تأخذك إلى أعماق الفكر

سياسة الوضع البشري في العصر الحديث في فلسفة حنة أرندت

إننا لا نحتاج هنا لاختيار بين أفلاطون وبروتاغوراس ولا نقرّر إذا ما كان الإنسان أو الرّب هو الذي ينبغي أن يكون مقياس كلّ الأشياء؛ إن ما هو أكيد هو أنّ المقياس لا يمكن أن يكون إلا الضرورة المسيرة للحياة البيولوجية والعمل، ولا الأداتية النفعية للصناعة والاستعمال. “12”

إذن، نحن حاليا بعيدون عن المثالية القديمة والمدينة-الدولة Polis الإغريقية وبعيدون أيضا عن المدينة الرومانية التي تقوم عليها قيمة الفعل التي ظلت سائدة، بل إننا أمام تغيّر فعلي وملحوظ في القيمة الفعلية، وأيضًا في القيم الجوهرية، في ما يسمى بالعصر الحديث.

ما بين الفعل والكلام:

وتشرح هذه المفكرة في الفصل الخامس من الكتاب مفهوم تمييز الفعل بأولوية الكلام la parole مؤكدةً بأنه “لا يوجد نشاط بشري يحتاج إلى الكلام مثلما يحتاج إليه الفعل””13″؛ إذ أن المعيار الأساسي للفعل هو التجلي الواضح للفاعل في الكلام وفي الممارسة.

إن الفعل هو مرتبط بالكلام ويكشف عن الإنسان وكأنه يحاول ويضرب في الأرض وينقح في الأفق من أجل أن يبدأ شيئًا جديدًا في العالم كما يعبّر عن ذلك الفعل الإغريقي Arkhein، حيث أنه عبر الفعل والكلام يمكن تمييز البشر وبالتالي يلجؤوا إلى الفردانية الحقيقة، وذلك عبر المحادثة discussion والتواصل… اللذان عبرهما يتفاعل الإنسان فيما بينه، ويصوغ عالمًا مشتركًا؛ فالفعل والكلام هما الضربان اللذان تظهر فيهما الكائنات البشرية لبعضهم البعض، لا باعتبارهم أشياء مادية بل بما هم بشر، وإن الكثرة البشرية الشرط الأساسي لكل من الفعل والكلام، تملك الطابع المزدوج للمساواة والتميز. فإذا لم يكن البشر متساوين فإنه لن يكون بإمكانهم أن يفهم بعضهم البعض، ولا أن يفهموا من أتوا قبلهم ولا أن يخططوا للمستقبل ويتوقعوا حاجات من سيأتون بعدهم “14”، وبالتالي لن يستطيعوا إنشاء عالم مشترك.

ويتميّز أيضا “الفعل” بهشاشته sa fragilité، إذ الخوف من العنف يُمَكِّنُهُ دائما من الوصول إلى استعادة توازنه، أما دائرة الحياة والموت فهي على الدوام تشكل تقطعًا وتعطلًا للمحادثة، لكنّها أيضًا تجددها.

إعلان

· عصر الاغتراب:

في آخر فصل من كتابها، الفصل المعنوَن بـ”الحياة العملية والعصر الحديث”، تلخص حنة أرندت من خلال الأطروحة التي تمسكت بها، حديثا عن عصر الإنسان الحديث إلى وصفه بعصر العزلة والاغتراب، والذي فيه تمّ فقدان المعاني السياسة والمشترك والفعل، باحثةً بذلك عن نقطة ارتكاز أرخميديسية، ومن أجله لا بد إعلان هزيمة الإنسان الصانع والانتصار للحيوان العامل. إذ إن الإنتاجية والقدرة على الصناعة التي كانت ستصبح المثل العليا، بل أقانيم العصر الحديث في بداياته، هما معايير خاصة بالإنسان الصانع باعتباره مشيّدا وصانعا “15”. حيث أن التقدم التقني سمح للبعض أن يضفروا ببعض وفرة abondance البضائع، إلا أنه أمر تطلب دفعًا غاليِا جدًا، متعلّقًا بفقدان معاني المشترك: الفقدان السياسي، إذ أن الفعل من حيث هو متميز عن الصنع ليس  ممكنًا بالانعزال والاغتراب، فأن يكون المرء منعزلًا معناه أن يكون محرومًا من ملَكة السعي.

إنه بالنسبة لحنة أرندت، الزمن المناسب للعودة إلى المثالي القديم: إلى معاني السياسي والفعل والتصرف، agir الحقيقي؛ إذ ترى بأن الفعل مسار من الصَفح والوعد promisse لا يقبلان التراجع بعد أن قامت بالجمع بين فعلين كلاسيكيين هما القيام بـ faire والتصرف، وبالتالي فهذه الفيلسوفة تسعى طيلة كتابها هذا وما سيليه من كتب إلى إعادة بناء الفضاء السياسي، وِفقَ شرعية سياسية.

المصادر
1 اعتمدنا في دراستنا هذه، على الترجمة العربية: حنة أرندت، الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي، جداول ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2015.
2 Thomas Hobbes, De la nature humaine, Version numérique par Jean-Marie Tremblay, Les classiques des sciences sociales, P. 7.
 3 زهير الخويلدي، أولانية دراسة الوضع البشري: https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/2720
4 حنة أرندت، المرجع السابق، ص 27.
5 المرجع نفسه، ص 29. 
6 المرجع نفسه، ص 119. 
7 المرجع نفسه، ص 44.
8 المرجع نفسه، ص 82. 
9 المرجع نفسه، ص 91. 
10 زهير الخويلدي، العمل والحرفة والفعل، الحوار المتمدن-العدد: 2645 - 2009 / 5 / 13
11 حنة أرندت، الوضع البشري، ص 160. 
12 المرجع نفسه، ص 195. 
13 المرجع نفسه، ص 201. 
14 المرجع نفسه، ص 197.
15 المرجع نفسه، ص 320.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عزالدين بوركة

تدقيق لغوي: نَدى ناصِر

تدقيق علمي: مجد حرب

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.