تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم Loving Vincent معاناةُ قلبٍ مُحِب

صلِّ واعمل وَدَعْنَا نقومُ بعملِنا اليومي، ما وجدتْ اليَد ما تَفْعَلُه، بكلّ قوتنا وطاقتنا، ودعنا نؤمنْ بأنَّ الله سوفَ يمنحُنَا خيْرَهُ وعَطَاياهُ الطيِّبَة.

تلك الكلمات كانت من الفنان فان جوخ في إحدى رسائله الى أخيه ثيو وهي لمْ تكن مجرد كلماتٍ عابرةٍ في رسائله، بل مشاعرُ قويةٌ وصادقة، ظلّت تحرّكُه تجاه الحياة على الرّغم أنّ تلك الحياة لم تُكافِئْه إلّا بالكثير من الخذلان، لكنّه في كلّ انكساراته كان يقاوم. كتب لأخيه ثيو: ” تأكّد أنّ كلّ شيءٍ سيسيرُ على مايرام؛ لأنه ليس هناك من يستطيع أن يحقّق ما يتمنّاه من البداية“، فيندفع بقوّة أكبر تجاه الحياة وثورةٍ أكبر نجدها تظهرُ في أعماله المميّزة بضرباتِ الفُرشاة القويّة، والتي تجعلُ الألوان تنبضُ بقوّةٍ ونقاء.

كان يمارسُ الرّسم دومًا كُلّما هدأتْ نوباتُ الصّرع والتوتر، وذلك في ساعاتٍ محددةٍ كأنّه نوعٌ من العمل، ويكتب لأخيه مئاتِ الرّسائل كنوعٍ من المُقاومة والدّعم ويواصل في كتابتها إلى نهاية حياته.

حياته التي كانتْ مُحيرةً للجميع في نهايتها، هل هو من عَمِلَ على إنهائها بانتحاره؟ أم أنه دفع ثمنًا للتضحية والإحساس بالآخرين، مما جعله يتحمّل نتيجةً لذلك ذنبَ رصاصةٍ غير مقصودةٍ من لعب أحد الصِبية في الحقل الذي كان يرسم فيه؟

ذلك الغُمُوض والتوتّر الذي صاحبَ حياته وأعماله ووفاته، ربما تبنّتها مخرجةُ فيلم Loving Vincentدوروتا كوبييلا“؛ وهي مخرجةٌ ورسامةٌ بولنديّة.

وكأنّها وَعَتْ وشعرتْ بالفنّان تمامًا، كأنها تقول إنه لمْ ينسه أحد؛ لأنه كان صادقًا، قد فتحَ كلّ أبواب قلبه وشعوره للناس فكان يشعر بوجع الفقراء ومعاناتهم كما أنه كان مُحبًا وعطوفًا في صداقته وحُبّه على الرّغم من ذلك فعلاقاته عادةً ماكانت تنتهي بالتخلّي والخذلان، فدومًا يشعر أن هناك رفضًا من الآخرين تجاهه ولايبوح بذلك سوى من خلال لوحاتٍ متوترةٍ، ورسائلَ لأخيه، فهو حتى لمْ يحظَ بمعيّةٍ حقيقيّة من أخيه، بل اعتمدت تلك العلاقة على الكثير مِن الرّسائل، وكان يشعر أنه يشكّل عبئًا على أخيه الذي يتولّاه ماديًّا ومعنويًّا.

إعلان

فتتر الفيلم يسحبنا من الحالة الهادئة العادية لمشاهدةِ الأفلام لنسكنَ في مزاجيّةِ وشعورِ فان جوخ، فلوحة “ليلةِ النُّجوم” التي تعدُّ من أهمّ لوحات -فان جوخ- التي رسمها الفنان عامَ 1889 التي طغت عليها حالة التشتت والتوتر المتواصلتين؛ بسبب الحركات الدائرية والدوامات في السّماء والأشجار الحادّة تندمجُ في تكوينِها العام، مع موسيقى البداية “لكلينت مانسل” المَشحونة بالتوتّر والرّعب -نوعًا ما في بعض مقتطفاتها- تخلق إحساسًا عامًا به يصاحبنا طوال الفيلم.

