تأخذك إلى أعماق الفكر

قصة الوهابية من الدعوة إلى الدولة (ج3)

في مطلع القرن العشرين سنة 1901 م قام عبد العزيز بن سعود الأمير الشاب (25 سنة فقط وقتها) بمغامرة كبرى غيرت مجرى التاريخ، حيث ترك الكويت التي نٌفيَ فيها مع عائلته بعد هزيمتهم على يد آل الرشيد وتوجه إلى الرياض مع 40 مقاتلًا فقط، وفي كمين قتل حاكمها وتحصن بالمدينة التي أقسم له سكانها بالولاء. وصمد أمام محاولات آل الرشيد لاستعادتها بعدما والته الإمدادات من الكويت ليقيم الدولة السعودية الثالثة. واستمر عبد العزيز في إقامة العلاقات السرية مع الإنجليز الذين سيطروا على الخليج. ورد عبد العزيز بن سعود على الأمير الاي حسن شكري -الذي أرسل له رسالة يونيو 1904 م يدعوه فيها لطاعة الخليفة وعدم التعامل مع الإنجليز بقوله: “لم تبقَ لي ثقة بوالٍ أو مبعوث تركي وإني مختارٌ لنفسي ما اختاره آل الصباح (حكام الكويت تحت حماية بريطانيا) ولا نعترف لكم بسيادة فلا طاعة لكم علينا بل نراكم كسائر الدول الأجنبية.

وفي عام 1908 عين الأتراك الحسين بن علي شريف لمكة. وتسبب الجفاف في اجتياح القلاقل للمنطقة كلها. وتمرد على عبد العزيز الكثيرون من ضمنهم ثلاث من أبناء عمومته، بينما حاول شريف مكة توسيع سلطاته بقدر استطاعته وقام بضم إقليم عسير لصالح الأتراك، وتحول موقف عبد العزيز إلى الضعف الشديد حتى قامت حركة الإخوان.

كان عبد العزيز يفتقر للأساس العقائدي لدولته التي كانت لسابقيه ودعمتهم في صراعاتهم، حتى ظهرت حركة الإخوان مجددةً للحركة الوهابية تحت قيادة أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الشيوخ. ولم تختلف حركة الإخوان عن الوهابية عقائديًا في شيء، وإنما أضافت إليها اختيارات فقهية واجتماعية حول توحيد المسلمين، والخضوع للإمام، ومساعدة بعضهم، وعدم التعامل مع الكفار. وقد استثمر عبد العزيز في تلك الحركة، ودعمها بالمؤن والحبوب لإقامة مستعمراتها الزراعية وتوطين البدو، وزوّدهم بالسلاح والذخائر.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية اعتمد العثمانيين على حلفائهم آل الرشيد في جبل شمر، بينما بحث الإنجليز عن حليف عربي للسيطرة على شط العرب لتأمين حقول البترول الإيرانية، وتحرزًا من إعلان العثمانيين الجهاد الإسلامي ضدهم. فدفعوا الشريف حسين إلى عصيان الدولة العثمانية فيما عرف بالثورة العربية الكبرى، بينما دعموا عبد العزيز في حربه ضد آل الرشيد في جبل شمر. وفي نوفمبر 1916 عُقد مؤتمر ضم عبد العزيز وأمير الكويت وشيخ المحمرة وبيرسي كوكس ممثلًا عن بريطانيا حيث أعلن عبد العزيز انحيازه للجانب البريطاني، وقد منح الإنجليز عبد العزيز وسام فارس الإمبراطورية الهندية بعدما اعتقل مندوب للعثمانيين وصادر 700 جملًا كان قد اشتراهم لصالحهم سلمهم لوكيل للبريطانيين.

إعلان

وامتدح عبد العزيز في كلمته بهذا المؤتمر الإنجليز قائلًا: “إن الحكومة العثمانية قد سعت إلى تفكيك وإضعاف الأمة العربية، بينما السياسة البريطانية قد استهدفت توحيد وتقوية قادة الأمة.”

وعندما سعى ابن الرشيد للصلح والمسالمة وأرسل رسالة لعبد العزيز بهذا المضمون 1917 م، كتب ابن سعود: “لو كان الأمر بيني وبينك لَما كان أحب إليّ من حقن دم المسلمين وجمع شمل العرب. لكن الأمر اليوم يا أخي ليس في يدي، فإن شئت الخير لك وللعرب فإن السلام يمكن أن يتحقق بثلاثة شروط: أن تقطع كل صلة لك بتلك الحكومة الوضيعة التي سببت الخسارة لديننا ودنيانا وأعني الحكومة التركية التي لم تترك إثمًا لم ترتكبه، وأن تصبح صديقًا مع الحكومة التي نحن حلفاؤها (أي بريطانيا) وإخوانك العرب ونحن متعاهدون على توحيد العرب، وأن تكون صديقًا مع الشريف وتساعده، فأي عربي لا يساعده يجب أن نتجنبه لأن الشريف هو عضو في تحالفنا.” ورفض ابن الرشيد تلك المطالب كليةً وظل مساندًا للدولة العثمانية للنهاية.

