تأخذك إلى أعماق الفكر

قصة قصيرة “كوفيد-19”

لم يعُدْ هناك غدٌ، لم يعد هناك أملٌ بأنّ غدًا أفضل، أصبحتُ -كشاهد القبور- أشاهد أجسادًا تتمزّق أرواحَها ألمًا حتى تصعد إلى بارئِها.
تُرى كم هو مؤلمٌ أن تكذب وتتمادى في الكذب لتجعلَ المريضَ يشعر بأنّه على ما يرام، لكنّه في الحقيقة ليس كذلك، ليس كذلك على الإطلاق، إنه حتمًا ميتٌ يصارع في معركتِه الأخيرة مع الموت.

بين ليلةٍ وضحاها، أصبحَ المشفى كحلبة مصارعة؛ فالكلُّ هنا يصارع الموت لكي يبقى حيًّا. رأيتُ مَن سلَّم أمرَه لله وترك الفيروس ينتهك روحه إلى أن أتاه الموتُ على فراشه، وهناك من قاوم ببسالةٍ لكي يبقى، لكن هيهات.

سئِمتُ من رائحة الموتِ التي تحيطني في كلِّ مكان. للموتِ رائحةٌ لا يشعر بها إلا مَن اقترب منها، فما بالك بالّذي يحيا بداخلها ولا يفارقها.

مع كلِّ صباحٍ أتساءل: متى سوف يصيبني ذلك الفيروس ليطرحني أرضًا؟ كيف لي أن أطمئنّ أنّه لن يصيبني وأنا أداوي مرضى الكورونا؟ رغم كل تلك الإجراءات الوقائية التي أرتديها حرصًا على سلامتي، لكن يمخر الخوفُ عَبَابَ قلبي كلّما دلفتُ إلى غرفةِ مريض كورونا أداوي آلامه.

صدق قولُه تعالى ” يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَـحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)”. رهبةُ يوم القيامة ستجعل الكل لا يهتمُّ إلاّ بنفسه وبما قدّمَ، وسيتلاشى الآخرون، فسبحان ربّي تعالى، جعل فيروسًا في منتهى الصِغَر، لا يُرى، يفرِّقُ الجميع. مجرّد فيروس جعلنا نرى مَن يتخلّى عن صَـحبتِهِ وأحبابه عندما يصيبهم الفيروس، فكيف سيكون حالنا يوم الفَصلِ؟

إعلان

كنتُ سأُقدِم على تركِ العمل بالمشفى، وأستقرُّ بالمنزلِ، حتى قابلتُ تلك الفتاة، كانت تُدعَى “عزة”، نعم، أتذكرُّ اسمها جيدًا، “عزة تيام”.

كانت الليلة الأولى من شهر يناير عام 2021م، خرجت من حجرة مريضٍ يُدعى “زياد” (على ما أذكر)، كان الموتُ يطرق بابَ حجرته في كل آن، ريثما خرجت اصطدمت بتلك الفتاة التي بلغ الحزنُ منها ذروته، نظرتُ إليها في ريبةٍ؛ فكيف لها أن تدخلَ المشفى وتتجوّلَ بين غرف العزلِ دون أن ترتدي البزة الوقائية؟ فقلتُ لها: “ماذا أتى بكِ إلى هنا؟”، لم تبالِ بسؤالي، وهمّت بدخول غرفة هذا المريض، هممتُ مُسرعًا بمنع يديها من أن تُديرا مقبضَ البابِ مصيحًا بها: “ماذا تفعلين أيتها المجنونة، هل جُننتِ؟”

رمقتني في صمتٍ، ثم حاولت مجددًا أن تديرَ المقبض لكنّني منعتها مرةً أخرى، زجرتها في عنفٍ قائلًا: “إنّه مصابٌ بفيروس كورونا، سيتمكّن الفيروسُ منك إذا دلفتِ إلى الغرفة، ابتعدي الآن”. أجابت بصوتٍ منكسرٍ تقشعرُّ له الأبدان: “أعلم ذلك، أرجوك، دعني أدلفُ إلى الحجرةِ، زياد بحاجة لي الآن”.
– مَن أنتِ سيدتي؟
– تلعثَمت قليلًا تلك الفتاة قبل أن تُجيب: أدعى “عزة تيام” حبيبته، ورفيقة دربِه. الآن أرجوك سيّدي أن تسمحَ لي بالدخول.
– لا أستطيع؛ فالفيروس بلغ من حبيبك ذروته، وسيصيبك بمجرد أن تدلفي إلى الحجرة.
– لا أبالي بكلِّ هذه الترهات، أنا أعلم بأن زياد يحتاج أحدًا يكون بجواره، وقد جئت إليه.
– أليس له أهل يعتنون بشأنِه؟
– لا، لم يعد هناك أحدٌ سواي، ولم يعد لي سواه.

