تأخذك إلى أعماق الفكر

مناهضة العدمية لدى كوبريك وهانيكي

هل أفلام كل من ستانلي كوبريك ومايكل هانيكي راسخة في العدمية ؟ كيفن لستوير ينظر لكلا المخرجين السينمائيين من خلال عدسة فريدريك نيتشه الفلسفية، يوضح كم أسأنا فهم هذين المخرجين العظيمين، إذ لم نكن نعترف برفضهم للوجود السلبي للعدمية.

اثنان من أعظم صناع الأفلام، ستانلي كوبريك ومايكل هانيكي، يشتركان في الاهتمام بالروايات التي تركز على موضوعات الانفصال العاطفي، انعدام الانسانية، القلق، الحرية المحبطة، العنف. إني أزعم أن الرؤية الفلسفية المشتركة التي تقوم عليها الأعمال الرئيسية لـكوبريك وهانيكي تتبع المسار الفكري الذي بدأه فريدريك نيتشه. كتابات نيتشه حول مشكلة العدمية تقترح أن هنالك نوعين من التوجه الوجودي، كلاهما بسبب فقدان الإيمان بالقيم والتقاليد والمؤسسات التقليدية. الشكل الأول حول رفض الحياة، والشكل الآخر يؤدي لإضفاء صفة التأكيد الذاتي الفردي وبالتالي يمثل الأخير وسيلةً للخروج من العدمية بشكل عام. بينما يقوم البعض بتصنيف كوبريك وهانيكي بـ”عدميين سينمائيين”، من حيث أنهم يعودون مرة تلو الأخرى لمثل هذه المواضيع، إن أطروحتي الخاصة بهذين المخرجين هي أنهم في الواقع مناهضون للعدمية من حيث الدروس التي يعتزمون أن يأخذها المشاهدون من أفلامهم. إن أعمالهم تعبر عن رفض مشترك للتوجه غير الفاعل السلبي الذي ارتبط بشكلٍ تقليدي مع مصطلح “العدمية”.

اثنتان من أشكال العدمية لدى نيتـشه:

نظر نيتشه إلى العدمية بأنها المشكلة الروحية والأخلاقية الأساسية في العصر الحديث –ولكنها مشكلة ضرورية، بالنظر إلى تطور التقاليد الأفلاطونية المسيحية. أَتْبَعَ هذا التقليد النتائج المنطقية للمثالية العقلانية وخلص إلى نوع من الشكوك المَرَضِيَّةٍ. في مقطع من بداية الكتاب الأول “العدمية الأوربية” في المجلد المعنون الإرادة إلى السلطة -المجموعة المعدلة بعد وفاته من كتاباته السابقة التي لم يتم نشرها-، يقوم نيتشه بتعريف العدمية على النحو التالي: “ماذا تعني العدمية؟” إن القيم العليا تخفض من قيمتها. الهدف مفقود، “لماذا لا يجد إجابة لذلك؟[1] كما أنه يخبرنا في مقطعٍ آخر من كتاب لاحق عن ذات المجموعة: “العدمي هو رجل يقوم بالحكم على العالم كما هو، والذي لا يجب أن يكون عليه، وعن العالم الذي يجب أن يكون، والذي هو غير موجود من الأساس. طبقًا لوجهة النظر هذه، فإن وجودنا في (الفعل، المعاناة، الرغبة، الشعور) لامعنى له. فالرثاء “باطلًا” هو رثاء العدميين -في ذات الوقت-، كما هو الرثاء، فإنه عدم تناسق من جانب العدميين.”[2]

       “العدمي هو رجل يقوم بالحكم على العالم كما هو والذي لا يجب أن يكون عليه، وعن العالم الذي يجب أن يكون والذي هو غير موجود من الأساس”.

