تأخذك إلى أعماق الفكر

شيطان الفلسفة الأعظم “نظرات حول نيتشه”

“أن نحيا يعني أن نعاني، أن نبقى على قيد الحياة هو أن نجد معنىً لهذه المعاناة”

بهذه العبارة تعرّفت على “فريدريك نيتشه”، المحيّر في آرائه وشخصه والمعذَّب في حياته والمخلص للحقيقة. والذي قد يختلف أو يتفق عليه البعض، لكن يبقى هو في مرتبةٍ أعلى وتأثيرٍ أعمق في تاريخ الفلسفة الغربية.

الشابّ الذي اعتزل العالم وذهب بعيدًا يتجوّل في الطبيعة بين الجبال باحثًا عن الله وعن معنى الحياة وقيم الإنسانية، فالتقى هنالك بزاردشت ليخرج لنا إنجيل نيتشه، طرح فيه آراءه وفلسفته كما اهتدى إليها في أطروحته الأشهر “هكذا تكلم زاردشت”.

من هو نيتشه

وُلد في الخامس عشر من أكتوبر عام 1844، في قرية قرب بلدة لوتسن في مقاطعة ساكسونيا، لعائلة تنتمي للكنيسه البروتستانتية، أنهى المرحلة الثانوية والتحق بجامعة بون ليدرس فقه اللغة واللاهوت، وتفرّغ لدراسة مولفات برونو باور النقديه عن الإنجيل وحياة يسوع، ثمّ بعد فصل دراسي ترك دراسة اللاهوت…

توجّه بعدها إلى الفلسفة، وانطلقت صحوته الفلسفيه من كتاب شوبنهاور “العالم إرادة وتمثّلًا”، بدأ مسيرته الفلسفية كعالم لغويات، عمل في جامعة بازل كأستاذ لغويّات، ونُشرت له عدة مقالات في فقه اللغة، وعندما نشر أولى أعماله “ولادة المأساة من روح الموسيقى” لم يلقَ ترحيبًا في ذاك الوسط، وهاجم فِكرَه العديدُ من الفلاسفة المعاصرين؛ كونه يقدّم فكرًا جديدًا اعتبروه لاعقلانيًا.

عانى نيتشه من الانقطاع والهجر من أصدقائه المقرّبين؛ أهمهم فاغنز الذي سبّبت مقاطعته لنيتشه انهيارًا عصبيًا، كذلك عانى الهجومَ الشرس على أفكاره وتجنّبه هو شخصيًا من الوسط الفلسفي، حيث بعد صدمات عدة وتغلّب المرض العقلي والعضوي عليه فضّل العزلة بعيدًا فسافر إلى عدة بلاد عاش بها وحيدًا، يقتات على معاشه من الجامعة بعد استقالته عن 35 عام.

إعلان

تعرّف على سالومي، عشقها وتقدم لطلب الزواج بها عدّة مرّات لكنها رفضت مما كان له الأثر السيء عليه، فتدهورت صحّته وأصابته الكآبه المزمنة، وانقطع بعدها لكتابة أفكاره منعزلًا بعد أن ضعُف نظره للغاية، وأصابه العمى العملي، مما جعله يستعين بأحد طلّابه ليكتب عنه. لم تحقّق أعماله المنشورة نجاحًا قَطّ، فعندما نشر كتابه هكذا تكلم زاردشت لم تُبَع منه سوى أربعين نسخة، ووُزّعت على الأصدقاء لا غير، مما سبب له استياءً شديدًا.

تدهورت أحواله الصحيّة أكثر وأكثر، فكان في سنّ مبكّرة وقد أصيب بالزهار والانهيار العصبي والهوس الاكتئابي، وتنقّل ما بين المشفى العقلي والعزلة وبيت أمّه، تحت رعاية أخته ووالدته حتى عام 1900، بعد عدة إصابات بسكتات دماغية أصيب على إثرها بشلل جزئي، وكانت الإصابه الأخيرة في الخامس والعشرين من أغسطس هي القاضية، فتوفّي بعد صراعه مع أمراضه العقلية والجسدية.

وصْف نيتشه كما ورد عن سالومي صديقته الأقرب..

