الملاقط الضوئية وتوليد الليزر ذو النبضات العالية يحصدان جائزة نوبل للفيزياء 2018

نبذة تاريخيّة عن الليزر:

ظهرت أوّلُ ورقة بحثيّة تصف مبدأ الميزر للضوء المرئيّ وللأشعّة تحت الحمراء مُنذ 60 عامًا مضت أي في عام 1958م، وكانت الورقة من تأليف Arthur L. Schawlow  وCharles H.Towens في مختبرات تلفونات بل في نيوجيرسي، وأصبح الميزر المرئيّ معروفًا عندما قام Schawlow  بنشر مقال في مجلة ساينتفك أمريكان عام 1961 م، واستُبدِل مصطلح الميزر المرئيّ optical maser بمصطلح جديد هو الّليزر laser، وبعد هذا الاكتشاف تسارع تطوّر فيزياء الليزر وتطبيقاتها بسبب أن الليزر يمتلك خواصًّا فريدةً مثل الإمكانيّة الكبيرة للتّحكم في اتّجاهها ولأن الليزر شعاع أُحادي اللّون ويمتلك شدّة قويّة، وهي خواصّ مفيدة للعلماء وللعامّة في نفس الوقت.

جائزة نوبل في الفيزياء عام 2018 م:

مُنحَت جائزة نوبل في الفيزياء هذا العام لثلاثةِ علماء: نصفُ الجائزة الأوّل إلى آرثر أشكين الأمريكي لاختراعه تقنيّة الملاقط الضوئية (optical tweezers) ولتطبيقاتِها في مجال البيولوجي، ويستخدم هذا الجهاز الضّوء أحاديّ اللّون، أمّا النّصف الآخر من الجائزة فقد تمّ تقاسمه بين العالم الفرنسي جيرارد مورو ودونا ستركلاند الكندية –وهي أوّل امرأة تحصل على نوبل في الفيزياء منذ 55 عامًا– وذلك لطريقتهم الجديدة في توليد ليزر ذو نبضات عالية الشدّة وقصيرة جدًا .

ماهي أجهزة الملاقط الضوئية:

الملاقط الضوئية هي طريقة تعتمد على الليزر لاقتناص الجسيمات ومعالجتِها، ويكون هذا عن طريق فكرة أن الضوء يستطيع إعطاء طاقة أو ما يُسمّى بضغطِ الإشعاع radiation pressure: وهو ضغطٌ ينشأ عن امتصاصٍ ثمّ انبِعاثٍ للموجات الكهرومغناطيسية أو انعكاس موجة كهرومغناطيسيّة على المساحة التي تؤثّر عليها، وفي حالة الامتصاص يكون ضغط الإشعاع مساويًا لشدّة الإشعاع مقسومًا على سرعةِ الضّوء وفي حالة الانعكاس الكلّي يكون ضغط الإشعاع مساويًا لضعفِ قيمته.

صاغ جيمس ماكسويل عام 1873 م معادلاتِه وبيّن أنّ الموجة الكهرومغناطيسيّة لها ضغطٌ تؤثّر به على الأجسام، كما قام بارتولي باستنتاجِ ضغط الإشعاع عام 1876 م عند دراسته للديناميكا الحرارية، وافترض أنّه بسبب انعكاس الضوء على مرآة تتحرّك، ومع تأثير دوبلر فإنّ ذلك يجعل الحرارة تنتقل من جسمٍ باردٍ لآخر ساخن وهذا يتنافى مع القانون الأوّل للديناميكا الحراريّة، ولكي تتماشى هذه الظّاهرة مع الديناميكا الحراريّة فلا بُدّ وأن يكون للضوء ضغط يؤثّر به على المرآة، ولذلك سُمّي ضغط الإشعاع “ضغط ماكسويل – بارتولي”. ومن خلال اكتشاف الليزر عام 1960 م أصبح من الممكنِ دراسة ضغط الإشعاع وكان الرّائد في هذا المجال هو آرثر أشكين.
وأدّت جهوده في دراسة ضغط الإشعاع إلى اكتشاف الملاقط الضوئية.

