تأخذك إلى أعماق الفكر

في إرجاع العلية لقانون عدم التناقض

ولكن الأمر بالنسبة للقضايا الرياضية والمنطقية يختلف اختلافًا كبيرًا. فإن الإنسان في اللحظة التي يستطيع فيها أن يجمع خمسة كتب وخمسة كتب أخرى ويعرف أن مجموعها عشرة، يمكنه أن يحكم بأن كل خمستين تساوي عشرة سواءٌ كانت الأشياء المعدودة كتبًا أو أشياء أخرى، ولا يزداد اليقين بهذه الحقيقة بتكرار الأمثلة وجمع النماذج العديدة.

وبتعبير آخر: إن اليقين بهذه الحقيقة الرياضية يصل منذ اللحظة الأولى من إدراكها إلى درجة كبيرة لا يمكن أن يتجاوزها، بينما نجد اعتقادنا بالقضايا الطبيعية يزداد باستمرار كلما تضافرت التجارب وأكدت باستمرار صدق القضية وموضوعيتها.

3. أن قضايا العلوم الطبيعية إذا كانت تستبطن تعميمًا وتجاوزًا عن حدود التجربة، فهذا التجاوز المستبطن لا يتعدى حدود عالم التجربة، وإن تعدى نطاقها الخاص. فنحن حين نقرر أن الماء يغلي لدى درجة معينة من الحرارة، نتجاوز المياه التى وقعت في نطاق تجاربنا الخاصة إلى سائر المياه في هذا الكون. ولكننا إذا اجتزنا عالم التجربة وتصورنا عالمًا آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه، فمن الممكن أن نتصور الماء في ذلك العالم وهو لا يغلي عند تلك الدرجة المعينة من الحرارة، ولا نجد مسوغًا لتعميم القضية القائلة بأن الماء يغلي عند درجة معينة على ذلك العالم الآخر. وهذا يعني أن التعميم في تلك القضية إنما كان في حدود العالم الخارجي الذي وقعت التجربة فيه.
وعلى عكس ذلك القضايا الرياضية والمنطقية؛ فإن الحقيقة الرياضية القائلة: “2+2=4” صادقة على أي عالم نتصوره، ولا يمكننا أن نتصور عالمًا تنتج فيه عن مضاعفة الاثنين خمسة؛ ومعنى ذلك أن التعميم في القضية الرياضية يتخطى حدود الكون المعيش ويشمل كل ما يمكن أن يفترض من أكوان.

هذه فروق ثلاثة بين قضايا الرياضة والمنطق وقضايا العلوم الطبيعية جعلت المذهب التجريبي في مشكلة، لأنه مطالب بتفسيرها مع أنه يعجز عن ذلك ما دام يؤمن بأن المصدر لكل تلك القضايا واحد وأنها مستمدة جميعًا من التجربة بطريقة واحدة.
وقد اضطُر المذهب التجريبي لفترة من الزمن أن يتخذ الموقف الثاني؛ فيعلن المساواة بين قضايا الرياضة والمنطق وقضايا العلوم وينزل بقضايا الرياضة والمنطق عن درجة اليقين ويمنحها نفس الدرجة التي يعطيها لقضايا العلوم الطبيعية، وهى درجة الاحتمالية -مهما كبرت-. وبهذا تصبح الحقيقة القائلة 1+1=2 قضية احتمالية في رأي التجربيين، تحمل كل نقاط الضعف المنطقية التي تشتمل عليها الطريقة العلمية في الاستقراء، أي طريقة التعميم وتجاوز حدود التجربة.

وكان هذا الاعلان والقول من المذهب التجريبي من أكبر الأدلة ضده، ومن الشواهد التي تدينه وتثبت فشله في تفسير المعرفة البشرية. بينما لم يكن المذهب العقلي مضطرًّا إلى التورط فيما وقع فيه المذهب التجريبي، لأن المنطق العقلي -نظرًا إلى إيمانه بوجود معارف قبلية سابقة على التجربة- أمكنه أن يفسر الفرق بين قضايا الرياضة والمنطق وقضايا العلوم الطبيعية، بأن قضايا الرياضة والمنطق قضايا مستمدة من معارف سابقة على التجربة، وقضايا الوجود في الطبيعة مستمدة من التجربة. وما دامت طريقة المعرفة مختلفة فيهما، فمن الطبيعي أن تختلفا في طبيعة المعرفة ودرجتها.

إعلان

انتهى كلام السيد باقر الصدر. ونأتي إلى قضية إرجاع العلية لقانون عدم التناقض، ورد د. محمد ناصر على السيد باقر الصدر في هذا الأمر.

في إرجاع العلية إلى قانون عدم التناقض:

ويرد الدكتور محمد ناصر على كلام السيد باقر الصدر في رفضه إرجاع قانون العلية إلى قانون عدم التناقض، ويوضح الأمر بالبيان التالي:
عندما نشرع في سفر الإدراك فنلتفت لذاتنا، ونتأمل كونها وفعليتها فنجد أنها مسبوقة بالانتفاء، ويجوز عليها الانتفاء فيما بعد؛ فندرك أنه متى لم يكن الشيء ثم كان، فليس كونه من ذاته ولا هو مستغن في فعليته، بل محتاج ومفتقر إلى غيره. أي ذات هى هى، وليست غيرها؛ فإذا كانت مستغنية وتامة بنفسها فهى كذلك، ففرض انتفائها يعني أنها ليست هى فتكون هى وليست هى معًا، وبالتالي فرض لاجتماع النقيضين؛ وبالتالي ندرك أنه متى ما كان الشيء بعد الانتفاء ففعليته ليست بذاته وإنما بغيره، إذ فرض خلاف هذا المدرك فرض لاجتماع المتناقضين.

ثم إن فعلية أي شيء بعد أن كان منتفيًا لاحقة لإمكان أن يكون بالفعل وأن يكون شيئًا، وذلك بأن لا يكون فرض ذاته مستلزمًا للجمع بين الشيء ونقيضه، وإلا كان ممتنعًا عليه أن يكون بالفعل وشيئًا هو تلك الذات المفروضة فليس هو بشيء أصلًا، بل (هو) إلا في أفق الفرض بالتركيب بين المعنى ونقيضه، فيلزم من فرض فعليته فرض اجتماعهما، وهو فرض لفعلية ما تمتنع فعليته لإباء رحم الوقوع عن اجتماع النقيضين فيه معًا.

وبالجملة: أن فرض فعلية أي شيء بعد انتفائه يتوقف على كونه قابلًا في نفسه لأن يكون بالفعل، وهذا فرع عدم كون المفروض فعليته مستجمعًا للمتناقضين.
وباختصار: قول الدكتور محمد ناصر إن ملخص العلية: أن أي وصف يوصف به موضوع إما له بالذات (أي نفس ذاته تقتضي ذلك الوصف)، وإما بالعرض (أي غيره أعطاه إياه)، والأمر مردد بين النقيضين؛ والأول الذي هو للموضوع بالذات هو الذاتيات المقومة والعوارض الذاتية، والذي له بالعرض هو ماله من أمر خارج عنه وهو معنى العلية؛ أي أن أي اتصاف بالموضوع بذلك الوصف بالعرض معلول لذات أخرى لها وهكذا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: محمد ثروت

الصورة: محمود أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.