تأخذك إلى أعماق الفكر

مداواة الآلام: لمحة تاريخية عن الألم منذ القرن السابع عشر إلى الآن

في الجزء السابق، سردنا أبرز المحطات في تاريخ الألم منذ العصور الغابرة وحتى القرن السادس عشر، وفي هذا المقال سنناقش أبرز النظريّات الحديثة عن الألم و علاجه، من القرن السابع عشر وحتى اليوم.

القرنين السابع والثامن عشر

في القرن السابع عشر، عفا الزمن على المفاهيم القديمة عن الروح والجسد. وظهرت الحاجة إلى نظريات جديدة تستند إلى اكتشافات في العلوم الطبيعية والطب والفيزياء. وبدأ الأطباء في اعتبار جسم الإنسان آلة ذات أجزاء مختلفة في حركة مستمرة.

في كتابه “الإنسان De homine“. اقترح الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650) أحد أقدم مفاهيم الفيزيولوجيا الحديثة: إن الحركة أو اللمسة التي تبدأ في النهايات العصبية الطرفية يتم بثها إلى الدماغ، ومن ثم تُصدر صورة للمحفّز في الروح. وشبه ديكارت المحفز وطريقه إلى الدماغ بحبل في آخره جرس. فعندما يُسحَب طرف الحبل يرن الجرس المربوط في آخره مباشرة. ووصف ديكارت المسار العصبي برسمته الشهيرة، التي تصور ولدًا تستشعر قدمه حرارة النار (الشكل 1). شكل هذا المفهوم المبكر لانتقال الألم أساسًا لمزيد من التعديلات على نظريات الألم في القرن التاسع عشر.

الشكل 1 رينيه ديكارت: الإنسان.

ومن الجدير بالذكر كيف حاول ديكارت شرح ظاهرة ألم الأطراف الوهمية في حالة امرأة شابة بعد بتر يدها وساعِدها. وذكر أن ألمها نتج عن استمرار نشاط الأعصاب التي تمثل اليد التي قُطِعت عند الكوع، وإنتاج أحاسيس مماثلة لتلك التي كان يمكن الإحساس بها لو كانت اليد ما زالت موجودة. وبهذا منع التمييز والتهم العقلية التي قد تلاحق المرأة الشابة وألمها التخيلي من خلال محاولة العثور على تفسير “علمي” لهذه الظاهرة. ولأول مرة تم افتراض “الألم المركزي” كسبب لألم الأطراف الوهمية.

حاول فريدريك هوفمان (1660-1742) تفسير المعرفة الفيزيولوجية الجديدة وفقا لأفكار ديكارت، وبالتالي تأسيس أساس نظري ثابت للأدوية ، وهو نظام من المبادئ العامة القادرة على شرح جميع الظواهر الفيزيولوجية. وبالنسبة لهوفمان، كان الكائن الحي عبارة عن آلة مكونة من جزيئات سائلة وصلبة. قدمت السوائل (الدم واللمف والأرواح الحيوانية) الحركات المستمرة الضرورية للحياة. والتي يؤدي ركودها إلى تغييرات كيميائية مسؤولة عن العديد من الأمراض.

إعلان

بالإضافة إلى ذلك، يتم جلب العوامل المسببة للأمراض إلى الجسم مع الطعام والهواء المستنشق. فيعتقد هوفمان أن “الأرواح العصبية” هي المحرك الأساسي للجسم المرتبط بالعقل البشري غير المادي والذي خلقه الله. ولقد ابتكر “قطرات هوفمان” الشهيرة، وهي دواء طبي يحتوي على جزء واحد من الأيثروثلاثة أجزاء من الكحول.

أكسيد النيتروز و الأفيون

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظهرت العديد من الاكتشافات العلمية التي كان لها تأثير على تطور التحكم في الآلام. عزل السير جوزيف بريستلي (1733-1804) أكسيد النيتروز خلال “تجاربه وملاحظاته على أنواع مختلفة من الهواء“، وخلال الأعوام 1774-1777 ظهرت التقارير الأولى لتخفيف الألم من استنشاق أكسيد النيتروز تبعه في عام 1800 السير همفري ديفي (1778-1829).بعد فترة وجيزة من إزالة الأسنان، “عندما كان آلمني الالتهاب بشدة  استنشقت ثلاث جرعات كبيرة من أكسيد النيتروز. كان الألم يتضاءل دائمًا بعد الأربع أو خمس استشاقات الأولى”. واقترح أن يتم استخدام الغاز في عمليات جراحية بسيطة، ولكن لم ينتبه أحدًا لهذه التوصية. وعوضًا عن ذلك، ظهرت موضة استنشاق أكسيد النيتروز للشعور المبهج الذي يسببه.