قام أشكين عام 1970 م ببرهنةِ أنّ للضوء قوّة -تلك النّاتجة عن ضغط الإشعاع- عندما أزاح جسيمات صغيرة في الماء والهواء، فهذه الجسيمات تمّ تعجيلها في اتّجاه انتشار شعاع الضوء بواسطة قوى الانتشار، بالإضافة إلى أنّ هذه الجسيمات كانت تمتلك معامل انحراف أعلى من الوسط المحيط والذي اكتُشِف من خلال استخدام “شعاع جاوس”

إعلان

              

وبسببِ هذه الملاحظة التي اكتشفها عبر الرسم، ذهب أشكين إلى أنّه يمكن عمل كمين ثلاثي الأبعاد للجسيمات ويمكن تحقيق ذلك باستخدام two counter – propagating laser beam

two counter – propagating laser beam

وباتّباع هذه الطريقة، استطاع أشكين إنشاءَ أوّل مصيدة أحاديّة الشّعاع ثلاثيّة الأبعاد. بهذه الطّريقة حُصِرت الجسيمات عند النّقطة الّتي يحدث عندها الاتّزان بين شعاع الليزر والجاذبية، ومع ذلك فإنّ هذه الطّريقة غير عمليّة في حال أنّ قوة الجاذبية ضعيفة وهذا مايؤدّي لسيطرة الحركة البراونية على الجسيمات، وفي عام 1986م، قام أشكين وكوركيز بتنفيذ مصيدة جديدة تسمى single – beam gradient force optical trap؛ والّتي أصبحت تُسمّى الملاقط الضوئية  optical tweezers، وبهذه الطّريقة تُصاد الجسيمات بواسطة إرسال شعاع ليزر عبر عدسات ما يخلقُ قوى متدرّجة تعاكس اتّجاه انتشارِ الشعاع.

ولكي يحدث قنص الجسيمات فإنّ هذه القوّة يجب أن تكون قويّة بما يكفي لكي توازن قوى الانتشار، وهذا يتطلّب استخدام زاوية كبيرة لتتباعد داخل الشعاع كما بالرّسم وهذا هو ما يجعلنا نستخدم العدسات الميكروسكوبيّة، وبهذه الطّريقة نستطيع اقتناص الجسيمات العازلة في الماء التي يتراوح حجمُها ما بين بضع العشرات من النانومترات إلى العشرات من الميكرومترات.

تطبيقات الملاقط الضوئية:

بدأ أشكين بعد ذلك باستخدام ملاقط الضّوء في دراسة الأنظمة البيولوجيّة، والّتي أدرك من خلالها أنّ ملاقط الضّوء تستطيعُ التقاطَ ومعالجةِ الفيروسات والخلايا الحيّة، كما استخدم ليزر الأشعّة تحت الحمراء لكي يقلّل التّدمير الذي يمكن أن تسبّبه قوّة الشّعاع المرئيّ، تُستَخدم ملاقط الضوء الآن في الفيزياء الحيويّة كاستخدامها في معالجة الخلايا والعضيّات وفي قياسات الحركة والقوى للجزيئات وفي دراسة البروتينات وجزيئاتDNA، كما يحاول العلماء اكتشافَ مجالات جديدة، ومن المجالات الّتي أثبتت الملاقط الضوئية كفاءتها فيها هي المحرّكات الجزيئيّة، هذه المحرّكات هي الّتي تقوم بتحويل الطّاقة الكيميائيّة إلى حركة خطّية أو دائريّة، أحدُ المحرّكات الخطيّة تحتوي على محرّك البروتين الخطّي linear motor proteins الذي يلعبُ دورًا حيويًّا في النّقلِ داخل الخليّة وتقلّص العضلاتِ وانقسام الخليّة.

والآن ننتقلُ للتّعرف على إنجاز العالمين الآخرين

توليد نبضات بصريّة عالية الكثافة وفائقة القصر:

كما ذكرنا في المقدّمة؛ لم يكن تطويرُ النّبضات البصريّة قصيرة المدى متبوعًا بزيادةٍ كبيرة في الذّروة للطّاقة أو مقدار الطّاقة في كل نبضة، وعلى الرّغم من أن النّبضات أصبحت أقصر، ويعودُ الفضل في ذلك لعدّة تطوّرات مُبتَكرة في مجال ليزرات النّمط المغلق، لكن عدد الفوتونات المُصاحبة لكلّ نبضة كانت زيادتها لا تُذكر بين عامي 1970 و1985، يمكن أن تتم مضاعفة نبضات من مرتبة النانو جول إلى مستوى الميلي جول، أي ما يعادل زيادة في مرتبة الأسّ بمقدار ست مرات. وقد أعاقت الأضرار الحاصلة لمادة التضاعف والمكونات البصرية لليزر المزيد من التضاعف.

لتطويقِ هذه المُعضلة كان ينبغي زيادةُ قطر الحزمة ممّا يخفض الشدّة التي يعاني منها وسط التّضاعف ويمنع الضّرر الناجم، ونتج عن ذلك معدّات ليزر عالية الكثافة وكبيرة الحجم لا يمكن تحقيقها إلّا على صعيدٍ دوليّ، ناهيك عن أنّ هذه اللّيزرات الكبيرة تعمل عند معدّلات تكرار منخفضة -بضع طلقات كل يوم- لتمنح مادة التّضاعف الزّمنَ الكافي لتنخفض درجة حرارتِه بين الطلقات.