Loving Vincent

ويطرحُ فيلم Loving Vincent الكثير من التساؤلات سواءً حول شخصيّة فان جوخ أو حول أرماند رولان وهو ابن صديق فان جوخ، أو حتى حول الشخصيات المتعددة في الفيلم، والتي على الرغم من تعدُّدها لم تعطِ إطارًا واضحًا لتلك العلاقات أو الشخصيات، وحول ما كان يعيشه فان جوخ، فكانت في شكل نبضاتٍ أو تحقيق، على الرغم من أنّ ذلك يُعاب على الفيلم في عدمِ إكماله لحبكةٍ قويةٍ أو بناءٍ دراميّ قويّ، إلّا أنه رُبّما قدّم للفنان ما كان يريده دومًا في حياته؛ وهو الشعور بفنّه والغرق في لوحاته.

فالفيلم يبدأُ من خلال استخدام لقطةِ  Aerial shot، وكأنّ طائرًا يُحلّق في الجو، وكانت تلك اللقطة مميزةً في حيويتها، لندخل إلى العِراك بين أرماند وواحدٍ من الجنود في المقهى؛ بسبب فان جوخ ورسالته الأخيرة لأخيه ثيو التي يريد أن يوصلها إليه من خلال لوحة “المقهى الليليّ” لتبدأ حكاياتُ الأشخاص حول فان جوخ؛ لأن أرماند مع اكتشافه موتَ ثيو يجد نفسه مدفوعًا لفهم حقيقية موتِ فان جوخ على الرغم من يقينه في البداية أنه مات منتحرًا.

فيلم Loving Vincent

يقدّم فيلم Loving Vincent في البداية من خلال مشاهد الفلاش باك بعضًا مما عانى منه فان جوخ؛ فمثلًا علاقته بالفنان غوغان، وعندما قام بقطع أذنه وأهداها لإحدى الفتيات، وعلاقته بوالديه التي جعلته يشعر بأنّ حُبّه وعاطفته مرفوضتان. ونلاحظ أنّ مشاهد الفلاش باك رُسِمَتْ بدرجاتِ الأبيض والأسود، وغلبت عليها الإضاءة الضعيفة لتناسب الحالة الحزينة للفنان في تلك الفترة، كما أن أغلب اللّقطات لفان جوخ كانت من الخَلف ونادرًا ما كانت توضّح تعبيرات وجهه حتى في علاقة بأمِّه، نجد أنه على الرغم من استخدام لقطات الـ CLOSE UP، كانت دومًا للطفلِ من الخلف لمْ يظهر إلا وجهه باكيًا؛ وذلك عندما رفضت أمُّه أن يلمس يدها، لنرى وجهًا جامدًا لأمٍ قاسية. يقطع ذلك كلامَ موردِ لوحات الفنان فان جوخ، وفي الخلفية نجد عددًا كبيرًا من اللوحات بألوانها المتعددة المُشرقة، مما يعطي نوعًا من التوازن والحيوية في إيقاع تلك المشاهد المتتابعة.

فيلم Loving Vincent

يَلِي ذلك مشهدٌ آخر يُعطي بُعدًا حقيقيًّا آخر للشخصية من خلال الصورة وهو يَحملُ إيقاعًا سريعًا أقوى، وهو المشهد الذي يدخل فيه فان جوخ إلى إحدى مقاهي باريس، والتي كانت تمتلئُ بالفنانينَ فيبدأ المشهد من أعلى إلى أسفل، وتستخدم موسيقى هادئةٌ للبيانو، مع أصواتٍ كثيرةٍ ومزعجةٍ لتعبّر عن التواجدِ الكثيفِ للأشخاص داخلَ المكان، مع حركة كاميرا في حالةٍ من عدم التوازن والتوتر، فتتحرك بين الكؤوس والوجوه بسرعةٍ من خلال لقطاتٍ قريبةٍ جدًا، لتزداد الموسيقى في توتُّرها وينتهي المَشهدُ بخروج فان جوخ من المَكان وتغلبُ على المشهد هنا الإضاءةُ المُعتمة.