فريدريك نيتشه:

بمجرد أن نبدأ بالتشكيك بالهياكل الضمنية لوجودنا الشخصي والجماعي، فإننا نبدأ بتقويض تلك الخيوط ذاتها التي يبدو أنها تمسك حياتنا معًا. كما يخبرنا نيتشه في مقطعه غير المنشور”باتجاه الملخص”: “أن الشكوك المتعلقة بالأخلاق هي التي تبدو حاسمة. إن نهاية التفسير الأخلاقي للعالم، الذي لم يعد له أية عقوبة بعد محاولته الهروب إلى ماهو أبعد من ذلك، يؤدي إلى العدمية.  “كل شيء يفتقد إلى المعنى”.[3] وكتاباته عن العدمية تولِّد بالتأكيد تشاؤمًا مبدئيًا حول التدهور وسقوط الحضارة الغربية، مثلما نرى ذلك في الجزء “النبوي” في مقدمة الكتاب الأول لإرادة القوة: “الآن ولبعض الوقت، كانت حضارتنا الأوربية تسير بأكملها نحو الكارثة، بقلق مُعذِبٍ ينمو من عقد إلى آخر: قلِق، عنيف، متهور، مثل نهر يريد أن يصل إلى النهاية، غير قادر على التأثير، بل إنه خائف من التأثير”. [4] لكن بالرغم من النبرة الداكنة لحكم من هذا القبـيل، فإنه من الواضح أن نيتشه يعمد إلى التشديد على مخاطر العدمية على أمل أن يجد بعض الأفراد المختارين القوة لتجاوز هذه المشكلة. في المقطع التالي لهذا، يصف نيتشه نفسه بأنه “العدمي المثالي لأوروبا كونه -مع ذلك- قد عاش حتى الآن خلال العدمية بالكامل، إلى النهاية، تاركًا أياها خلفه، خارج نفسه”. [5]

إعلان

ولدت العدمية بشكل عام من شعور السخط الذي يشمل فقدان الإيمان في قيم عليا معينة غير مشروطة (الله، فكرة الصلاح، الحقيقة المطلقة، وما إلى ذلك)، إذ تؤدي هذه العوامل إلى شعورٍ أعمق بالسخط تجاه ماهو غير مثالي (أي، العالم الدنيوي جنبًا إلى جنب مع عرضية وقدرة الوجود الإنساني). [6] لكن أساس تدريس نيتشه هو أن العدمية يمكن النظر إليها بصورة إيجابية -باعتبارها المناسبة الضرورية لبزوغ نوع جديد من الفردية الذاتية والتي مع ذلك تقبل حدودها ووقتيتها. يجب التخلص من القيم القديمة والتي أصبحت راكدة وتنبذ الحياة أو السمح لها بالاختفاء (كما وصفها نيتـشه ب “غسق الأصنام”) من أجل الصعود بقيم جديدة حديثة والتي تصف اتجاهاتنا الحالية ورغباتنا، وهي القيم حديثة النشئة، والمليئة بالحيوية عوضًا عن التحجر. يطلق نيتـشه على هذا التحول بأنه “تقييم للقيم”.

“لكن أساس تدريس نيتـشه هو أن العدمية يمكن النظر إليها بصورة إيجابية -باعتبارها المناسبة الضرورية لبزوغ نوع جديد من الفردية الذاتية والتي مع ذلك تقبل حدودها ووقتيتها”.

وهكذا بينما تعبر العدمية بشكل عام عن خسارة أساسية في القناعة بالقيم المألوفة والتقليدية، فإن نيتـشه يرسم أيضًا تمييزًا واضحًا بين المفاهيم السلبية والايجابية للعدمية. يخبرنا أن العدمية السلبية أو غير الفاعلة “غير المكتملة”، “الباثولوجية” هي على ما يبدو رفض لقيم ومؤسسات ثابتة من دون الحماسة الذاتية المؤكدة التي تسمح للمرء يأن يصبح شخصًا مبدعًا. إن العدمية السلبية التي يُعبر عنها بشكل أكثر فطنة بفلسفة نيتـشه، هو المعلم آرثر شوبنهاور، إذ يصفها بأنها توجه وجودي يولد من السخط تجاه قيمة الحياة ذاتها. من ناحية أخرى، العدمية الفعالة أو الإيجابية “الكاملة”، “الصحيحة” هي المباشرة في التحول إلى فرد خلاق بينما ترتفع عاليًا مجرد نفي للحياة، وخصوصًا في مواجهة الأزمات الأخلاقية والروحية. [7] كما يخبرنا نيتـشه في مقطع آخر من كتاباته غير المنشورة: “العدمية. هي غموض: أ. العدمية كعلامة للقوى المتزايدة للروح. ب. العدمية كهبوط وانحسار لقوى الروح: “والتي يطلق عليها العدمية السلبية.”[8] في مقطع لاحقٍ من إرادة القوة يبين فيه ازدواجية في اللعب هنا إذ يقول:

“العدمية كظاهرة طبيعية يمكن أن تكون أحد أعراض زيادة القوة أو على النقيض زيادة الضعف”. [9] العدمية في حالة “أعراض زيادة القوة” هي في الواقع، طريق خروج من العدمية بشكل عام؛ نظرًا لأنها تؤكد قيمة الفرد، حتى عندما تتفكك كل القناعات الأخرى.