أتى السبق عام 1985 حين اخترعت دونا ستريكلاند وجيرارد مورو تقنيّة مضاعفة النّبضات السريعة chirped pulse amplification أو CPA للنبضات البصريذة.

تعمل تقنية CPA عبر ثلاثِ خطوات

الأولى: تتمدّد نبضة ليزريّة فائقة القصر عبر الزّمن لعدة مراتب أُسّية، ونتيجةً لذلك تتراجعُ ذروة الطّاقة خاصّتها.
الخطوة الثانية: تجري مضاعفتها بواسطةِ وسط اللّيزر دونَ إلحاق الأذى بها.
الخطوة الثّالثة : يتمّ ضغطها في نفس الوقت إلى مدّتها الأصلية، ما ينتج عنه ذروة طاقة عالية جدًّا.

وفي التطبيق الأساسيّ لعمل كل من مورو وستريكلاند، في الخطوة الأولى، اقترنت النّبضة القصيرة منخفضة الطّاقة (من مرتبة النانو جول) والصّادرة عن ليزر من النّمط المغلق Nd: YAG بأليافٍ بصريّة أحاديّة النّمط وتمدّدت ليصبح زمنها 300 بيكو ثانية. وسُرّعَت النّبضة خطيًّا عبر الألياف بواسطة تشتيت سرعةِ المجموعة وتعديل الطور ذاتيًّا وهو تأثيرٌ بصريّ غير خطيّ يثيرُ مؤشّر انكسار متغيّر، هذا وقد كان التّشتيت في الألياف إيجابيًّا، لذا فإنّ الجزء منخفض التردّد (الأحمر) من النّبضة انتشر بصورةٍ أسرع من الجزء عالي التردّد (الأزرق)، في الخطوة الثانية (الشكل 5) ضاعفت ستريكلاند مورو النّبضة السّريعة في مضاعف إعادة التّجدد Nd المصنوع من الزّجاج، وفي الخطوة النّهائية ضُغِطت النّبضة السّريعة بضاغط ِشعري مضاعف حتّى ال 2 بيكو ثانية وأصبحت النّبضة المضاعفة 1 ميللي جول.

قد يعجبك أيضًا

حدث التّطوير الأوّل لتقني CPA فورَ تقديم الأطروحة، وذلك حين استُبدلت الألياف المُستخدَمة لتمديد النّبضة بزوج من القضبان المُستخدمة للحيود، وتمّ توضيح تضاعف النّبضات من مستوى النانو جول حتّى مستوى الجول، حيث كان ازدياد الطّاقة مع كل نبضة يبلغ تسع مراتب أسّية تقريبًا، والتركيبة القياسية ل CPA مبينة في الشكل 5. كان اختراع تقنية CPA قد أفسح المجال لقفزةٍ عملاقة في مجال شدّة النّبضات البصريّة.

وقد شهدت الفترة الّتي تلت هذا الابتكار العديدَ من الأبحاث والتّطبيقات العمليّة المُهمًّة؛ كالتّرميز البصريّ CPA وغيرها، وجميعُها استُخدِمت للدّفع بهذه التّقنيّة نحو مستوياتٍ أفضل، أمّا بعدها فقد ظهرت التّقنية التي يُرمز لها اختصارًا T3 والّتي تصف اللّيزرات ذات الاستطاعة من مرتبة التيراواط المنضدية. وقد كانت القياسات النموذجيّة للأنظمة الزجاجيّة الأولى Nd 1 جول لكلّ نبضة، وزمن للنبضة يبلغ 1 بيكو ثانية. وقد تمّ الحصول على النّبضات الأقصر (مدتها أقل من 100 فيمتو ثانية) باستخدام ليزرات الياقوت Ti.

ولم تلبث بعدها أن ظهرت أنظمة ليزرات البيتّا واط، وقد تطلّب الأمرُ عقدًا كاملًا لتصبحَ حقيقة في مختبر لورنس ليفرمور الوطني.

التطبيقات:

أهمّ ما سينتج عن هذه التّقنية هو تطبيقاتها، إذ سيصبحُ من الممكن بناء أنظمة ليزر ذات نبضات فائقة القصر وعالية الطّاقة وصديقة للمُستخدِم، كما أنّها مناسبة للاستخدامات الطّبيّة والصّناعيّة، بالإضافة إلى الأبحاث الفيزيائيّة الأساسيّة، ومن خلال قدرتها الفائقة على الانتشار ستمهّد الطريقَ للعديدِ من الاستخدامات والتطبيقات.

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر1 مصدر 2 مصدر 3

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: أحمد محمد، نجوى بيطار

تدقيق لغوي: أمل مصري

الصورة: nobel prize

اترك تعليقا