وفي ذلك كلُّه تجسيدٌ حقيقيّ لحالة الفنان الدائمةِ تجاه الناس وتجاه فنّه، فهو دائمًا يجدُ نفسه غيرَ كافٍ.

يقرِّر أرماند بعدَ أن يعلَمَ بموت ثيو أن يُسافر إلى أوفير ليجد مُستلمًا آخرَ للرسالة، ولكنه بعد أن يعلم بكل ما كان يمرُّ به فان جوخ يجد شيئًا آخر يحرّكه غير الشفقة، فالشفقة لا تستطيعُ أن تحرك إنسانًا إلى هذا الحدّ، ففان جوخ حقًا كان مثيرًا للاهتمام، يذهب إلى منزل عائلة رافو -الذي كان يقيم فيه فان جوخ- وهناك يلتقي بابنة مالك المنزل والتي تحكي له تفاصيلَ الأيام الأخيرة في حياة فينسنت بصوتٍ فيه نوعٌ من الذهولِ والتوتر، فتتغير نبرة صوتها من الهدوء إلى العلوّ، وإن كان إيقاع ذلك هادئٌ بصريًّا، ويغلب عليه الحُزن فقط.

فيلم Loving Vincent

على مدار السّاعة المُتبقية من الفيلم يقابلُ شخصياتٍ متعددةً كانت في حياة الفنان، ويكشف عمّا كان بداخلهم تجاهه؛ ففي منزل الدكتور غاشيه نَجِدُ أنّ المُربية تتحدث عنه بأنه نادرًا ما كان يبتسم، وعيناه لايجرؤُ أحدٌ على النظرِ إليهما، أمّا ابنة الدكتور مارغريت غاشيه تُنكر حُبّها لهُ ويظهر وجهها بدون أيّ تعبيرٍ أو حنين، وترى أنها تجلب له الورود على قبره كل يومٍ بدافع الاحترام، على الرغم أن في الفيلم يشيرُ إلى أنها لم تتزوج وظلّت تُعلّق اللوحة التي رسمها لها فينسنت في غرفتها طوال حياتها. أما الدكتور غاشيه فكان يصدر منه الكثير من التصرفات القاسية، ويعمل على إهانته ومقارنة فنّه بلوحاتِ فان جوخ. أما ثيو فيشير الفيلم إلى أنه على الرّغم من مَرضه، كان لا يتوقّف عن دعم فان جوخ ماديًّا رغم احتياجِه للمال، وهو الأمر الذي جعل فينسنت يشعر بالعجز الكامل لتحمّل مسئولية حياته سواءً ماديًا أو معنويًا.

أمّا الصياد فهو أيضًا يشعرُ بالذنب تجاهه؛ لأنه لم يكن يدافع عنه من إيذاء الآخرين. ومع معرفة أرماند لكلّ من كان حول فان جوخ سيتعاطف معه؛ لـأنه سيدرك كمْ كانَ وحيدًا في حياته، ويعاني هو أيضًا من إيذاء الأطفال والكبار لذلك تتولّد لديه رغبةٌ تامةٌ في معرفة من قام بقتله إن وُجِدْ.

فيلم Loving Vincent

ففي أحد المشاهد عندما يفكر فيما قاله الدكتور ماريزي وتأكيده على أنه مات مقتولًا، يجلِسُ في الحقل ويجد أن الغُراب الذي يتكرّرُ وجوده في كثيرٍ من بداياتِ المَشاهد حينما يتجمَّعُ حوله الكثيرُ من الغربان وكأنه تعبيرٌ مرئيٌّ على اقتراب النهاية، أو تفاصيلِ حادثة القتل إنْ استطاع أن يجمع دلائلها.


