تأخذك إلى أعماق الفكر

عمك التاريخ قصة قصيرة

في قريتنا، وبالتحديد في الساعة الثانية ظهرًا، زارنا رجلٌ غريب الملابس متجهّم الملامح لم أَرَه قطّ من قبل، لكنّي أعرفه أو أظنّ أنّني أعرفه، ربما رأيت تلك الملامح المتجهّمة اللزجة في مكان ما لا أذكر بالتحديد أين.. لكنه بالتأكيد كان بين الجموع يومًا ما في محطة المترو أو على شريط القطار أو على جنبات الطريق الصحراويّ.

الكلّ يُنكر أنه يعرفه وينكر هيئته التي لم نعتد رؤيتها، يرتدي قبعةً طويلةً يبلغ طولها نصف متر أو أكثر، كتلك التي يرتديها الإفرنج قديمًا، وترمز بشكل غير علنيّ عن مهنة من يرتديها.. غالبًا ما يكون حانوتيًّا أوروبيًّا، هكذا تلمح بذلته الأنيقة لكنه يبدو ثريًّا جدًا؛ يضع ساعة ذهبية في جيبه كتلك القديمة المربوطة بسلسلة غالبًا ما ستكون ذهبية أيضًا، ويمسك بعصا مزركشة فخمة جدًا. الغريب في الأمر، لربما الأكثر غرابة، أنه يتحدث العربية وبلساننا الفلاحين دون خطأ واحد، وألمح أنه يتحدث كلّ اللغات واللهجات، بدى الأمر مضحكًا فهيئَتُه لا تتناسب وما يقول، بدى الأمر شاذًّا شاردًا جدًا عن واقع حالنا.

طلب القهوة بعد جلوسه.. ودون إذن، ووضع قدمه اليسرى على اليمنى واتّكأ على عصاه في خيلاء، احتسى القهوة مع نظرات البلدة الصغيرة كلّها إليه متعجّبة متسائلة، ثمّ كلّم أحدَ رجال القرية بهمسٍ لم يسمعه أحد وقام وانصرف بعد ما أشار إلى إحدى بيوت القرية الفقيرة جدًّا تسكنها فتاة معدمة هي الكبرى بين أخواتها الستّ، تُدعى “ورد”، وملكت من اسمها النّصيب الأكبر. في وجهها تبدو كوردة تغزل الصّوف في الرابعة عشرة تقريبًا من عمرها، وقف عند باب ورد وقَرَعه بالعصا -كما يصنع البرجوازيون في الروايات الأوروبية القديمة- ثلاث مرات، وحين فتحت ورد بدا وكأنّ الابتسام يغالب ملامحه الجامدة، من يعرفه جيّدًا قال أنّ تلك هي المرة الأولى الذي يراه فيها يبتسم.. مدّ يده في جيبه وأخرج قطعة حلوى وأعطاها لورد ثم انصرف.

لمْ نَرَه ثانيةً أبدًا، لكنّ ورد كانت تقول دومًا أنه كان يزورها كلّ يوم حتى ماتت في الثمانين من عمرها. في حيّ من أحياء القاهرة المزدحمة الصاخبة، رأيتُ نفس الرجل بزيّه بعد سنوات يحتسي فنجان القهوة في إحدى المقاهي في شارع القصر العيني، لكنّه بدى نحيلاً جدًا عمّا رأيتُ من قبل، أو ربما هو كذلك ونسيت.. وبدت قدماه أطول من نصف جسده الآخر وربما أيضًا كان كذلك ولم ألحظ في المرة السابقة، لكنه احتفظ بنفس الوجه والملامح الجامدة. بدى مخيفًا هذه المرة. رأيته وقد صفع القهوجي على وجهه حين تأخّر بالقهوة ولم ينطق ذلك المجرم السابق والذي يعمل الآن قهوجيًا.. كأنه يعرفه و يخافه. ذلك الرجل لا يرتبك لا يتردّد ولا يخاف، بل تبدو شيبته القليلة مهيبة أكثر من أيّ شيء. رأيته بعد احتسائه القهوة يصعد الطابق الخامس من إحدى العمائر، تتبّعته لأنّي فضوليٌّ بالنسبة لذلك الرجل فقط. وكسابقته، أعطى فتاة في الرابعة عشرة قطعة حلوى وانصرف، وحين سألت عن الفتاة قال الحارث أنّ لا أحدًا يسكن ذلك الطابق فقد هاجر أهله من هنا.

إعلان

لا أعرف إن كان صَدَق الحارث أم لا، أو ما رأيته حقيقة أم كان ذلك الغامض يسلّم على أرواحهم و ينصرف. بعد أشهر، رأيته في مكتبة جامعة القاهرة يحتسي قهوةً ويجلس جِلسته ويدخّن الغليون ولا أحد يعترض على ذلك فتعجّبتُ جدًا، لذا تصنّعت القراءة علّي أقترب منه قليلاً وأتشجّع أخيرًا لأسأله: من أنت؟ و دون أن أسأل أشار للكتاب الذي بين يديّ فإذا به كتاب ابن تغري بردي الظاهري ويحكي عن الشدّة المستنصرية، لم أنتبه حين أخذت الكتاب بل كنت أضعه مقلوبًا أمامي دون أن أدرك، ولا أعرف لماذا أخذني الخوف وألجمني حين رأيت أنّ الناس كانت تأكل بعضها بعضًا بالمعنى الحرفيّ. قام هادئًا وفي فمي سؤال يريد أن يخرج ولا يخرج، تتبّعته لكنه اختفى بين الزحام.. وبعد أسبوع رأيته في منامي على هيئته لكنه لا يبكي رغم دمعاته الحبيسة، يقول أنا عمّك التاريخ وينفث غليونه فى وجهي ويحتسي فنجان القهوة كما اعتاد، ودون أن أسأله بدأ بالاعتراف: “أحيانًا أظلِم يا ولدي، أقتُل أبرياءَ وأيتّم أطفالاً وأعتذر عن ذلك بقطعة الحلوى.. لكنها لا تمحو خطيئتي، فحياتكم قصيرة لذا أسلّم على أرواحهم علّها تغفر لي”.

مساهمة الروائي أحمد زكريا الأمير
تدقيق: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...