تأخذك إلى أعماق الفكر

كائن غير حي عدو لخلاياك

كائن متواجد في محيطنا، تصنيفه مختلف عن الكائنات الأخرى التي تتوفر على أشياء وقواعد لا يحملها، متنوّع؛ وكلّ نوع له سلبيات ومخاطر مختلفة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، له مزايا للمحافظة على المنظومة البيولوجية.

وقد يشغل بالنا تعريف الشيء الحيّ، أو المتواجد الحيّ، ونتساءل، متى تُطلق هذه الصفة -أو هذه الهدية- على الشيء ليصبح حيًّا في تصورنا؟ وهذا ما سنبسطه قليلًا في طرحنا، إضافة إلى تركيزنا حول الكائن المفتقِد لمصطلح حياة.

ما المقصود بكائن حيّ؟

لندرك المعنى علينا فهم التعريف المتّفق عليه علميًّا والذي نستند عليه كي نصنّف المتواجدات البيولوجية بهذا الكوكب المليء بالحياة.

فلو نظرنا في الكتب لأغلبية المراجع العلمية المعتمدة والموثوقة سنجد تعريفًا مشتركًا موحّد المعنى للكائن الحي، والذي تناول (المعنى) خصائصَ معيّنة تصنف الكائن ”حيًّا”. هذا التعريف يقول أن الجسيم الذي يحافظ على توازن داخلي لمواده البيولوجية، والذي يتكون من خلايا تقوم بعمليات معقدة هو جسيم قادر على النموّ والتكاثر والتأقلم مع محيطه، والاستجابة لحوافز أو محفزات.. وهي خاصيات تجعله حيًّا حسب مجال البيولوجيا.

إعلان

لندخل قليلًا في بوابة هذه الخصائص، فالكائنات المجهرية، كمثال للكائنات الدقيقة، تقوم بالعمليات البيولوجية؛ كتحويل المواد العضوية عبر استخدام أنزيمات، من أجل الحصول على الطاقة مثلًا، كما أنه من الضروري المحافظة على مميزات داخلية من تراكيز البروتينات وشدة تعبير الجينات..الخ.


خاصية النموّ والتي يمكن تتبُّع مراحلها بملاحظة تطوّر الكائن المجهري وكتلته وطوله وتطوّر تفاعلاته (يحكم هذه الملاحظة قواعد معينة، كي لا يتم الخلط).

أما الخاصية المهمة جدًّا، والتي تعتبر من ضمن أساسيات استمرارية الكائن الحي ، وبنفس الوقت دليل توفره على هبة الحياة،  فهي التكاثر.

ففي عالم البكتيريا، عند توفّر الشروط الملائمة والظروف المناسبة للبكتيريا، تبدأ الخلية (الأم) بالانقسام لخليتين (بنتين) متتطابقتين تمامًا جينيًا ووظيفيًّا (مع احتمالات وقوع طفراتٍ تغيّر البكتيريا حسب شدة نتائج هذا التغير الجيني)، يقع هذا الانقسام بعدما تقوم الخلية الأم في البداية بتهييء الحاجيات الأساسية من موادّ جينية ولبنات أساسية، لتبدأ بعد ذلك خاصية الانقسام والتي تحدث أثناءها ظاهرة تضاعف الدي إن أي، لتنتهي أخيرًا بالحصول على خليتين، وهذا يعتبر تكاثرًا وتطبيقًا لقانون قاطع في الحياة.

وبما أنّ البكتيريا والكائنات التي خطرت على بالك نجحت في خضوعها للخاصيات التي ذكرناها، إذَن، يمكننا إعطاؤها التعريف البيولوجي للحياة المخلتف عن الذي كنا نتصوّره، أو ربما لم نعرفه تحديديًا من قبل.

لو أخضعنا الفيروس لاختبار هذه الخاصيات فهل سيكون الكائن غير الحيّ المشار إليه في العنوان؟

خاصية التكاثر: هل يمكن للفيروس الانقسام والتضاعف مثل البكتيريا أو خلايا الأجسام المتعددة الخلايا؟ يمكنك استنتاج الجواب بسهولة، الفيروس لا يضمّ نواة، لكن له جزيء DNA أو RNA، كما أنّه لا يمتلك عضيّات بداخله مثل الريبوزومات، هذه الإمكانيات مهمة للتضاعف (التكاثر)، إذن فإنّ غياب هذه الإمكانيات يعني غياب القدرة على التكاثر، وهذا أمر صحيح، حيث أن الفيروسات تعتمد على الخلايا المضيفة، فتبدأ هذه الأخيرة بإنتاج مكونات الفيروس لصنع فيروسات أخرى، إذن تواجد كميات هائلة من هذا الكائن في مكان ما، هو بسبب صناعته من طرف خلايا أخرى وليس بسبب تكاثره اعتمادًا على نفسه.

