تأخذك إلى أعماق الفكر

محمد مهدى يكتب للمحطة صورة السادات

لست من الذين شعروا بالإنتماء لمصر من نشوة أغنية وطنية و لا من تحدى مبارة رياضية و لا أمام مشهد درامي مؤثر و لا حتي في تحية العلم المدرسية …

انا المصرى ابن خريف هذا البلد المتناقض بشده و المتوافق بحده ، فالوسطية في مصر تجدها فى الرقص فقط و الطبقه الوسطى ترقد بسلام فى صور الراحلين قبل ان يرتقوا أو ينحدروا إجتماعيا …

صوره جمال عبد الناصر لم تجذبني رغم هالات التقديس التى يزفها دراويشه و رغم لعنات التجريس التي يسوقها أعدائه … ناصر وجهه مثل مبارك تماما قابل للانتفاخ بالنعم و للتحول أمام المنح و المحن …

كل منهما يمتلك وجها ملكيا يتأكد مع الوقت يمكن قراءته بسهولة… وجها مريحا للسذج … وجها مألوفا للمنتفعين … لا أرى فى صورتهما أى إغراء وطني … هما زعامه إفتراضيه فرضتها عكنايب النظام المستمر حتى الان …

تنفر من كل صور الحكام صورة السادات المؤمن بنفسه و المخادع للأخرين … فمنذ لحظة ترشحه كممثل فني الى لحظة إغتياله السياسى كان السادات يؤمن أنه يستحق الأفضل رغم شعبية ملامحه … و بين اللحظتين كان يدرك حقيقة صورته فى عيون الناس فيجتهد فى تلوينها على حسب الحاجه و يصبغ صوته أيضا ليناسب كل مرحله …

إعلان

السادات الذي ألقى بيان يوليو 1952 من الراديو كان صوته مستعطفا عذبا رغم أهمية الخطوة التي يصدرها للشعب إعلاميا … السادات حاول التنكر حينها فى صوت محمد عبد الوهاب ليسمعه الناس باستسلام …

اما السادات رئيس مجلس الشعب كان صوت و صورة الظل لجمال عبد الناصر… إنفعالاته كانت محدوده ، يحجمها علنا و يبرزها سرا لصالح تألق الزعيم الذى يبهت …

أنور السادات الذى نعى للأمة العربية كلها الزعيم عبد الناصر أضاف حينها رغم زلزال الرحيل بصمته الصوتي و اللغوي من خلف الميكروفون عندما قال ” رجلا من أغنى الرجال إنه الرئيس جمال عبد الناصر ” … هنا كلمة أغنى حملت بالفعل دلالة و شعورا بالغنى مختلف على وقع المستمعين عن الغنى المادى …

بدء السادات تحقيق حلمه الفني أمام مسرح الشعب فور اداءه القسم بالإنحناء أمام تمثال عبد الناصر ليتبعها برد فعل ذكي و ناعم بقوله أمام معارضيه كلنا 40 مليون جمال عبد الناصر …. فالرجل كان يعي جيدا استمرار ناصر فى أقطاب النظام قبل نفوس الشعب ، فاراد ان يواجه الاثنين ببعض و يحكم بينهما ….

تحددت صورة الزعيم الجديد و احتد صوته و برزت انفعالاته العاصفه حتى توهجت كاملة فى خطاب نصر أكتوبر 1973 … الخطاب النادر الذى تفوقت فيه وطنية نواب الشعب على سياسة نفاقهم المزمن …

صورة السادات بالبدله العسكريه هى تكثيف لصورة الوطنيه فى مصر و صورته بالبدله المدنيه هى تعبير واقعي عن صورة السياسه فى مصر … و بين الصورتين مياة كثيره اختلطت بكل متناقض متفوق فى سلبيته حتى أفرزت عصر مبارك الممتدد الى عشر سنوات آخرى قادمة …

مشهد إغتيال السادات كان شرفا نالته البدله العسكرية المصرية و عارا تستحقه البدلة المدنية المصرية … فدماء السادات لم تكن سوى إسدال ستار أحمر على مسرح العرض الحي …… هذا العرض يأتينا الان مسجلا فنعيش افضل ذكرى وطنيه و نفيق منها على واقع سياسى مر تشكل لحظه الإغتيال …

انا المصرى الذى شعر بالإنتماء لبلده من صورة السادات المتناقض الذى لم يعاصره … أنا الذى يكسر حزنة و هزيمته الشخصيه بنبرات أنور السادات في خطاب النصر و إن كان في غير السادس من اكتوبر … حتى يحين نصر وطنى حقيقى جديد

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

علي الحفناوي يكتب للمحطة القتل بإسم الدين

الدعوة التقليدية أنصارها في ذبول .. مقال أحمد الشنطوري

رأي مختلف .. تقبل الآخر

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.