“أوّل إحساس تشعر به إذا ما رأيتَ نيتشه هو إحساسك أنك بإزاء وجدان عنيف مستور وشعور بالوحشة كتمه في نفسه.. هذا الرجل المتوسط القامة، البسيط في ملبسه الذي عنى به، الهادئ في سيماه، ذي الشعر الأسمر المُلقى إلى الوراء، دون أن يلتفت إليه أو يديم النظر فيه.. وله ابتسامة خفيفة، وبهجة هادئة في الحديث، ومشية متئدة حذِرة، تقتضي منه أن يحني كتفيه قليلًا.. وتكاد عيناه تنطقان حقًا، وعلى الرغم من أنهما شبه عمياوين إلاَّ أنه لم يكن يبرقهما ولا يُسفُّ النظر، كما هي عادة الكثير من قصار النظر. بل كانا يبدوان وكأنهما حارسان لكنوز.. كانا يحدقان في الأعماق كما يحدقان في أفق بعيد.. أما في حياته العادية فكان مؤدبًا كل الأدب رقيقًا رقة تقرب من رقة النساء، هادئ المزاج، ساكن الضمير، متصل الوقار”

تعدّدت المجالات التي برع بها نيتشه، فتميز في عزفه وتحليله للموسيقى وتأثيرها على النفس. كما تميّز في علم اللغويات وجينولوجيا الأخلاق، واعتُبرت نصوص نيتشه الأدبيه من أروع ما كتب في الأدب.

نصّ شعري كتبه نيتشه في سنّ العشرين

“مرة أخرى، وقبل أن أستمر في طريقي..

وأطلق نظراتي إلى الأمام..

أرفع يدي العاريتين..

إليك، فأنت ملجأي وملاذي..

وأنت الذي كرَّستُ له أعمق أعماق قلبي..

مذابح يُقدَّس عليها اسمك..

لكي يدعوني صوتك..

دائمًا إليك..

وعلى هذه المذابح تتلألأ..

هذه الكلمة: إلى الله المجهول..

إني أريد أن أعرفك أيها المجهول..

أنت يا من نفذت إلى صميم روحي..

ويا من تمرّ على حياتي مرور العاصفة..

أنت يا من لا يدركك شيء، ومع هذا فأنت قريب مني وذو نسب إليَّ

أريد أن أعرفك وبنفسي أن أعبدك”

بداية قرأتي له اعتقدت أنني بصدد فيلسوف آخر كغيره من فلاسفة القرن التاسع عشر؛ يصدر نظريات عن الحقيقة والحياة والدين ويخرج لنا من النظريات المتضاربة ما بين العدمية والوجودية، وربما سيعيد قراءة الرأسمالية وأفكاره حول الحداثة وتمجيد العقل والحرية، الخ…
لكن أيقنت خطئي عندما لاحظت التناقض الظاهر في أفكاره وعباراته؛ فتجده يعلن عن مدي ضعف البشرية واتجاهه لحب الخالق واعتزال الناس ثم تجده بعد حين يعلن موت الإله!
أحيانًا يسعى بأفكاره لتكوين ما عُرف بالإنسان الأرقى “والسوبر مان” الذي عليه أن يقهر الضعف بداخله ويرتقي ويتألّه بأفعاله، ثمّ تجده يحذّر من القوّة في مقولته:

“عندما تقاتل الوحوش كن حذرًا حتى لا تصبح مثلهم”

قائل هذه الجمله التي تعني أن على الإنسان الاحتفاظ بإنسانيته مهما قاتل في سبيلها، هو عينه ما يتهمه البعض بأن أفكاره هي من أسست للنازية!

نيتشه ليس بالفيلسوف الذي يصيغ نظريه ما ويمضي حياته في محاولة إثبات صحّتها، إنه مخلص للحقيقة، يبحث عن الله ليس ينكره كما يدّعي بعض دارسيه.

يحاول فهم الطبيعة والإنسانية كما هي دون محاولة ترويضها. نيتشه، هذا الشيطان الأعظم في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة، لم يجتمع الباحثون حول أفكاره؛ فنصوصه تحمل أكثر مما تبدو علي،ه تبدو أفكاره مناقضة لأخرى من صميم أفكاره أيضًا.