وعندما انتهت الحرب واستسلمت الدولة العثمانية كان عبد العزيز قد انتصر على آل الرشيد وقويت دولته في نجد وأصبح الصدام بينه وبين الحسين ملك الحجاز حتميًا. وسرعان ما وقع الصدام المسلح في واحة تربة محل النزاع بينهما حيث احتلها عبد الله بن الحسين قبل أن يُفاجأ بهجوم الإخوان العنيف عليه، حيث أبادوا جيشه وتمكن من الفرار بصعوبة شديدة في أول معركة كبرى يشتركون فيها، مما شجع عبد العزيز على التفكير في غزو كامل الحجاز، ولكن البريطانيون أرسلوا يحذرونه فتوقف.

ولم تكن إنجلترا تهدف لاحتلال الحجاز، واعتقد أن جورج لويد رئيس وزراء بريطانيا كان صادقًا عندما كتب: “إن أحدًا ما لا ينوي إرسال قوات أجنبية لاحتلال جزء ما من الجزيرة العربية؛ فهي بلد فقير جدًا لا يستحق أن تحتله دولة ضارية.” ولكن رغبتهم الحقيقة كانت في قيام دولة حليفة لهم بالحجاز كما هو الحال مع إمارات الخليج.

وفي سنة 1921 م هاجم عبد العزيز قبائل شمر وحاصر حائل في الوقت الذي قرر تشرشل أن ينصّب فيصل ابن الشريف حسين ملكًا على العراق. وأنشأ إمارة الأردن وأسندها لابنه الآخر عبد الله، فأسرع عبد العزيز بتشديد الحصار حتى استسلمت حائل وانتهت إمارة جبل شمر. وأسبغ عبد العزيز حمايته على الشيعة وأمن الناس وزودهم بالمؤن والأغذية بعد طول الحصار، رغم اعتراض الإخوان وتذمرهم من هذا التسامح.

وفي 1922 م هاجم الإخوان أجزاءً من العراق، ولكن الطيران الإنجليزي قصفهم. وكذلك تحركوا نحو شرق الأردن واستولوا على واحات الجوف وتيماء وتبوك حتى اقتربوا من عمّان العاصمة، فتدخل الإنجليز ووجهوا ضربات عنيفة ضد الإخوان ردتهم للداخل، وبدؤوا ترسيم الحدود بين الدول التي صنعوها، فتفاوض بيرسي كوكس مع عبد العزيز، ووضعوا ملاحق لمعاهدة المحمرة بترسيم الحدود بين العراق ونجد، وحق القبائل أن تدين بالطاعة لأي حكومة من الدولتين، ووضع منطقة محايدة للبدو، ورُسمت حدود أخرى مع الكويت.

ورغم الاتفاقيات إلا أن الحدود السعودية الأردنية لم تحسم إلا في صيف 1924 م حيث حاولت قوة ضخمة من الإخوان الهجوم على عمان، فتصدى لهم الجيش الإنجليزي وألحق بهم خسائر فادحة.

وفي 1924 م أعلن حسين نفسه خليفةً بعد سقوط الخلافة العثمانية، وافتتحت في جدة قنصلية سوفيتية مما أثار البريطانيين ضده، وكانت الخلافات بينهما تصاعدت فاقتنع البريطانيون أنه سيحاول الاستعانة بالسوفيت لحمايته، فأطلقوا يد عبد العزيز ضده فلم يضع وقتًا ودخل الإخوان الطائف وارتكبوا بها مذبحة، ولم يستطِع الحسين وقف زحفهم فاجتمع أعيان الحجاز وقرروا خلع الحسين في محاولة ساذجة لإرضاء سعود ظنًا أن المشكلة شخصية، وغادر للعقبة ومنها لقبرص. لكن الإخوان استمروا في التقدم ودخلوا مكة ببنادق منكسة لأسفل، وأصر سعود على مغادرة الأسرة الهاشمية كاملةً للحجاز فأخرجهم للأردن والعراق.

وفي بداية 1925 م حاصر الإخوان جدة قرابة عام دون أن يتدخل الإنجليز رغم توسلات علي بن الحسين حاكمها. وعندما وصل الكولونيل كلايتون إلى مقر عبد العزيز توصل معه لاعتراف بريطانيا بضمه للحجاز مقابل تنازله عن الممر الذي يربط شرق الأردن بالعراق. وبعدها استسلمت جدة وبويع عبد العزيز ملكًا للحجاز وسلطان نجد وملحقاتها وسرعان ما اعترفت به الدول الأوربية. وفي 1926 دعا لمؤتمر إسلامي بمكة حضره مندوبون عن المنظمات الإسلامية في مصر وسوريا والسودان والهند وكافة أرجاء العالم الإسلامي. وخرج منه عبد العزيز يحمل لقب حامي الحرمين الشريفين، وتوطد مركزه دوليًا بدرجة كبيرة، إلا أنه كانت هناك مشكلة كبيرة كانت تواجهه، جماعة الإخوان الذين أوصلوه لتلك المنزلة بدمائهم ودماء غيرهم ماذا يفعل معهم؟

