تأخذك إلى أعماق الفكر

مفارقة “مينو”: التعلّم مستحيل.

” مينو ” الذي سيخيفك: مرّة، عندما رجع بك الزّمن إلى أثينا اليونان الكلاسيكيّة، أي إلى ما قبل الميلاد بمئات السنين، التقيتَ بشخصيّة غريبة من شخصيّات الحوار السّقراطي الذي كتبه أفلاطون ، هو ” مينو “. ولأنّك مسالم بطبعك، أوّل ما رأيته بادرتَ بقول “مرحبا”… إلا أنّ مينو تجاهل هذا وقال لحضرتك بلهجة حازمة:

لا يمكننا أن نتعلّم أيّ شيء جديد مطلقًا!

أنت (بتعجّب): كيف لك يا ” مينو ” أن تقول هذا؟

وبما أنّه واثق جدًّا وصارم نوعًا ما، فإنّه سيردّ عليك بالتالي:

أنت لن تبحث عمّا تعلمه، ولن تستطيع أن تبحث عمّا لا تعلم.

إعلان

ولكنّك ستحتاج توضيحًا أكثر، و مينو لن يخذلك وسيتابع قوله:

هناك احتمالان: إمّا أنّك تعلم ما تبحث عنه، أو أنّك لا تعلم ما تبحث عنه، وليس هناك احتمال ثالث يقول بأنّك تعلم ولا تعلم،

  1. فإذا كنت تعلم ما تبحث عنه، فأنت لن تسأل عنه! ولماذا تفعل؟ فأنت تعلم!
  2. وإذا كنت لا تعلم ما تبحث عنه، فإنّك لن تسأل عنه أيضًا! وكيف تسأل؟ فأنت لا تعلم عمّ ستسأل!

وبما أنّك في الحالين لن تسأل، فإذًا أنت لن تتعلّم شيئًا جديدًا مطلقًا.

حينها، بدت لك المقدّمتين (1 و2) كلاهما صحيحتين.

بدا كلّ شيء مقنعًا بالنّسبة لك، فأنت أعدتَ الكلام كلّه في رأسك ونظرتَ فيه مرّات عديدة إلا أنّك وجدته صحيحًا تمامًا! وأفزعك هذا بشدّة، وشككت بنفسك وبكلّ ما تعيشه: إذا كان تعلّم الجديد أمرًا مستحيلًا فما صحّة أنّك تعيش الآن في عصر العلم والتكنولوجيا وأنّك تعيش فخورًا متباهيًا وسط هذا الانفجار المعرفيّ؟ هل يعقل أنّ الوجود كلّه مبنيّ على كذبة؟

والآن، على رسلك، لا يمكنك إنكار كلّ هذا العلم الذي ارتقى بالإنسانيّة، ولا يمكنك إغلاق المدراس وتمزيق الكتب ورفع شعار ” مينو ” في وجه العالم.

وبنفس الوقت، لا يمكنك القول بأنّ المقدّمتين اللتين طرحهما ” مينو ” (1 و2) كانتا خاطئتين أو أنّ إحداهما خاطئة.

أنت في مشكلة، وستبدأ تتناقض مع نفسك.

ولكنّني سأخبرك بسرّ الخدعة، أنت (مثلي) وقعت في فخّ الالتباس.

“مينو” يتلاعب بالكلمات ويستخدم لغة غامضة حين يقول “تعلم/ لا تعلم ما تبحث عنه”، إذ أنّك يجب أن تسأل نفسك عن معنى هذه الجملة. ففي فهمك لها تكمن المشكلة.

 

ما معنى “أن تعلم/ لا تعلم ما تبحث عنه”؟

سنأخذ مثالًا توضيحيًّا قبل أن نعود إلى المقدّمتين (1 و2)

ملاحظة: قد يبدو المثال مضحكًا وقد تبدو نتائجه بديهيّة إلى حدّ مستفزّ، إلا أنّه ضروريّ جدًّا ويبني منطقًا لما بعده.

افترض أنّك تريد الذّهاب إلى حفلة عيد ميلاد، ولكنّك لا تعلم متى تبدأ الحفلة. ليس هذا فقط، بل إنّك لا تعلم أحدًا يعلم متى تبدأ الحفلة لتسأله. لذلك فإنّك تسأل صديقك “سامي” الذي لا يعلم متى تبدأ الحفلة ولكنّه يعلم أنّ “ماري” تعلم الموعد. يخبرك سامي أنّ ماري تعلم متى تبدأ الحفلة. وبالتالي أنت الآن تمتلك هذه المعلومة: ماري تعلم متى تبدأ الحفلة.

وبهذا:

  • أنت تعلم عن الأمر الذي تعلمه ماري.
  • ما تعلمه ماري هو أنّ الحفلة تبدأ على الساعة التاسعة.
  • إذًا، ما تعلمه ماري= الحفلة تبدأ على الساعة التاسعة.
  • الآن، أنت تعلم أنّ الحفلة تبدأ على الساعة التاسعة.

وبتحليل ما سبق:

في الجملة الأولى: “ما تعلمه ماري” تعني “السؤال الذي يمكن لماري أن تجيب عنه”

أمّا في الجملتين الثانية والثالثة: “ما تعلمه ماري” تعني “الإجابة التي تستطيع ماري تقديمها لك”.

 

الآن نكون قد عرفنا مكان الالتباس ، فجملة “تعلم/ لا تعلم ما تبحث عنه” تحتمل واحد من المعنيين التاليين:

  (أ) السؤال الذي تريد له إجابة

  (ب) الإجابة على سؤالك

 

وبالعودة إلى قضيّتنا، فإنّ استخدام المعنى (أ) سيعني أنّ المقدّمة (2) صحيحة ولكنّ المقدمة (1) خاطئة. أمّا باستخدام المعنى (ب) فستكون المقدّمة (1) صحيحة أمّا المقدمة (2) فخاطئة. ومن هنا، فإنّ المقدّمتين لا تكونان صحيحتين بنفس الوقت… وإنّ هناك احتمال ثالث يقول بأنّك تعلم ولا تعلم…

وبكلمات أخرى: إذا سألت نفسك: هل يمكنني أن أعلم شيئًا لا أعلمه؟ فستكون هناك إجابتين:

الأولى: كلّا، أنت لا تستطيع أن تعلم شيئًا ولا تعلمه.

الثانية: نعم، أنت تستطيع أن تعلم الأسئلة التي لا تعلم إجاباتها.

 

وانطلاقًا من الإجابة الثانية، لا داعي للقلق بشأن التعلّم، فأنت تستطيع أن تسأل وبالتالي تستطيع أن تبحث عن الإجابة وأن تتعلّم!

” مينو ” مخادع حتمًا، والدّليل أنّك تعلّمت شيئًا جديدًا عندما قرأت هذا المقال. بل والمضحك، أنّه هو نفسه كان يعلّمك شيئًا جديدًا عندما كان يشرح لك وجهة نظره 🙂

 

مصادر:

Meno’s Paradox

The 5-Hour Rule Is Used By The World’s Most Successful People

كتاب pdf

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

العقلانية والدين عند كانط

إميل دوركهايم والتأسيس السوسيولوجي للحداثة

هل يمكن أن يتحدث العالم بلغة واحدة؟

قيامة العبرية وجنّة بني صهيون

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.