تأخذك إلى أعماق الفكر

لوحة العودة الأخيرة

لم أكن لأتخيل أن هذه البحيرة الآسنة ذات الطحالب الخضراء ستكون ملاذي ذات يوم، بالرغم من أنه علي أن أمُرَّ بهذه الطريق في كل مرة كي أصل! يا لثقل تحية المساء التي تأتيني مباغتة، فإن لم ألقِها مدعيًّا اللانتباه، يكون عليّ أن أجيبها!
هذه البلدة تنبذ الغرباء؛ لذا لا أتمكن من التخفي حتى لا يُفضَح أمري، هذا هو السر الوحيد الذي أحرص على حمله تحت معطفي مع أوراق الرسم أينما حللت، كل مرة أرتب جعبة قلبي لألقيها في البحيرة الخضراء، أتعلل بما ستؤول إليه نهاية الطريق؛ لأنشغل عن حفنة المزعجين هذه.

الضباب لا ينقطع هناك، هذا يعطيني فرصة الاختباء بين أعواد القصب الواقفة في زهد، مواريةً البحيرة عن خشونة العالم، الضباب لا ينقطع لدرجة أن العالم هناك يبدو ليلكيًّا مائلًا للزرقة في سحرٍ سرمديٍّ عجيب.. تسبق البحيرة أرض مرتفعة، وثمة أريكة خشبية قديمة اندثرت قوائمها تحت الثرى، لم أفكر في الجلوس عليها، فالأريكة تبدو متعبةً أكثر مني..
أجلس على حافة البحيرة على سطح عربة غارقة حتى منتصفها، بها قبعة رمادية وعلبة سجائر مبللة، ثَمَّة شراع قديم أيضًا يقف كبوصلة مصوَّبة نحو قرص الشمس وكأنه وليد أشعتها..

أستسلم في نشوة وسكون لسيمفونية الغسق التي تعبئها لي الطبيعة من نقيق الضفادع وحفيف أوراق الأشجار.. وهسيس مختلط لحشرات صغيرة لا أراها، ونعيب الغراب الوحيد الذي اختار قبعة كقاعدة لعشه، قد يفقس بيضه اليوم لأراقب صغاره وهم يكبرون.. ربما أضعهم داخل لوحتي ذات يوم، هذه هي السيمفونية الوحيدة التي أستمع إليها دونما كلل عندما آوي إلى الرسم..

أحمل الطين في صحن عميق وأسحق به بعض الأصداف الملونة وأوراق اللافندر والليلكي، صانعًا مكونًا خاصًا للرسم، أعيد رسم اللوحة ذاتها في كل مرة، ولا أنتظر شيئًا جديدًا يضاف إليها، غير أن المكان يفاجئني كل مرة بشيء يحلو لي، فأضيفه طوعًا إلى اللوحة، ولكنني أخشى أن يفاجئني بما لا تُحمَد عقباه.
آه يا إلهي هذا ما كان ينقصني!

ما الذي أتى بكومة الرثاء هذه التي تجلس على الأريكة الخشبية؟ كيف افتُضح سري؟ هل يسبقني أحد لهذا المكان وقد أتيت مبكرًا اليوم؟ يا إلهي كم يبدو وحيدًا جامدًا وكأنه أصيب بلعنة، هل أبدو هكذا في هذا المكان؟ لم أتفحص نفسي جيدًا في الصور التي ألتقطها مع لوحاتي.. يبدو متجردًا حتى من نفسه، وقد فرغت سريرته من كل شيء، ينظر إلى السماء بنظرة باهتة..

إعلان

تتوقف الطيور المسافرة لتلقي نظرة عليه، تنظر صوبه بحذر وغضب، لابد وأنه خاض رحلات نفسية كثيرة حتى يبدو صلدًا هكذا كحجر، يشي بذلك لونه الشاحب الباهت، وعروقه النافرة، وكأن لحمه قد ذاب في عظام أصابعه، وقد امتص التعب وجنتيه، يا له من معطف من اليأس والقنوط هذا الذي يلتف به، ويا لكبر الهموم التي تكاد تَسَاقَطُ من ملامحه المتهدلة، يبدو كذلك أنه من أصحاب الأفكار المزدحمة، هذا ما تقوله نظرته الذاهلة بلا شك.

إنها المرة الأولى التي أرغب في الحديث مع شخص غريب، مع شخص أصلًا، هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها روحًا معذبة تختبئ وراء غيمة بخار الماء التي تخرج من فم.. لماذا تمر حياة الرجل أمامي كشريط فيديو؟ أنا لا أعرفه! هل ننجذب لمن يشبهوننا إلى هذا الحد؟! لقد ظننت العكس طيلة سبعة وأربعين عامًا مضوا! إنه حقًا يشبهني بشكل عجيب، سأذهب لأتفحص أمره.

أخذ يقترب حَذِرًا شيئًا فشيئًا، ثمة عصفورة ما زالت تتعلم الغناء وقفت على جبهة رجل الأريكة الخشبية، مستندة على قبعته تلفتت يمينًا وشمالًا في حركة سريعة، ثم نقرت القبعة مرة واحدة، طارت بعيدًا في الوقت نفسه الذي وقعت فيه القبعة ثم سقط جثة هامدة، ليرى الرجل الأربعيني نفسه خارجًا من جسده.

نرشح لك: الأخ والرفيقة الحوار العقيم

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.