تأخذك إلى أعماق الفكر

معنى أن تكون مسنًا!

هل نستطيع حقًا وضع أنفسنا مكان المسنين والشعور بتجربة تقدم العمر؟

لقد شهدت طوال حوالي عقدين كاملين معاناة المرضى وهم يصفون الحياة في جسمٍ خذلهم وأصيب بالضعف. لقد سمعت منهم الكثير عن تأثير الجلطات -حيث يمتنع الجسم عن الحركة ويرفض فعل ما يمليه عليه العقل- ومرض الروماتيزم (التهاب المفاصل) والذي يُنتج ألمًا عن كل حركة يقوم بها المريض، سمعت خوفهم المشؤوم من التعرض لأمراض القلب واحتمالية حدوث نوبات قلبية لهم. فهل من يجد حلًا لهم يومًا ما؟ سمعت أيضًا قصصًا كثيرة غريبة ومؤلمة عن أمراض المناعة الذاتية والتي تجتاح جسم الإنسان دون سبب مسبق.

أغلب أولئك المرضى يسألون السؤال المؤلم ذاته “لماذا لا يعمل جسمي- وهو ملكي- لماذا يصر على نهشي ومهاجمتي؟”

خلال تلك السنوات الطوال التي عرفت فيها العديد من قصص المرضى، أصبحت أفتخر بنفسي كوني مستمعًا جيدًا وكاتمًا لسر المريض وتخيلتُ معنى أن أملك جسمًا محدودًا مقيد الوظائف! أدركت كيف يشعرني ذلك جيدًا!

لكنني مؤخرًا أيقنت أني ما زلت لا أفهم ذاك الشعور تمامًا حين أصبحت أتعامل مع المرضى المسنين كما تطَلب أحد المساقات منا ونحن في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو University of California, San Francisco، فقد قمت وزملائي بالعديد التجارب لتمثيل مجموعة من الأمراض.

إعلان

ثم حدث ما يلي:

في البداية، طُلب منا وضع سدادات أذن في آذاننا بالإضافة لوضع حبوب الذرة في أحذيتنا، ثم افتُرض بنا أن نتخيل أننا صم وبأن معنا اعتلال في أعصاب الأقدام. إن كنت من الأشخاص الواقعيين فلن تفكر أبدًا بوضع بذور الذرة في حذائك؛ فكم هو مؤلم وعسير أن تسير بهذه البذور, وكانت هذه البداية فقط!

ثم باشرنا بتجربة التنقل، فعلى الرغم من أننا لم نكن قادرين على السماع والمشي جيدًا، طُلب منا ارتداء قفازات تقوم بمحاكاة (تمثيل) اعتلال عصبي في اليدين (تنميل وخدران) وأيضًا لف أربطة حول كواحلنا لنتمكن من تقليد المشي الواهن Impaired Walking، بعدها طُلب منا ارتداء نظارات تمثل مختلف أنواع الاعتلالات البصرية الناتجة عن التقدم في السن أو الأمراض وكانت نظاراتي هي الأصلح مقارنة بنظارات زملائي، فقد واجهت بنظاراتي فقدان الرؤية المحيطية Loss of Peripheral Vision (قد تنتج بسبب وجود ماء زرقاء في العين) وهي أحد مشاكل التقدم في السن والعيون المرهقة.

أخبرت نفسي أنني سأتغلب على هذا كله.

ثم قام المشرفون بتزويدي بعصًا وطلبوا مني أن أسير في القاعة والتي كانت مساحتها تقريبا مئة قدم وأنا أتظاهر بأنني مسن فاقد السمع والبصر ولدي اعتلال في الحركة وخدران في يداي وألم في أقدامي. لم أكن متأكدًا أني سأتمكن من إكمال المسير، ولوهلة أدركت بأن هذا التمرين ليس عبارة عن لعبة وشعرت بالهلع ولم أستطع تمييز من كان يقف يجانبي بسبب فقدان الرؤية المحيطية Loss of Peripheral Vision وبدأ الشك يراودني حيال هذا الأمر. وبينما كنت أمشي، كانت بجانبي امرأة لطيفة (وكانت في الحقيقة تعمل في العلاج الطبيعي) وكانت مستعدة لمساعدتي إذا احتجت المساعدة. لم أكن أريد مساعدة من أحد، أردت أن يساعدني جسمي الذي كان مقيدًا منعزلًا ووحيدًا. ومع أني كنت واعيًا بأن هذه مجرد تجربة وحسب، إلا أنني شعرت على نحو غريب بأني ناقم على رفيقي الذي كان يمتلك جسمًا أكثر سلامة من جسمي.

في تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أفهمه قط في حياتي، وفكرت بأنني أفضل قتل نفسي على العيش بهذه الطريقة، وشعرت أنني أقدر ميول مرضاي السابقين من كبيري السن حول تفكيرهم بالانتحار وتوصلت إلى أنني لا أملك أدنى برهان عما يشعر به هؤلاء المرضى.

نعم, ما زلت أجهل هذا الشعور لحد كبير.

تبدو فكرة التقدم في السن مروعة لعدة أسباب منها: أن البعض يرفض فكرة أن يكون عالة واعتماديًا والبعض يريد أن يبقى نشطًا كما لو أنه ابن عشرين عامًا. إن الشعور بالألم وضعف الإحساس بالنسبة لي يعني أن تسلب كل أشيائي مني كالتواصل مع الناس الذين أحبهم والشعور بأهميتي كوني مستقلًا بذاتي.

يشكل الانتحار -الذي نجهل بعضًا من أسبابه- بين المرضى وكبيري السن معضلة جسيمة حقيقية. ومن خلال تجربتي الصفية لتقليدهم وربما لربطها بانطباعاتي عن التقدم في السن، فإن عدد حالات الانتحاربين من هم في سن الشيخوخة في تزايد مستمر. لذا يتحتم علينا أن نحذر حق الحذر ونعي ماذا تعني هذه النزعة الشائعة بين المرضى ويجب أن نبتكر طرقًا تساعدنا في رعايتهم على أكمل وجه.

نعيش اليوم في ثقافة مهووس أفرادها بمن سيحتفي بنصر التشبث بحياة أطول وكأن الحياة تقول ” كن سعيدًا، فقد تعمر ل 100 سنة”، لكن المؤسف أن العيش لمئة سنة قد يشمل شقاءً باطنًا وظاهرًا والحياة الطويلة نادرًا ما تضمن العيش دون عجز أو قصور أو ألم؛  لذا يجب علينا –اليوم أكثر من أي وقت مضى- أن نقدم كامل دعمنا للمسنين  الذين يشكلون حدًا جديدًا في تجربة التعمير الواسعة وزيادة العمر الافتراضي.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: رؤى ريّان

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.