تأخذك إلى أعماق الفكر

ميشيل أونفري: عدمية الحضارة الغربية والإسلام

واحد من أكثر فلاسفة ما بعد الحداثة المعاصرين إنتاجًا، الفرنسي «ميشيل أونفري».

يضع ميشيل أونفري تعريفًا للعدمية ينطلق منه في تأسيس أطروحاته، حيث إنه يرى العدمية بأنها: “عدم القدرة على ربط الماضي بالحاضر بالمستقبل“. ويقول أونفري إن الحضارة الغربية الآن تمر بحالة من العدمية الشديدة، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم قدرتها على ربط قيم الماضي المسيحي بالحاضر الذي تعيشه المجتمعات الغربية حاليًا، ويعبر أونفري عن ذلك بشكل ساخر، حيث يقول إنك في أوروبا بمجرد ما أن تذكر الأسس التي نشأت بسببها الحضارة الغربية يتم اتهامك مباشرة بالرجعية، ويقوم معارضوك بذكر شخصيات مثل ستالين وهتلر وغيرهم من قادة الأنظمة الفاشستية الأوروبية، واتهامك بأنك تحاول استحضار تلك العصور المظلمة في تاريخ أوروبا.

ويتنبأ أونفري بأفول عصر عولمة الحضارة الغربية من خلال ذهابه إلى أنها وصلت لمرحلة من الإعياء كافية أن تدفعها للزوال تمامًا، بل يرى أنها بدأت بالفعل في الزوال.

ويرجع أونفري في تنظيراته السبب الرئيسي لقيام أي حضارة إلى الروحانية، أو بالأحرى في التصديق في المتعالي والمفارق، الذي يتمثّل في الدين. حيث إن الفضل في قيام الحضارة الغربية يعود إلى الديانة المسيحية بحسب أونفري، بداية من وصول الإمبراطور قسطنطين إلى عرش الإمبراطورية الرومانية، حيث إن تلك كانت ذروة مرحلة ازدهار الحضارة الغربية كما يعلن أونفري، ومن بعدها بدأت مراحل الانحطاط، حينما بدأ العقل الأوروبي في التفكير أن الإيمان وحده ليس كافيًا، ولابد من وجود أسباب للإيمان، عندها بدأت الحضارة الأوروبية في فقدان روحها التي كانت محركها المتقد، وبعدها بدأت في الخمول تدريجيًا إلى أن وصلت إلى ذروة الانحطاط باندلاع الثورة الفرنسية وقتل الملك، الحدث الفارق في تاريخ أوروبا، الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب، الملك الذي كان يُمثّل الله على الأرض، فبحسب القديس بولس أن كل سلطة هي من عند الرب.

ويتسائل أونفري عن عدد المواطنين الغربيين الذين هم على استعداد أن يقدموا حياتهم في سبيل القيم الغربية، ويعود للإجابة على ذلك السؤال بالنفي القاطع، أي إنه ليس هنالك أي مواطن أوروبي على استعداد للموت في سبيل العدل والمساواة والإخاء إلى آخره من قيم الثورة الفرنسية التي تعد حجر الأساس في تكوين الحضارة الغربية الحديثة، ويستطرد أونفري حيث يقول إن الحضارات نشأت على الدماء، على الاستعداد للموت في سبيل قيم معينة، وإنه بمجرد أن تُخمد تلك الرغبة تبدأ الحضارة في المعاناة من سكرات الموت.

ويصل أونفري إلى حد القول بأن الحضارة الغربية وصلت إلى حدٍّ فقدت فيه فرصتها حتى في التعافي، وما علينا -كمواطنين غربيين- إلّا أن نشاهد زوال حضارة ألفَي عام ونبكي على أطلالها كما حدث مع الإغريق والفراعنة قديمًا.


إعلان

ويتابع أونفري، فيقول، إن أقرب بديل سيقوم بالانقضاض على أطلال الحضارة الغربية هو الحضارة الإسلامية. ويبدأ في تفنيد مقوماتها، فيشير إلى أنها تمتلك كل المقومات اللازمة لتحل محل الحضارة الغربية. أولًا، تمتلك عنصر العولمة، أي أنها أصبحت ديانة عالمية، وثانيًا أنها قائمة على فكر مفارق شديد الحيوية وهو الدين الإسلامي، وثالثًا، أهم عنصر تمتلكه الحضارة الإسلامية بحسب أونفري، وهو تلك الروح النيتشوية المتوهجة التي تتمثل في أبناء تلك الحضارة واستعدادهم للموت بمنتهى السهولة في سبيل قيمهم، والأمثلة كثيرة.

ثم في النهاية، ينفي ميشيل أونفري أي شعور بالندم على ما آلت إليه الأمور في الحضارة الأوروبية، وأن أطروحته لا تعد تباكيًا على الأطلال، حيث إنه فقط يقدم رؤية موضوعية للواقع بحسب ما رأى، وأن ما آلت إليه الأمور ما هو إلا نتيجة للصراع الديالكتيكي وحركة التاريخ المستمرة.

نرشح لك: بؤس الحضارة الغربية

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مايكل ماهر

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.