تأخذك إلى أعماق الفكر

لا والنبي يا عبده… دساتير الهجر والوصل في الثقافة الشعبية

في مربعاته البديعة، يقول رائد الشعر العامي المصري “ابن عروس”: “مسكين من يطبخ الفاس/ ويريد مرق من حديده/ مسكين من يعاشر الناس/ ويريد من لا يريده”، فيضع بهذا المربع ما يمكن اعتباره دستورًا لمفاهيم الهجر والوصل في الثقافة الشعبية.

تؤمن الثقافة الشعبية بالعلاقات المتكافئة “حط إشي تلقى إشي”، وتحرّض على هجر الحبيب الذي لا يُقدَّر حبيبه حتى يعود بنفسه: “سيب حبيبي على هواه لحد ما يجي ديله على قفاه”، وترفض بشدة معاتبة الأنذال من الأصدقاء “عتاب الندل اجتنابه”، بل إنها تحذر من هذا العتاب الذي لن يجرّ إلا مزيدًا من الضّرر على صاحبه “تعاتب الدني تكبر نفسه” فالدنيء إذا عاتبته لم يرجع عن أفعاله، بل لن يزيدك إلا سوءًا.

وبقدر ما تبدو هذه الثقافة الشعبية حادة للغاية، إلا أنها تحوي في داخلها دفاعًا عن هذه الحدة، التي ما جاءت إلا ردًا على جفاء الأصدقاء وعدم تقديرهم “من قلة الحنية بتنا على جفا، وخدنا من بيت العدو حبيب”، وتدرك الذائقة الشعبية أهمية روابط الدم وتقدمها على أي علاقة أخرى، “فأهلك لا تِهلك”، و”خروبة دم، ولا قنطار صحابة” والخروبة وزن معلوم أقل كثيرًا من وزن القنطار، فالمقدار الضئيل من القرابة عند أولاد البلد مقدّم على قناطير الصداقة، خاصة وأنّ الصّديق غير مأمون الجانب لديهم “حرص من صاحبك، ولا تخونوش”، فالصديق كي يبقى صديقًا في الموروث الشعبي يجب أن يقدّم ما يؤهله لهذا، فينال في المقابل المودة الخالصة، والمحبة التامة “الرغيف المقمر للصاحب اللي يدور”، أما إذا لم يقدّم هذا الصاحب ما عليه من واجبات الصداقة ولم يقابل المودة بمودة “فالسجرة اللي ما تضل على أهلها ولا حل قطعها”، وهو ما يشابه قول إسماعيل الناشئ: “ولا تجزعن على أيكة … أبت أن تظلك أغصانها”.

ولعل أثر هذه الثقافة الحادة في التعامل، المدركة لضرورة الأخذ والرد وحتمية أن تكون المودة متبادلة كي تستمر، يظهر بقوة في الغناء الشعبي المصري الذي ينبع من الثقافة الشعبية، ويوجه بالأساس ليخاطب أولاد البلد، فمن كلمات عبد الفتاح مصطفى غنى شفيق جلال (أمونة) ليطالب حبيبته بالردّ على رسائله وشرح أسباب عدم الردّ عليه، ولكنه حين ييأس من الردّ لا يتوسّل ولا يستعطف بل يقطع المسألة نهائيًا “إن شا الله ما رديتي عليا”

إعلان

وبنفس الطريقة تضع فاطمة سرحان قواعدًا صارمة للعلاقة بينها وبين حبيبها “عبده” الذي يهجرها ويشمت بها العزال، “إن كنت يا حليوة شاريني/ أنا برضو شارياك/ تضحك بسن الرضا/ دايما هكون وياك/ وإن غبت مش هسأل عنك/ ويبقى ذنبك على جنبك/ هو أنا مش فاضية إلا لحبك؟ / يا أخي لأ ..”

في حين تعود خضرة محمد خضر إلى الأصول الفلكلورية وتغني من مربعات ابن عروس “اللي يداديك داديه/ اجعل عيالك عبيده/ واللي يعاديك عاديه/ روحك مهياش في إيده”

بل إنّ أثر هذه الثقافة الشعبية المتأصلة يمتدّ ليتجاوز الغناء الشعبي إلى الغناء الرومانسي، فحين كتب الشاعر الغنائي الكبير -ابن منطقة الأزهر الشعبية- عبد الوهاب محمد لسيدة الغناء العربي أم كلثوم ظهرت الثقافة الشعبية التي ترى الحب أخذًا ورد جلية في كلماته فمن كلماته غنت أم كلثوم “حب ايه”، و”هسيبك للزمن”، و”للصبر حدود” وغيرها، وهي أغانٍ تظهر في كلماتها أفكار الثقافة الشعبية وتوجهاتها بوضوح.

غير أنه من المهم هنا التأكيد على أنّ الموروث الشعبي المصري لم يكن حادًا طوال الوقت مع العلاقات البشرية فقد دعا إلى الصبر على الصديق “صبري على خلي ولا عدمه”، و”اللي يعاشر الفتى يصبر على ميطه” أي يصبر على ميله وطباعه السيئة، غير أنه للصبر حدود كما أكدت الست، وثقافتنا الشعبية تعطي وتمنع، وهي في ما وصلت إليه من أصول للتعامل أسبق من كل هؤلاء الذين تحدثوا عن العلاقات الشريرة، أو العلاقات المؤذية التي يحملها طرف واحد على أكتافه، أو كما قال ابن عروس “من حبنا حبناه/ وصار متاعنا متاعه/ ومن كرهنا كرهناه/ يحرم علينا اجتماعه”.

قد يعجبك أيضًا: الكورن فليكس ورضوى الشربيني وشركاؤهم

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.