أجهشت الفتاةُ بالبكاء، فشرعتُ في تهدئتها، لكن ما فائدة ذلك، وقد حُسم أمر زياد؟ إنها مسألةُ وقت لا أكثر. وافقتُ على طلبها بأن تدلفَ إلى الحجرة، بشرط أن تلتزمَ بالإجراءات الوقائيّة، وألّا تقتربَ منه، فوافَقَت على الفور.

جهّزتُ للفتاة البزة الوقائية، ثم قامت بارتدائها، وقمتُ بإعادة تنبيهاتي للفتاةِ قبل أن ندخلَ الحجرةَ، فطأطأت رأسَها مجيبةً بأنها تتفهّم الأمر.

كادت دقّات قلب تلك الفتاة أن تشقَّ صدرَها شوقًا لرؤية حبيبها. دلفنا إلى الحجرةِ، فسرعان ما تلاقت الأعينُ بين المريض وتلك الفتاة.
ركضَت الفتاة مسرعةً نحو الفتى المُلقى على الفراش تُقبّل يديه وتبكي بحرقة، كان مشهدٌ مهيبًا تحترق له الأفئدة حقًا، لم أرَ حبًا في حياتي مثل ذلك.

طلبتُ من الفتاة أن تبتعدَ قليلاً، لكنّها لم تبالِ، ولم أستطع إبعادها عن حبيبها. أخذت تحدّثه عن حاله، وكيف يشعر الآن، وتطَمْئنه بأن غدًا أفضل، غدًا سيُشفى، غدًا سيتزوجان، غدًا.. غدًا.. غدًا. وا أسَفَاه! ليتها تدرك أن ليس هناك غدًا لحبيبها.

قررتُ أن أتركهما وذهبتُ لمكتبي بالمشفى، وقبيل منتصف الليل وجدت مَن يطرق الباب على غير العادة، فسمحت له بالدخول. كانت تلك الفتاة ذاتها.
دخلت الفتاةُ إلى المكتبِ شاكرةً بأنني سمحتُ لها برؤيةِ حبيبَها، فقلتُ لها: “لا داعي للشكر”.

– كان لي طلب أريد موافقتك عليه!
– ما هو؟
– أريد غدًا أن أتزوج زياد، وأريد مَن يكتب لنا عقد القران.

حدقتُ بالفتاة في ذهولٍ محاوِلاً فَهم ما قالته، لحظاتٌ من الصمت مرّت كادت أن تصبحَ سنوات.

– هل بإمكانك أن تمدَّ لنا يد العون؟

قلتُ بنبرةٍ صارمة: “لا يمكن ذلك، الفيروس بلغ من حبيبك ذروته، وأنّها مسألة وقتٍ على وفاته. آسف لكِ، لكن تلك الحقيقة ويجب أن تعلميها جيدًا”.
– أعلم ذلك منذ أن رأيته، لكن أريد أن أحقّقَ له ما حلمنا بأن نحققه منذ سنوات، أرجوك ساعدني على تحقيق ذلك الحلم.

يا الله، ماذا أنا بفاعلٍ؟ كيف لهذه الفتاة أن تحيا بعد وفاة حبيبها؟ كيف؟ وافقتُ أن أساعدَ الفتاة، وسرعان ما أجريتُ اتّصال بصديقٍ لي ليكتبَ عقد القِران. كنتُ في سباقٍ مع الزمن كي أحقق ذلك الحلم قبل أن يتوفى الفتى.

كانت الساعة اقتربت من الرابعة فجرًا، وكنت قد جمعتُ طاقمَ التمريضِ خاصتي، ثم أتى صديقي يحمل كتاب عقد القِران، ارتدينا جميعًا البزة الوقائية، وخطونا نحو حجرة الفتى.

كانت الفتاة تجلس بجوار الفراش الذي يرقد عليه حبيبها، فتقدّم صديقي يكتب عقد القران، وأخذ يُملي عليهما بعضَ الكلمات ليردّدانها خلفه.وما أن انتهى صديقي من كتابة عقد القِران، حتى سادت أجواءٌ احتفاليّة غير معهودة.

بُثّت في نفوسِنا الفرحةُ بهذا الحدث؛ فقد سئمنا من الحزنِ واليأس الذي لم يفارق وجوهنا.

تركنا العروسين بالحجرة وحدهما، وذهبَ كلٌّ منا في طريقه. مرّت سويعاتٍ ثم ذهبتُ لحجرة الفتى أطمئنُّ على حاله.
طرقت البابَ، ثمّ دلفتُ منه واجدًا الفتى قد زفر أنفاسه الأخيرة، وفارقت روحه جسده الهزيل بجوارِ زوجته القابضة في ذهول على يده تقبّلها. وضعتُ الملاءَةَ على وجهه، ثم ربتُّ على زوجته في صمت.

الآن لم تعد لديّ القدرة على البقاء مجددًا بالمشفى، سأقدّمُ استقالتي تاركًا مَن هو قادر على المواصلة لمراعاة الآخرين، قد سئمتُ من حياتي، وأسألُ الله أن يتوفّاني ويلحقَني بالجنة.

دكتور أحمد سامح
مستشفى الاميرية-القاهرة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مؤمن عصام

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.