تأخذك إلى أعماق الفكر

مايكروسوفت كممولة للتجسس الإسرائيلي على الفلسطينيين

إن قيام الفلسطينيين بتغطية وجوههم أثناء القيام بمسيراتٍ مناهضةٍ للاحتلال الصهيوني، ما هي إلا تصرّف قديمٌ امتدَّ لعقود من الزمان، إذ إنّ إخفاء الوجه غالبًا باستخدام الكوفيَّات -الأوشحة الفلسطينية التقليدية التي ترمز إلى المقاومة الفلسطينية- بعيدٌ كلّ البعد عن كونه مثالًا للموضة، بل إنه بدلًا من ذلك عبارة عن أسلوبٍ للبقاء على قيد الحياة، وبدونه فمن المرجّح أن يتم اعتقال الناشطين في إغارات ليلية وحتى اغتيالهم لاحقًا.

في الماضي، استخدم الاحتلال الإسرائيلي التقنيات الأساسية لتحديد هوية الفلسطينيين الذين يشاركون في الاحتجاجات وتعبئة الناس في مختلف أنشطة المقاومة الشعبية، من خلال فك رموز اللقطات الإخبارية التلفزيونية أو صور الصحف، بمساعدة من المتعاونين مع الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة من أجل التعرف على الأفراد واستدعائهم لمقابلة ضباط الاستخبارات أو إلقاء القبض عليهم من منازلهم.

في نهاية المطاف، حلّت التكنولوجيا الأكثر تقدُّمًا محل هذه التقنية القديمة، حيث يتم إرسال عددٍ غير محدودٍ من الصور مباشرةً عبر الطائرات الصهيونية بدون طيار- وهي رائدةُ “الصناعة الأمنية”- إلى القوات الإسرائيلية التي تمكنت بفضلها من اعتقال آلالاف الفلسطينيين واغتيال المئات في السنوات الأخيرة نتيجة لحرب البيانات التي يتم تحليلها من خلال برامج التّعرّف على الملامح متزايدة الاستخدام.

وإذا كان الفلسطينيون حريصين في الماضي على إخفاء هويتهم، فإنهم الآن أشد حرصًا للقيام بذلك لمواجهة تبادل المعلومات بين الجيش الصهيوني والمستوطنين اليهود غير الشرعيين وميلشاتهم المسلحة في الضفة الغربية المحتلة وكل فلسطين، إذ يواجه الفلسطينيون تهديدًا مزدوجًا يتمثّل في استهدافهم من قبل المستوطنين المسلحين وكذلك من قبل الجنود الصهاينة.

صحيح أن مثل هذا الواقع المرير لا يثير الدهشة عندما يتعلق الأمر بالسياسة الإسرائيلية، ولكن الأمر المزعج أيضًا هو المشاركة المباشرة من قِبَل عمالقة الشركات الدولية من أمثال شركة مايكروسوفت، في تيسير عمل المؤسسة العسكرية الصهيونية، التي يتلخص هدفها الوحيد في سحق أي شكل من أشكال المقاومة بين الفلسطينيين.

إعلان

تفخر شركة مايكروسوفت بكونها رائدة في المسؤولية الاجتماعية للشركات، وتؤكد على أن “الخصوصية حق أساسي من حقوق الإنسان”، وتكرّس شركة البرمجيات العملاقة -التي تتخذ من واشنطن مقرًا لها- قدرًا كبيرًا من الاهتمام -على الورق على الأقل- لموضوع الإعلان المتعلق بالإنسان: “إن مايكروسوفت ملتزمةٌ باحترام حقوق الإنسان، إننا نفعل هذا من خلال تسخير القوة المفيدة التي تتمتع بها التكنولوجيا للمساعدة في إعمال حقوق الإنسان في كل مكانٍ والحفاظ عليها”.

لكن في الممارسة العملية، لا تلتقي كلمات مايكروسوفت مع ما تقوم به، على الأقل ليس عندما يتم تطبيق أقصى ما لديها من حقوق الإنسان لاستهداف الفلسطينيين المحاصرين الواقعين تحت الاحتلال منذ 1948م. في تقرير على الشبكة الإخبارية الأميركية إن بي سي، في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، نشرت أوليفيا سولون تقريرًا عن تمويل شركة مايكروسوفت لشركة إسرائيلية وهي شركة أنيفيجن التي تستخدم تقنيات التعرف على الوجه “لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية سرًا”.

