تأخذك إلى أعماق الفكر

مهنة الإعدام: حين يصبح قبض الأرواح وسيلة مشروعة لكسب الأرزاق

إنّ جُل المِهن التي نكره أن نعمل فيها، كُرْهنا لها ينبع إمّا من الضجر الذي تُسببه لنا، أو لأننا نشعُر بأن قدراتنا أعلى من متطلباتها المتواضعة جدًا لدرجة أنّها لا تستحق منّا الوقت الذي نمنحها إياه، أو ربما نبذل فيها جهدًا لا يتناسب مع العائِد الذي نجنيه منها وقد يدخل على الخط عنصرًا ثالثًا خارجي يتمثل في رب العمل الذي بمعاملته الفظة يشوّه أي قيمة أو معنى يمكن أن تضفيه علينا تلك الوظيفة. 

باختصار إننا في الغالب ننفر من مهنة أو وظيفة ما لأنها تتسبب لنا في أذىً نفسي بشكلٍ أو بآخر، إن هذا الأذى لا يتعدى عتبة أنفسنا، فهو بذلك أذىً قابلًا للمحو و المغفرة؛ لأنه صادر منا وإلينا، إن وظيفتك الحالية أو وظيفة كوابيسك مهما بلغت من سوء فهي تظلّ جنة أمام وظيفة يتعدى أذاها – أحياناـ عتبة نفس صاحبها و يتجاوزها ليتعدى أو يمس فيها نفسًا بشريّة أخرى،  يَمَس روحًا قد تكون بريئة أو على الأقل لنَقُل هو لا يعرف إن كانت بريئة أو ظالمة فهو عبدٌ مأمور،  روح لا مجال أن يطلب منها المغفرة إذا اكتشف لاحقًا أنّه أخطأ بحقها لأنه لم يؤذِها فحسب بل انتزعها من هذا الوجود بِرُمَّته.

مهنة القتل

الإعدام  هو مهنة سلب النفس البشرية، أو بمعنى أصح مهنة قتل الإنسان ولكن بطريقة مشروعة وفق ضوابط قانونية وشرعية ـ أحيانا- محددة. ولَه أشكال وصوَر عديدة منها  الرمي بالرصاص،الشنق ،الرجم بالحجارة، الصعق الكهربائي والضرب بالسيف، وأشهرهم اليوم الشنق والضرب بالسيف.  

عشماوي قاتل شرعي و أحيانًا “قاتل فحسب:

“أنا لما بنفّذ حكم الإعدام بأخذ على الراس ١٠٠ جنيه وببقى مروح لعيالي وأنا مبسوط وبشتري ليهم فاكهة ولحمة” هكذا صرّح حسين قرني الجلاد الأشهر في مصر أو “عشماوي” كما يلقبونه. تصريح كهذا يجعلنا ننسى كل الجدل الذي يحوم حول الإعدام كعقوبة، ويفتح لنا زاوية مختلفة ننظر من خلالها إلى الإعدام، ألا وهي امتهان الإعدام  كوسيلة لكسب الرزق. 

التحق عشماوي بمهنة “الإعدام” حُبًّا ورغبةً منه في ممارسة هذه المهنة. وهو يعزو حبّه واعتزازه بها بإيمانه بالله “بتقربني من ربنا أكتر ولأني بحس بقيمة الحياة” (1)  لكن ثمة تصريحات أخرى تكشف لنا وجهًا آخر لهذا الإيمان “أنا بفرح لما بعدم شخص”، وكقوله “أنا عاشق لتلك الوظيفة فهي فاتحة خير عليّا” (2).  لسنا بموضع تشكيك مصداقية  إيمانه أو تصريحاته هنا أو نقد لشخصه بعينه ولكن الحديث هنا يصب في صُلب الموضوع، وهو محاولة متواضعة في طرح بعض التساؤلات التي لا ننتظر من طرحها أيّة أجوبة أو تفسيرات بقدر ما نطمع من خلالها أن نُسلّط الضوء على جانبٍ من جوانب شخصية أشهر جلاد في مصر.