ماذا عن خاصية النمو؟

تقوم الخلية بإنتاج فيروس كامل يغادر الخلية، هذا الإنتاج يكون متكاملًا لوحدة هذا الكائن، أي أنّها تهيّئه بشكل كافٍ دون الحاجة للنمو والحصول على حالات أخرى.

نجزم الأمر بآخر خاصية، ألا وهي استخدام الطاقة، بالنسبة للكائن الحي فإنّ عمليات التكاثر والنمو والتأقلم تتطلب استخدامًا كبيرًا للطاقة، وغياب هذه العمليات يعني غياب الحاجة للطاقة، ما هو استنتاجنا هنا؟ هل تسقط هذه الخاصية أيضًا عند كائن لا ينمو ولا يتكاثر بنفسه؟

إذن هل الفيروس هو الكائن المذكور في العنوان؛ الكائن غير الحيّ ؟

كيف يمكن للفيروس أن يستمرّ بالتواجد رغم أنّه لا يتكاثر؟

(نتبع المراحل التي نشرحها الآن وفي نفس الوقت نراقب الصورتين أعلاه كي تتضح لنا الفكرة)

الآلية التي يستعملها الفيروس للتكاثر هي نفس الآلية التي تعتبر تهديدًا لنا. وكي يسهل علينا الفهم، فلنتكلّم عن الفيروس الأكثر شهرة بالعالم والذي يعد أكبر عدو؛ فيروس نقص المناعة، حيث أنّ الخلية المضيفة والتي تعدّ أكثر قابلية لاستضافة الفيروس هي الخلية المناعية تي 4، يقوم الفيروس بالتعرف على مستقبلاتها سي دي 4 وCD8 وذلك بفضل مستقبله gp120 عندما يتثبت الفيروس بفضل الربط بين المستقبلين، تقع تفاعلات عدة تجعله ينتج بروتين gp41، هذا البروتين يستقرّ بجدار الخلية المناعية، فيجذب غلاف الفيروس ليلتصق بجدارها، يتم الالتحام، فيتمكن الفيروس أخيرًا من العبور إلى الداخل ويتفكك مباشرة،  مفرزًا مكوّناته من الأنزيمات وRNA.

تتبع ذلك مرحلة مهمة جدًا، فهدف الفيروس هو جعل الخلية مصنعه الخاص (وهذا تعبير مجازي)؛ إذ يقوم بتحويل RNA إلى DNA باستخدام أنزيم reverse transcriptase، وبعد تفاعلات عدة يتم الحصول على DNA فيروسيّ، وفي هذه المرحلة بالذات وجب الإشارة إلى الأمر الذي جعل هذا الفيروس مرعبًا، ألا وهو عدم كفاءة ووفاء أنزيم reverse transcriptase بنسخ تام ومتقن لـ RNA إلى DNA، حيث أنه يقوم بأخطاء كثيرة في النسخ تجعل الفيروسات مستقبلية الصنع أنواعًا جديدة من HIV تحمل شيفرة مختلف، وبالتالي كل نوع جديد، يلزمه مضاد آخر. بعد الانتهاء من الحصول على دي إن آي فيروسيّ، يذهب هذا الجزيء إلى شفرة الخلية مستعملًا أنزيم الدامج integrase، عند الاندماج يتم إنهاء اللولب الثاني بمساعدة الخلية، بعدها تتم عملية النسخ، حيث تبدأ الخلية بإنتاج مكونات الفيروس، وتعديلها جيدًا في سيتوبلازمها، وبعد تفاعلات عدة تتشكل عدة فيروسات، فتخرج هذه الفيروسات ناضجة جاهزة، فتموت الخلية المضيفة بانتحارها المبرمج، أو نتيجة مهاجمتها من طرف خلايا أخرى لأنها أصبحت خلية غير سليمة ووجب محوها.

إذَن، لأنّ الفيروس غير قادر على التكاثر وحيدًا، ولأنه لا يتملك هبة الحياة البيولوجية، وُجدت طريقة أخرى وذكية لإنتاج سكّان آخرين. لكنّ نتيجة ذلك تدمير الجسم الحيّ والخلايا الحية.. ولهذا كان حريًّا بنا وصفه بـ “العدو”.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.