وهكذا عندما نتحدث عن العدمية، يجب أن نميز فيما لو كنا نتحدث عن العدمية بشكل عام (كانهيار عام للإيمان بالمثل العليا الخادعة والقيم التقليدية) أو لشكل معين من العدمية (أي، كرد فعلٍ نشيط أو سلبي إلى حالة فقدان الإدانة). تقادمًا، سوف نرى أن الأعمال السينمائية لكل من كوبريك وهانيكي تمثل وعيًا عميقًا ورفضًا مطلقًا لنوع العدمية المرضية والتي كافحها نيتشه في كتاباته. إلى ذلك ومن أجل جلب جمهورهم إلى اعتراف مناسب وتجاوز محتمل لمثل هذا الشكل من أشكال إنكار الحياة، فسيتوجب على هذين المخرجين تقديم الأعراض وعواقب المشكلة بأمانة راسخة. يخلق كل من كوبريك وهانيكي شخصيات تتميز بكونها قطبية خاملة وغير أصيلة مما يؤدي بأبطال هذه الشخصيات إلى الخوف، اليأس، وحتى أيضًا إلى التدمير الذاتي. هذين المخرجين هم فنانين تقنيين بارعين إذ لا تمثل أعمالهم مجرد عروض مشاهدة بصرية، لكن أيضًا قصص مشبعة بقلقٍ عميق من الحالة الإنسانية.

كوبريك:

بالنظر إلى تعليقات كوبريك في مقابلاتٍ نادرة لكن صريحة خلال مسيرته، سيكون من المنصف القول أنه يسكن في الظروف غير المعقولة للثقافة المعاصرة بغية الإشارة إلى ماوراء هذه الظروف، بروح العدمي النشط لدى نيتشه -الشخص الذي قام برفض التقاليد والقيم التي ترتبط بشخصية من نوع العبد الملتزم، لكن الشخص الذي يمتلك أيضًا الحماسة للمضي قدمًا ويصبح “سيدًا” مؤكدًا لذاته. بطريقة جدلية جيدة، وتابعًا لقيادة نيتشه بشكل مطلق، يقـوم كوبريك بتسليط الضوء على السلبية من أجل الإشارة إلى قدرتنا الإيجابية على بناء الذات، وهي قدرة غالبًا ما يتم قمعها، وخصوصًا بينما تكون القوى غير الشخصية الجماعية هي السائدة.

أفلامه كانت عادة تتميز بنوع من الانفصال العاطفي، بالإضافة إلى الارتباط الفكري، كانت دائمًا رؤى فردية لأشخاص أو عوالم ذهبت باتجاه خاطئ. تميل أفلامه إلى إثارة أعصاب المشاهد وذلك عبر إيصال خليط من أبعاد التخدير، الخوف، القلق والمحاكاة المزعجة. غالبًا ما تجد شخصيات كوبريك نفسها عالقة داخل مناظر طبيعية كثيبة للمؤسسات والقيم المنهارة. تم أخبار كوبريك من قبل محاور في مجلة بلاي بوي في العام 1968، عندما كان يناقش فيلمه المنتج حديثا 2001: أوديسا الفضاء (1968)، تم أخباره أن بعض النقاد “لم يكتشفوا تشاؤمًا عميقًا فحسب، بل نوعًا من البغض لكل ماهو بشري” في أعماله.