ومن خلال أقسام الاستثمار برأس المال، استثمرت شركة ميكروسوفت ب 78 مليون دولار في الشركة الإسرائيلية المذكورة التي “تستخدم أساليبًا للتعرف على الوجه لمراقبة الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية، على الرغم من التعهد العام من جانب “عملاق التكنولوجيا” بتجنب استخدام التكنولوجيا في حال انتهاك الحريات الديمقراطية”.

كما طورت أنيفيجن نظامًا برمجيًا “تكتيكيًا متقدمًا” أُطلِق عليه مسمى “الغد الأفضل”، والذي يسمح للعملاء وفقًا لمادة استقصائية صحفية أعدت بالاشتراك بين هآرتس وإن بي سي، بتحديد مواقع الأفراد والأشياء في أي تغذية كاميرا حية، مثل كاميرا الأمان أو الهاتف الذكي، ثم تتبع الأهداف أثناء تنقلهم بين مختلف الإحداثيات”.

وبهذا القدر من السوء الذي ينطوي عليه هذا “الغد الأفضل”، فإنه يشكل تهديدًا حقيقيًا ووجوديًا ضد الفلسطينيين. تقول سولون: “بحسب خمسة مصادر مطلعة على الأمر، إن تكنولوجيا أنيفيجين تعمل على تفعيل مشروع مراقبة عسكري سري في كافة أنحاء الضفة الغربية”.

كما ذكر أحد المصادر أن المشروع ملقب بمصطلح “جوجل آيوش”، حيث تعني كلمة “أيوش” الأراضي الفلسطينية المحتلة في حين تشير “جوجل” إلى مقدرة التكنولوجيا في إيجاد الناس.

يقع مقر أنيفيجن في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويضم العديد من المكاتب حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسنغافورة. ونظرًا لطبيعة العمل والارتباط الجوهري بين قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية في البلاد، فمن البديهي أن تقوم هذه الشركات باستخدام البرامج لتتبع الفلسطينيين.

في شهر يوليو/تموز، أشارت صحيفة هآرتس الإسرائيلية  إلى أن أنيفيجن تشارك في مشروعين خاصين لمساعدة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، حيث يشتمل الأول على نظام معدٍ خصيصًا لنقاط التفتيش التابعة للجيش، والتي يمر بها الآلاف من الفلسطينيين كل يوم وهم في طريقهم إلى العمل من الضفة الغربية”.

تحدث موظفون سابقون في المشروع إلى الصحافة عن تجاربهم مؤكدين عدم وجود أي اعتبارات أخلاقية في أي قرارات تجارية تم اتخاذها. وقامت بعض التقارير الصحفية منظمات حقوق الإنسان، بما فيها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، بتشكيل موجة احتجاجات قوية، ولكن مما يدعو للأسف هو أن مايكروسوفت ما زالت تعمل على دعم عمل أنيفيجن دون أية عوائق، علمًا أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مايكروسوفت للانتقاد بسبب دعمها للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية أو انتقادها بسبب ممارسات غير أخلاقية أخرى.

بخلاف فيسبوك وجوجل وغيرهما الذين تعرضا للهجوم إثر انتهاك قواعد الخصوصية أو السماح للسياسة بالتأثير على أجندتها التحريرية، دائمًا تُرِكَت مايكروسوفت إلى حد كبير خارج هذا الهجوم. ولكن الحقيقة هي أنه يجب محاسبتهم جميعهم. في بيان “حقوق الإنسان” الذي أصدرته شركة مايكروسوفت معلنةً عن احترامها لحقوق الإنسان استنادًا إلى اتفاقيات دولية، بداية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، لكن الاحتلال الاسرائيلي مازال يمارس الاحتلال بكل أشكاله على الفلسطينيين ويتنهك كل مادة من مواد هذا الإعلان، بدءًا بالمادة الأولى، التي تنص على أن “كل البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق”وانتهاءً المادة الثالثة: “لكل إنسان الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي”.

سيتطلب الأمر من مايكروسوفت عاجلًا أم آجلًا، جهدًا أكبر من الإشارة الأدبية لوثيقة خاصة بالأمم المتحدة لإظهار احترامها الحقيقي الصادق لحقوق الإنسان.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: فرح فرحان

تدقيق لغوي: رنا داود

تدقيق علمي: افنان ابو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.