الفيلم -وإن تعددت الشخصيات فيه- لمْ يُقدّم علاقةً قويةً بين أيّ شخصيتين، ولكن الشخصيات تم استخدامها لتوضّح بعضًا من جوانب شخصية الفنان، كما أنه لمْ يقترب كثيرًا من توضيحِ معاناة الفنان من وجهات نظرهم كما كانت لقطاتُ فان جوخ قليلةً وإن كان ذلك رُبّما يكون مقصودًا؛ لأن الفنان على الرغم من معاناته كان يُحب الحياة، ولم يرغب أن يكون مثيرًا للشفقة.

وعلى الرغم من أن فيلم Loving Vincent كان يعبّر عن الفنان وعلاقاته وإخفاقاته، إلّا أنه يضعُ المشاهد في حَيرة دون أن يتبنّى رأيًا محددًا حول موت فينست هل قتله رينيه سيكريتان، أم أنه مات منتحرًا وخاصةً أن أرماند كان يعيش في دور المحقق ليصلَ إلى الحقيقة، فكان الفيلم أقرب إلى الأفلام الوثائقيّة. كما أنّ بعض الشخصيات ظهر تصرُّفها غيرَ مفهوم؛ فمثلًا التي تعمل في منزل الدكتور غاشيه تكرهُ فينسنت ويتضّح ذلك في حديثها وتعبيراتها ولكن لماذا؟ أمّا مارغريت غاشيه لماذا تُنكر حُبّها لفان جوخ؟ هل لو كان يقدّرُ نفسه لأحبّته بكل شجاعة، وشعرت به على قدر ما يَستَحِق؟

كذلك كان هناك إعجابٌ بين أرماند وابنة أوفير لكنّها أيضًا علاقةٌ لم تكتمل وإن كان الفيلم يشيرُ إلى أن الكثير سيشعر بالندم؛ لأنه لم يُحب فينست بصورةٍ أفضل -وهذا يأتي على لسان الصياد أنه لم يكن صديقًا مُؤثرًا في حياته- كذلك أرماند سيتحوّل من الاستهزاء به، إلى تقديره وحبه.

على الرغم من ذلك فالفيلم كانَ مُمَيزًا في إيقاعه، والجمع بين التعليق الصوتي والموسيقى لخلقِ إيقاعٍ متوترٍ ومثيرٍ طوال مُدةِ الفيلم، وإن كان أكثر سرعةً في المَشاهد الأُولى للفيلم، ربما لتناسب حالةَ المُعاناة والإخفاقات التي أرادت المُخرجةُ أن تكون مُكثفةً في بداية الفيلم. حتى في العروض الأوليّة كانتْ قريبةً تحتلُّ فيها الوجوهُ أغلب الكادر ومع ظهور فان جوخ في النهايات نجد أن هناك تناسقًا في عناصر الكادر، وفيه نوعٌ من الهُدوء، واستخدامُ الظل والنور بشكلٍ متوازن دون أن يغلب عليها العتمة كما في البداية.

اعتمد فيلم Loving Vincent على اللوحات الزيتيّة المرسومة التي وصلَ عددها إلى 65 ألفِ لوحةٍ يُشارك في رسمها 120 فنانًا من أنحاء العالم لعدةِ سنوات؛ ليكون الفيلم بمثابة رسالةَ اعتذارٍ ومواساةٍ للفنان الذي ظل طوال حياته يَحلُمُ بأن يعترف الجميع أنه ليس نكرةً أو شخصًا تافهًا، فلو كان يعيش إلى الآن لكان لا يعنيه أن يُرِيَ الجميع فنّه بل ألّا أن يعيش أحدٌ معاناته، فالفيلم لم يكن تقليديًّا في طرحه بأنْ يتناول قصةَ حياةِ الفنان ويمرَّ من مرحلةٍ إلى أُخرى، فذلك ربما يكون طرحًا ساذجًا لحياته وفنّه.

استخدمَ الفيلم تقنيةَ “الروتوسكوبينج”، حيث يتم تصوير الفيلم أولًا ثم إعادة رسمِه، وهو من بطولةِ دوجلاس بوث، وسيرشا رونان، وكريس أودود، وبيل توماس.

نرشح لك: فيلم Good Will Hunting- الخوف من الهجر وكبح الحياة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.