إذ كيف بشخص كنيتشه يرى إنسانًا يضرب حصانه فيُصاب بنوبة عصبية، وإذا به يصرخ في الحصان قائلًا “أنا أشعر بآلامك”، كيف لشخص كهذا أن يناصر إرادة القوة؟! كما فسرها البعض بأنها النازية في أنقى صورها… غير منطقي هذا مع ذاك.

إنّ شخصًا كنيتشه تحمل نصوصه تأويلات مختلفة، ظاهرها يبدو ناقمًا على الله متبرئًا من الضّعف الإنساني، متمردًا على تحكُّم الإله وعدم نصرته للمقهورين في الأرض، متنكرًا للأخلاق والدين. لكن عندما نبحث في صلب أفكاره، نجد نيتشه آخر، نجد إنسانًا مفرطًا في إنسانيته يبحث عن الله في كل شيء، يؤمن بالإنسان ويعظّم الذات الإنسانية، يحاول ملء الفجوة بين ميتافيزقيا الأديان وميتافيزقيا أخرى تتمثل في إرادة الحياة كما يريدها الإنسان.

نيتشه هذا الذي قال في كتابه زاردشت :

“لقد حوّلت حبي إلى الله، فما الإنسان إلا كائن ضعيف فإن أحببته قتلني حبه”

نيتشه الذي طالما آمن بأنّ للحياة غاية أكبر وأنّ ما وراء الحياة الدنيا يستحق تحمّل معاناة الحياة لأجله، فتراه يعلن بقوّة تقبّله الكامل بالقدر مهما كانت مساوئه، فيقول في كتابه هكذا تكلم زاردشت:

“حبّ القَدَر جبلتي العميقة. أنا إنسان لست فاقدًا للصبر ولا صابر، وإنما أنا شخص قد نسي الصبرَ نفسه، وإنما قدري هو الذي يمهلني”.

بعض أفكاره التي أثارت الجدل

– أولًا، “الإنسان السوبرمان”

أو الإنسان الأرقى، كما أسماه. نشأت هذه الفكرة في كتابه “هكذا تكلم زاردشت” ، فكرة الكتاب تتلخّص في أنْ جعل نيتشه الحكيمَ زاردشت يتنزل من كهفه إلى الناس ليدعوهم إلى الارتقاء بأنفسهم والوصول إلى المرتبة المتقدمة من الإنسان الحالي أسماه “الإنسان الأعلى”، وتعني أن يدرك البشر مواطن ضعفهم ويعترفوا بها ثمّ يتخلّصوا منها وينبذوا كلّ ما يقف عقبة في مسيرتهم الحياتية نحو التقدم والنجاح، ليصبحوا بذلك في مرتبة أعلى حيث يصيرون قادرين على تخطّي الآلام ومشاعر الضعف والوصول إلى أهدافهم.

لكن على الجانب الآخر، فسّر البعض ظاهرة السوبر مان النيتشوي إلى “إرادة الاقتدار”، أي إرادة القوة؛ فاعتبر البعض هذا المصطلح دعوة لتغلّب القوة على الإنسانية ونصرة المنفعة على الديمقراطية، بل والأدهى اعتبار هتلر نموذجًا لتطبيق هذه النظرية.

قد يعجبك: لماذا يحب الشباب نيتشه ؟

لكن، خرج بعض الفلاسفة بعد نيتشه من درسوا فلسفته وفهموا مقصده:

برتاند راسل قال من العار أن ننسب النازية وهتلر إلى إنسان نيتشه الأعلى.

دولوز قال: “إن هتلر هو عبد نيتشه الذي نبذه في أفكاره، حيث سعى إلى السيطرة والتدمير، إنه العبد الذي يعتقد أنه تحرّر لكنه في الواقع لم يقترب من الحرية… إن الحرية التي دعا  إليها نيتشه تكمن في التحرر من الغرائز السيئة”

سارتر: تشي جيفارا هو المثال الأقرب إلى الإنسان الأرقى الذي دعا إليه نيتشه، إنه الإنسان الذي يحمل عبء البشر على كتفيه، ويمضي بين الجبال كما فعل زاردشت، فهو يلقي بالقيم جانبًا ويستمدّ قوّته من أحراش الجبال، وقلبه قلب طفل صوفي مفعم بحب الإنسانية كما كان قلب نيتشه.