أبلغ جيمس مور (1763-1834)، وهو جراح من لندن، لأول مرة عن استخدام الأفيون لتسكين الألم بعد العملية الجراحية في عام 1784. “الأفيون … هو مناسب للغاية للتخفيف من أذى الجرح بعد انتهاء العملية؛ ولكن أقوى جرعة نجرؤ على المغامرة بإعطاءها لها تأثير ضئيل أو معدوم في تخفيف معاناة المريض أثناء العملية”. واقترح ضغط الأعصاب المغذية للطرف المراد إزالته (1784)، ولكن ثبت أن هذه الطريقة غير ناجحة.

محاولات أنطون مسمر

ومتأثرًا بفكرة تأثير الكواكب على صحة الإنسان، بدأ فرانز أنطون مسمر (1734-1815) العمل بالمغناطيسية. فبدأ بتطبيق “المغناطيسية الحيوانية” لعلاج الأمراض المختلفة ومتلازمات الألم، معتقدًا أن نوعًا من السوائل الكونية سيتم نقله إلى الإنسان، فأنتج نتائج رائعة بهذه الطريقة. وأصبحت هذه الشعوذة شائعة جدًا في جميع أنحاء أوروبا، على الرغم من أن الطب التقليدي رفضها. وذهب مسمر إلى باريس في 1778، حيث أسس عيادة في ميدان فاندوم في فرنسا.

وبحلول الثمانينيات من القرن الثامن عشر، تخلى عن استخدام المغناطيس. ولكنَّه قدم “حوضه” الشهير، الذي قام بتخزين السوائل وصرفها من خلال قضبان حديدية قام المرضى بتطبيقها على المناطق المريضة من أجسادهم. وذاع صيت سائل مسمر غير المرئي من خلال جميع أنواع وسائل الإعلام. وكانت ممارسته لمسّ الأشجار الممغنطة الموجهة بشكل خاص للفقراء.

عرف مسمر فولفغانغ أماديوس موتسارت وكان أول إنتاج لأوبرا “باستيان وباستيني” في حديقة مِسمر عندما كان موتسارت يتعالج هناك. ففي أوبرا “كوزي فان توتي” (1790) وصف موتسارت العلاج بالمغناطيسية. وقد أنقذت ديسبينا، خادمة الغرفة، التي كانت ترتدي زي طبيب، حياة اثنين من الغرباء تظاهرا بالانتحار بالزرنيخ باستخدام مغناطيس.

 “Questo e quel pezzo / Di calamita:   / Pietra mesmerica, / Ch’ebbe l’origine / Nell’ Alemagna, / Che poi si celebre / La in Francia fu.” هذه قطعة مغناطيسية، الحجر الذي اكتشفه الطبيب العظيم مسمر في ألمانيا، ثم أصبح مشهوراً في فرنسا.

لكن في القرن التاسع عشر أصبح من الواضح أكثر أن هذا النوع من العلاج لم يكن مرتبطًا بنوع من الطاقة الجسدية وإنما بالتنويم المغناطيسي.

وشملت أساليب العلاج الأخرى ضد الألم أساليب الحكّ، والجَلد والكيّ كأشكال من التهيُّج المضاد وهو مادة تخلِق تهيج أو التهاب خفيف في مكان واحد بهدف تخفيف الانزعاج و/ أو الالتهاب في مكان آخر. وفقًا لنظرية التحكم البوابي في الألم). استُخدم منفط (مادة تسبب خروج البثور) شعبي من مسحوق الذراح -نوع من الحشرات- في بعض الأحيان مخلوطًا مع بذور الخردل وغيرها من المكونات، وهو علاج لا يزال يستخدم في الطب التكميلي حتى اليوم.

الطب الصيني و الياباني

تم تقديم واعتماد تقنيات وعقاقير لتخفيف الألم القادم من العالم الشرقي في أوروبا. فالوخز بالإبر كان يعرف في وقت مبكر من حوالي 2600 قبل الميلاد في الصين، وكان قد وصل الطب الصيني التقليدي إلى اليابان في منتصف القرن السادس.

بصفته عضوًا في شركة شرق الهند الهولندية، أبحر فيلهلم تن رين (1647-1700) إلى ناغازاكي باليابان في عام 1674، حيث لم يكن هناك سوى اتصال محدود بين اليابان والعالم الغربي بسبب اللوائح الحكومية اليابانية من عام 1641. ولم يسمح للهولنديين بالتعرف على اليابان أو دراسة لغتها. ومع ذلك سمح الشوغون للهولنديين بالحفاظ على محطة تجارية في جزيرة ديجيما الصغيرة في خليج ناجازاكي. وحاول المترجمون والأطباء اليابانيون الذين سمح لهم بزيارة هولندا تعلم الطب الغربي وأعطوا لمحات للعالم عن الثقافة اليابانية والطب. وقد اهتم فيلهلم تين رين بشكل خاص بتقنيتين علاجيتين فريدتين: الوخز بالإبر والكيّ.

بعد ذلك بعامين في أكتوبر 1676 غادر تن رين ناغازاكي وعاد إلى جاوة، حيث قضى بقية حياته. في عام 1683 نشر كتاب “أطروحة التهاب المفاصل Dissertation de arthritide” الذي يقدم وصفًا شاملاً للممارسات الطبية اليابانية والوخز بالإبر كما علمه مشرفوه اليابانيون.