تجاهل عبد العزيز تدمير الإخوان للقباب والمشاهد والأضرحة في الجزيرة ولكنه نزع سلاحهم في مكة وحاول التخفيف من قوتهم قدر الطاقة. وفي 1926 م وصل المحمل المصري مع قافلة الحج مع ضاربي الطبول والآلات الموسيقية، فثار الإخوان واصطدموا بالقوة العسكرية المصرية التي تحمي القافلة، فأطلقوا عليهم النيران فقتل 25 من الإخوان. وبرغم أن هذا الحادث قد أدى لانقطاع العلاقات بين مصر والدولة السعودية حتى 1936 م إلا أن الإخوان نقموا على عبد العزيز عدم الاقتصاص من حراس القافلة وسماحه لهم بالعودة إلى مصر.

وفي محاولة للحد من سطوة الإخوان، أسس عبد العزيز جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمرهم أن يبلغوا الجماعة بكل منكر يرونه ولا يحاولوا إنزال العقوبات بالناس بأنفسهم. وبدأت السعودية في التحول من تحالف عشائري إلى دولة حديثة تدريجيًا، وكان الصدام مع جماعة الإخوان الذي يناقض وجودها فكرة الدولة الحديثة حتميًا.

ربما كانت علاقة عبد العزيز بالإنجليز خافيةً على الإخوان، ولكن جفاءه لهم ومنعهم من غزو المشركين بعدما ما قدموا من تضحيات ودماء لإقامة دولته أثار حنقهم، وخاصةً تسامحه مع الشيعة في الأحساء والقطيف.

وكذلك فإن جماعة الإخوان لم تتخلص من طبيعتها العشائرية، فعلى رأسها كان شيوخ العشائر وأبرزهم شيخ قبيلة مطر فيصل الدويش الذي اجتمع مع قادة آخرين ووجّه قائمة اتهامات لعبد العزيز حول سفر ابنه سعود إلى مصر وابنه فيصل إلى لندن، واتهموه بالتعاون مع بلد الشرك، وكذلك استعمال التلغراف والتليفون والسيارة، وفرض رسوم جمركية على مسلمي نجد ومنح قبائل الأردن والعراق حق الرعي في أراضي المسلمين، وحظر التجارة مع الكويت دون مقتضى، والسماح للشيعة بممارسة شعائرهم الدينية.

ولم يدخل عبد العزيز في صدام معهم، بل بدأ مفاوضتهم بالرياض، فوافق على تقليل الضرائب وأقنعهم بمبايعته ملكًا لنجد والحجاز وملحقاتها يناير 1927 م. بينما توصل مع كلايتون المندوب البريطاني في جدة ووقعت معاهدة الصداقة مع بريطانيا.
وتعرض سعود للإحراج من هجمات قامت بها جماعة الإخوان على الكويت والعراق تصدت لها القوات العراقية والكويتية مدعومة بالطيران الإنجليزي. وأعلن أن هذه الهجمات مخالفةٌ لأوامره متهمًا جماعة الإخوان بالتمرد.

و بدأ الأخوان في الإعداد للثورة على عبد العزيز، بينما أعد هو لمقاومتهم بحشد القبائل وتأليبهم عليهم. وفي مارس 1929 بدأ الصدام العسكري بين عبد العزيز والإخوان في معركة السبلة، التي هزموا فيها هزيمةً ساحقةً أصيب فيها فيصل الدويش إصابةً بالغةً طلب بعدها العفو من عبد العزيز الذي عفا عنه عندما أدرك أنه لم يعد منافسًا. وتوجه للغطغط مركز الإخوان وأسر ابن بجاد وشيوخ القبائل معه، فحبسهم في الأحساء حتى وفاتهم، وهدمت الغطغط حتى الأرض كما هدمت الدرعية وخربت قبل هذا اليوم بخمسين عامًا.

وظن عبد العزيز أنه قضى على تمرد الإخوان وحسم المعركة مبكرًا، ولكن ثورتهم سرعان ما تجددت بعد تعافي فيصل الدويش وتواصله مع قبائل العجمان. ودارت الحرب الأهلية طاحنةً واستعان عبد العزيز بأمراء القطيف والأحساء، واستقدم مئات السيارات وأربع طائرات للمجهود الحربي (غالبًا مساعدة بريطانية) وألحق بالإخوان وحلفائهم هزائم ثقيلة حتى اضطر قادتهم للاستسلام إلى السلطات البريطانية بالكويت يناير 1930 م، وطلب عبد العزيز تسليمهم مقابل تعويض العراق والكويت الأضرار من هجمات الإخوان، ووعد البريطانيون بالإبقاء على حياة قادة الإخوان، وبالفعل وضعهم في السجون حتى وفاتهم واحدًا تلو الآخر.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد فتحي سليمان

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تدقيق علمي: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.