقل في صورة نقده لسقراط باعتباره المسؤول عن النزعة العقلية وسبب انحطاط الذوق اليوناني. ولأن نيتشة كان من الكارهين للتضحية التي هي سبب شهرة المسيح وسقراط، فنقدهم كان الأكثر وجودًا في كتاباته.

لكن في الحقيقة أعداء نيتشة يحتاجون لذكرهم كتبًا كاملة، لكثرة عددهم ولأنه كان يعادي تكتلات كاملة وأفكارًا، ولم يرحم أحدًا أو مذهبًا من النقد والعداء.

⁃ نيتشه والتطور

كل قارئ في العالم يدرك مدى أهمية الوصول للدوافع الفطرية لتحريك الإنسان، وهذا ما استطاع أن يفعله نيتشة عندما علم بنظرية التطور واعتنقها وحاول تطبيقها في الفلسفة.

فكانت النتيجة أن يقول : “إن الأقوياء وأصحاب الأرواح التي يغلب عليها الشر هم الذين حققوا أعظم قدر من التقدم البشري”، مناديًا برفض كل القيم السائدة والتمرد على أخلاق العبيد مثل التسامح والصبر والطاعة، لأنها تخالف كل قوانين الطبيعة والتطور، وإن وجب عليهم مساعدة ضعيف سيساعدوه، وفي نظرهم أن الصبر على الظلم أفضل من التمرد، فهي مجرد أخلاق صنعها محبين للسيطرة واعتنقها الضعفاء، لأنها الأكثر راحةً وتهاونًا.

تبعًا لذلك نشأ الحزب النازي في ألمانيا مع تحريفٍ لبعض نصوص نيتشة والاعتماد على نفس الخطاب الحماسي، فقد أثّرت فلسفته بعمق في اتجاهات السياسة الألمانية، حتى أصحبت أساس القوة الحربية الألمانية المكثفة التي حشدتها في فترة الثلاثينيات من هذا القرن وكانت سببًا من أسباب الحرب العالمية الثانية، وكان موسيلليني واحدًا من أكبر وأهم المتابعين المتحمسين لنيتشة، وكانت الفاشية هي النتيجة النهائية.

فأعلن فيلسوف المطرقة مواجهته لطغيان الإله أبوللو، إله العقل والنظام والوضوح والاتزان، مستعينًا في هجومه هذا بالإله ديونيسيوس، إله الغريزة والفوضى والغموض والسكر عند اليونان، معلنًا في الوقت نفسه على أنه آخر تلاميذ الإله ديونيسيوس.

فخدم نيتشة الطبيعة لأنه جعل الإنسان يخضع لها خضوعًا تامًا مرةً أخرى، ولكنه في نفس الوقت أوجد قيمة فطرية لحياة الإنسان وهي السيطرة.

⁃ الإنسان الأعلى

وأكد أن الإنسان الأعلى هو راعٍ للقطيع وليس فردًا فيه، وهو الذي يقهر نفسه في الدنيا والشجاع والجريء، والذي لا يكل أو يمل، ويتّسم ببشاشته وجلَده وابتعاده عن الادعاء والتفاهات، ويقول: “إنه إنسان يَحيَا في خطرٍ أكبر لحياةٍ أخصب وسعادةٍ أكبر”.

والخطر الذي يعيش فيه هو خطر تمرد الضعفاء عليه باعتمادهم على كثرة العدد التي تغلب الشجاعة مهما كانت مطلقة.
فأصدر نيتشة كتبًا تقرر بأن الحل هو إطلاق العنان للذات الحيوانية داخل الإنسان، لأنَّ تحجيمها يصنع كبتًا وتقهقرًا، وهذا هو ما ساعد في انتشار أخلاق نيتشة عن كل الفلاسفة.

انتشرت فلسفة نيتشه لعدة أسباب:

١- الأسلوب الأدبي الحماسي، الذي لم يتوفر عند أي فيلسوف.
٢- تبسيط الأخلاق المثالية، بدلاً من أن تكون صعبة الوصول أصبحت يدعمها دوافع فطرية ونفسية طبيعية مثل غريزة السيطرة والبقاء ودافع تحقيق الذات.
٣- الصدام مع كل القيم، فكلما زاد صدام الفكرة وعدوانيتها ازداد صداها وتأثيرها، ومَقولة قد مات الإله، وهجومه على المسيح.
٤- الحزب النازي وتأثيره في تاريخ العالم بعد تطبيق أفكار نيتشه.

 

- المصادر :-
١- قصة الفلسفة - ويل ديورانت
٢- فلسفة الأخلاق - توفيق الطويل
٣- تاريخ الفلسفة الحديثة - يوسف كرم
٤- الحياة الكريمة - بيرتون بورتر

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ألبير يوسف

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: زهراء زكي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.