كان هذا هو الحال على وجه الخصوص بالنسبة للمحاور، عندما يتم النظر إلى أسلوبه “المتحفظ بفضول والمنفصل” كما في فيلمه دكتور سترينجلوف: أو كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة (1964). يجيب كوبريك:

أنك لاتتوقف عن القلق بشأن مصير الرجل لأنك تدرك بشكلٍ أساسي سخافته وهشاشته وذرائعه. بالنسبة لي الفجور الوحيد الحقيقي هو الذي يُعرض المخلوقات للخطر؛ وأن الشر الوحيد المطلق، هو الذي يهدد بالإبادة. بإحساس عميق، أعتقد بإمكانية الرجل وقدرته على التقدم. في فيلم سترينجلوف، كنت أتعامل مع لا عقلانية متأصلة في رجل كان يهدد بتدمير نفسه؛ هذه اللاعقلانية هي معنا بقوة اليوم، ويجب أن يتم غزوها. لكن الاعتراف بالجنون لايقتضي الاحتفال به -ولا إحساس باليأس ولاجدوى من إمكانية معالجة ذلك. [10]

العديد من أفلام كوبريك، شأنها في ذلك شأن العديد من كتابات نيتشه، تحاول أن تبين لنا أن اعتمادنا على سلطة واتفاقيات “الجماعة” ليست فقط هشة لكنها تعمي أيضًا على مخاطر العدمية السلبية. إن عقلنا الضخم (ما أطلق عليه نيتشه “عقلية القطيع” أو “أخلاقيات العبد”) غالبا ما يخلق الوهم بالأمن والثبات حيث لايوجد أي شيء من ذلك في الواقع -على الأقل ليس بشكل ثابت، وأقل ديمومة بكثير، أساسًا. إن المؤسسات والاتفاقيات والتقاليد توفر إحساسًا خاطئًا بالثبات أو الركود. وهي تقنعنا أحيانا بتأجيل (بعواقب وخيمة أحيانا) الحاجة الحتمية لإدراك إمكاناتنا الشخصية في مواجهة الحالات الطارئة التي تشكل حياتنا اليومية. [11]

لقد أظهر كوبريك جليا هذه المخاوف منذ بداية حياته المهنية، أولا وقبل كل شيْ من خلال اختياراته لمشاريعه الفنية. العناوين والحبكات الدرامية والأمزجة لتجاربه السينمائية الثلاثة الأولى- خوف ورغبة (1953)، قبلة قاتل (1955)، القتل (1956) – أعطت هذه الأفلام انطباعًا عن اكتشافاته اللاحقة للجانب المظلم من الطبيعة البشرية. في لوليتا (1962) المقتبس من فلاديمير نابوكوف عن روايته ذاتها، كان موضوع اللقاء النفسي للفرد مع شخصيته أو شخصيتها الفوضوية والطبيعة الغريزية جليًا من خلال صورة التفكك الأخلاقي لدى همبرت همبرت (لعب دوره في الفيلم الممثل جيمس مايسون). خيوط واضحة للعدمية محبوكة على طول فيلم كوبريك  دكتور سترينجلوف. في هذه الكوميديا السوداء البارعة، المستندة على كتاب بيتر جورج ” تحذير أحمر”، نشهد انهيارًا للقيم المؤسساتية وتنامي التدمير بيننا ككائنات بشرية إذ يلوح شبح الدمار الذاتي المروع في الأفق القاتم. والرؤية الكونية المتمثلة في النجم الطفل في نهاية فيلم كوبريك 2001 يستدعي ضعفنا الطفولي في مواجهة كون لامتناهي ولامبالي، من دون وجود نمط جلي يتم تقديمه معيارًا للوضوح. كتلة العمل الضخمة غامضة وباردة ومشهد “بوابة النجم” يبدو أكثر تشكيلًا من مجرد إنارته. إن إيمان الإنسانية بالعقلانية أسفر عن وجود تكنولوجيا عدوانية وتخريبية – تمثلت بهال، نظام تحكم المركبة الفضائية المتعمد بعدوانيته. كما قال كوبريك بنفسه ذات مرة: “إذا جلس رجل ذات مرة وقام بالتفكير حول نهايته الوشيكة، وتفاهته المرعبة ووحدته في الكون، فإنه بكل تأكيد سيصاب بالجنون أو يستسلم لشعور مخدر من العبث. لماذا، ربما سيسأل نفسه ذلك، هل سيكلف نفسه عناء كتابة سيمفونية رائعة، أو يكافح من أجل كسب العيش، أو حتى حب شخص آخر، عندما لا يكون أكثر من مجرد ميكروب لحظي في ذرة غبار تدور حول مساحة ضخمة غير معقولة؟”. [12] مع ذلك، للإجابة على هذا السؤال، فإن هيكل العمل لدى كوبريك يخلق رسالة لاتختلف عن تلك التي صاغها نيتشه قبل قرن من الزمن.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: أحمد حكمت

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.