هايدجر: “لم أجد أحدًا بحث عن الله بشغف كما فعل نيتشه”.

-ثانيًا، فكرة نيتشه حول الدين وتحذيره من الاديان

تربى نيتشه لأب قسيس بالكنيسة، فعرف تعاليم المسيحية ودرسها، لكنه دائمًا ما رأى خللًا في تعاليم الكنيسة؛ فهي تسمي الضعف طيبة والخنوع سلام والتغاضي عن الحق تسامح. لم تَرُق له هذه التعالم لأنه طالما آمن بإرادة القوة لإرادة الحياة، أما تعاليم الكنيسة فقد أسماها “أخلاق القطيع” فهم يخدعون أنفسهم بالنفاق ويكبتون رغباتهم ولا يريدون الاعتراف بوجودها، فالدين الذي يجعل أساسه الاستنكار لطبيعتنا البشرية هو دين يدعوا للنفاق حتي على أنفسنا.

إن الأخلاق الدينية إنما تقوم على أساس وجود إله خيّر يعتني بالبشر، وعنايته شامله بهم، فإذا اختلّ ركن من هذه الأركان تهاوت هذه الأخلاق الدينية، فلا فائدة من وجود إله خيّر طالما هو لا يعتني بالبشر، لذلك تقوم الأخلاق بهذه الصفات، وما دامت تهاوت فلا يلزم لمعرفة الخير  والشرّ تشريع سماوي فوق بشري.

قد يعجبك: ماركس ونيتشه: مقارنة لنظرياتهما في أصل الدين والأخلاق

وقد كان لنيتشه موقفًا واضحًا أمام المؤسسات الدينية بشكل عام، فقال في كتابه غسق الأوثان:

《إن السلطة الإلهية لا تتجلى للبشر مباشرة، وإنما من خلال نصوص لا تمرّ هي أيضًا إلى الجمهور إلا بعد أن تحدد “النخبة” معناها  وهدفها، مما يسهّل استغلال “السلطة الإلهية” في تأسيس القمع السياسي والمعرفي》

فلا يكمن اعتراضه فقط على منظومة الأديان، وإنما على استغلال السلطة الدينية وإعطائها السلطة لإطلاق التأويل للنص، ووضع قيم الخير والشر والحقيقة المطلقة والواقع أنه لا توجد حقائق مطلقة، والنصوص لا تتوقف عند تأويل واحد، فبحسب نيتشه لا يوجد واقع موضوعي متفق عليه وإنما هي تأويلات، إن كل حادةه في العالم العضوي هي غلبة وسيادة، وكل سيادة هي بدورها تأويل جديد وترميم لمفهوم سابق قد أصبح بدوره مستورًا، وكلّ الأهداف والفوائد ما هي إلا أمارات على إرادة الاقتدار ، فبحسب قول نيتشه:

“لا توجد وقائع إنما هي تأويلات “

ثالثًا، مقولته الأشهر “الله قد مات ونحن من قتلناه…”

هذه المقولة الأشهر التي عُرف بها نيتشه، وفسّرها الكثير بأنه إنسان وجودي ادّعى موت الإله، لكن دعونا أولًا نفرّق بين الإلحاد الوجودي والعدمية.
العدمية هي إيمان مطلق بالعدم، لا بداية ولا نهاية ولا إله ولا ميتافيزيقيا أصلًا.

الإلحاد الوجودي هو إنكار سلطة الإله وليس وجوده، هو محاولة للتمرّد على الخالق لكونه ترك البشريه تواجه مصيرها، لذلك كانت هذه هي فكرة الارتقاء التي دعا إليها نبعت من تلك الفكرة؛ مادام الله لم يكترث لنا فلنمضِ في حياتنا حاملين أعباءنا على ظهورنا ولن نركن إلى الاعتقاد بوجود الربّ الذي سيرافق مسعانا.
(ببساطة، ممكن نأولها أنها نفيٌ لفكرة التوكّل عند المؤمنين)

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ريهام الشاذلي

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.