في 1671 م. نشر ب.ب.هارفيو، وهو مبشر يسوعي في الصين، أول عمل معروف عن الوخز بالإبر (Les secrets de la medecine des Chinois, consistant en la parfaite connoissance du Pouls)، على الرغم من أن تن رين كان أول طبيب غربي يجلب هذه التقنية إلى اهتمام أوروبا فقد شبه الوضع الصحيح للإبر بالمِلاحة بحرية. وكان على الممارسين أن يكونوا على علم بأداء القلب و دورة الدم و إعادة تدوير مجرى الدم و حركة السوائل. واعتبرت كل من العمليات والحرق والوخز بالإبر علاجات لتخفيف الألم. وكان يجب أن تكون الإبر طويلة وحادة ومستديرة بمقبض ذو حفر حلزوني، وأن تكون مصنوعة من الذهب، وأحيانًا من الفضة، ولكن ليس من أي معدن آخر.

لم يكتف تن رين بوصف تقنية الوخز على نطاق واسع، ولكنّه أيضًا وصف المؤشرات المختلفة للوخز بالإبر. ثم سرد الحالات المؤلمة مثل المغص، والآلام بسبب التهاب المفاصل، والصداع جنبًا إلى جنب مع مختلف الحالات الأخرى (على سبيل المثال إعتام عدسة العين، والتشنجات العصبية، والحمى، السوداوية).

القرنين التاسع عشر والعشرين

بسبب التغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية الدرامية والدور المتطور للعلوم الطبيعية والفلسفة، تم إعادة النظر في تجربة الألم عند البشر في القرن التاسع عشر. فقد تم فهم الألم والمعاناة كعقاب ومصدر للخلاص في العصور الوسطى، مما أدى إلى الرأي القائل بأن تخفيف الألم الطبي يتعارض مع إرادة الله الخاصة. تحول هذا الموقف تدريجيًا إلى مفهوم أن الألم نتيجة لأسباب محددة، مع فرصة لعلاج المرض المسبب له.

نظريات الألم الحديثة

وفي أوائل القرن التاسع عشر، أدى عدد متزايد من الدراسات والتجارب العلمية إلى فهم جديد لعلم وظائف الأعضاء والإحساس بالألم.

فأجرى عالم الفيزياء الفرنسي ماري جان بيير فلورينز (1794-1867) دراسات مكثفة على دماغ الحيوانات. وخلص إلى أن الفكر والذاكرة والإرادة والإدراك لديهم أساس تشريحي مشترك في المادة الرمادية (1824). وخلص أيضا، أن نصفي الكرة المخية كانت غير قابلة للاستثارة.

واستغرق الأمر ما يقرب من خمسين عامًا لتجميع ما يكفي من الأدلة لنفي مفهوم القشرة كعضو غير قابل للاستثارة. وكان روبرتس بارثلو (1831-1904)، من سينسيناتي، أوهايو، أول من قام بتحفيز كهربائي للدماغ البشري في يناير 1874، لاختبار ردود الفعل على مناطق الدماغ المختلفة التي تم تحفيزها مباشرة بالكهرباء، وكانت تقاريره مثيرة للجدل، وأثارت قضايا أخلاقية، وقيل عنه متخلف عقليًا، وطُرحت أسئلة حول ما إذا كان قد تم منح الموافقة المسبقة للإجراء. كان من المثير للجدل أيضًا ما إذا كان الإحساس بعدم الراحة ونوبات الصرع عند ذلك المريض كانت نتيجة للتجربة أم لا.

قام يوهانس بيتر مولر (1801-1859) بتطوير “قانون الطاقات الحسية المحددة” في أوائل القرن التاسع عشر. وينص هذا القانون على أن نوعية الأحاسيس لا تعتمد على المنبه بل على العضو الحسي والمسارات التي يتم تحفيزها. وبالتالي، فإن إثارة نظام حسي معين، قد يُنتج إحساسًا بالطريقة المميزة لهذا النظام. ولم يكن هذا الفهم للفيزيولوجيا مبنيًا على التجارب، بل على التشريح الوظيفي. ففي كتابه “دليل علم وظائف الأعضاء البشرية” حاول مولر وصف العلاقة بين المشاعر الحسية و “الأحاسيس الشخصية للمشاعر”.

استنادًا إلى نظرية ديكارت ومع فرضية وجود مستقبلات محددة للألم، اقترح عالم الفسيولوجيا الألماني موريتز شيف (1823-1896) نظرية النوعية في عام 1858. وفقًا لنظرية النوعية الألم واللمس لكل منهما طرائق حسية مختلفة في الجهاز المركزي والطرفي. تم دعم هذه النظرية من خلال التجارب اللاحقة التي أجراها بليكس (1882) وغولدشايدر و فون فراي (1852-1932).

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مريم منصور

تدقيق لغوي: بتول سعادة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.