إعلان

أيُّ نفس بشرية سوية يُسعدها انتزاع نفس بشريّةٍ أخرى لا تعرف عنها أي شيء و لم  تمسّها بسوء (شخصيًّا)؟ أهي ساديّة؟ خلل في التكوين النفسي؟ خبث ولؤم؟ ما المصطلح المناسب الذي يمكن أن يصنّف حالة كهذه؟  

في إحدى المقابلات الصحفية التي أجراها عشماوي اعترف بأنه أعدم مُتهم وهو يعرف بأنّه بريء “أعدمت مظلوم بكيت جنب جثته بعد ما شنقته” وعندما صعد المحكوم عليه  إلى “طبلية الإعدام” قال بصوتٍ عالٍ”يارب” وقد هزّت هذه الكلمة أركان غرفة الإعدام بمن فيها”حسيت إنه مظلوم بس كان لازم أنفذ فيه” . ويروي عشماوي قصّة إعدام أخرى مشابهة، حيث حكم على متهمين في قضية تجارة مخدرات بالإعدام وبعد تنفيذه الحكم عليهم، نقضت محكمة النقض حكم الإعدام ولكن بعد فوات الأوان.(3)

لاشك أن هناك عشرات و ربما مئات الحالات المشابهة ممن أُعدموا ظلمًا وهنا يجرّنا الحديث لطرح سؤال هام: هل يتحوّل  “القاتل الشرعي” في بعض الأحيان إلى قاتل مع حذف الخبر ” شرعي”؟

ما مدى مشروعية مهنة الإعدام؟

لاشك أنّ الإعدام كعقوبة موضوع مُثير للجدل؛ انشطرت الآراء حوله بين مؤيد له كرادع صارم للظلم والفساد ومنتقد له لأسباب مختلفة منها أنه عقوبة الخطأ فيها لا يغتفر ولا رجعة فيه، كما أنّ للعقوبة مآرب سياسية – حسب رأي منتقديها – فبعض الدول كإيران مثلا  تستخدمها كأداة لردع معارضيها  السياسيين، كما أنّ عقوبة الإعدام تعد انتهاك  صارخ لحقوق الإنسان بحسب تعبير منظمة العفو الدولية وغيرها من الأسباب الأخرى التي لسنا بصدد الإسهاب فيها هنا ؛ فنحن هنا نسلّط الضوء على الإعدام كمهنة يمتهنها إنسان بحق إنسانٍ آخر.(4)

بعيدًا عن عدالة الدولة و الدين، وقريبًا  قليلًا من عدالة النفس البشرية وقوانينها الخاصة، الإعدام مهنة يجني منها صاحبها قُوت يومه  لحصده عددًا من الأرواح البشريّة، إن مأكله ومشربه وملبسه يتوقّف على كَمّ الأرواح التي يزهقها من أجساد أصحابها. يقول أحد منفذي الإعدام بعد أن استقال من مهنة الإعدام “أكبر خطأ فعلته وأندم عليه هو حين قررت أن أكون من منفذي الإعدام، الحياة قصيرة جدًا وليس لدينا سوى 24 ساعة في اليوم الأمر لا يستحق أن ننهي حياة شخص بأنفسنا لأن الموت آتٍ لا محالة”. (5)

إنّ منفذ عقوبة الإعدام لا يملك أدنى يقين عن حقيقة تلك الأحكام التي يُنفذها و هل هي عادلة فعلًا أم مُسيَّسة؟ لا يعلم ما إذا كانت  الروح التي بين يديه، بريئة أو متهمة، مظلومة أم ظالمة، لا يعرف حتى أيّ  شيء عن المحكوم عليه نفسه، إن لحظة تعارفهم تبدأ وتنتهي في غرفة الإعدام.  

الخاتمة:

يقال “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، ربما فهم البعض هذه المقولة حرفيًّا وطبقها في حياته وأصدر نُسخته الخاصة للمقولة: قطع الأعناق باب لكسب الأرزاق.

إن كان ولابد من عقوبة الإعدام ولا سبيل لردع المجرم سواها، فأضعف الإيمان على الأقل أن يترفع الإنسان عن تأديتها احتراما لإنسانيته فليخترعوا أي شيء، أي أداة  لا تملك مشاعر حتى لا تعيش تحت وطأة الشعور بالذنب إذا عرفت في اليوم التالي أن الشخص الذي أعدمته بريء، أداة بلا وجه وعينان حتى لا تحفظا ملامح وجه المقتول في الذاكرة فيطاردها شبحه في الليل، أداة لا تملك يدين حتى لا تتلوثان بدم إنسان مظلوم، أداة لا تنام حتى لا تُصاب في كل ليلة إعدام بالسُهاد والأرق المزمنَين، وأداة لا تأكل ولا تشرب حتى لا يكون مصدر قوت يومها حبل مشنقة ورأس بني آدم. 

المصادر:

(1) https://www.masrawy.com/news/news_cases/details/2015/5/25/587332/حكايات-عشماوي-مع-حبل-المشنقة-أغرب-10-مواقف-من-غرفة-الإعدام  

https://www.maghress.com/telexpresse/33676 (2)

(3) المصدر الأول 

https://www.amnesty.org/ar/what-we-do/death-penalty/  (4) 

(5) https://www.ts3a.com/منفذي-الإعدام/ 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.