تأخذك إلى أعماق الفكر

سمرقند أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً

ليست كأحدٍ في جمالها وفي بهاء صورها، هي حالة يطيبُ لذكرها الفؤاد وينتعش، وحتى في بناءها ليست لها مثيل فقد بُنيت على شاطي لوادٍ.

_ سمرقند :

 ومعنى إسمها “وجه الأرض” ووصفها الرحالة العرب بالياقوتة الواقعة على الضفة الجنوبية لنهر زرافشان… وبها تزينت القارة الآسيوية وفي وصفها يقول ابن بطوطة :ـ”أنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً، مبنية على شاطئ لوادٍ يُعرف بواد القصّارين، وكانت تضم قصوراً عظيمة وعمارة تنبئ عن هِمم أهلها.”
فهي تقع في بلاد ما وراء النهر تحديداً في أوزبكستان، وظلت هي العاصمة لبلاد ما وراء النهر لفترة تمتد إلى خمسة قرون.

_رجال سمرقند :

ما نعرفه عن رجال سمرقند أنهم ليسوا كأية رجال، وأن نخوتهم وغيرتهم على بلدهم الحبيب ليست كأي غيرة، ففد كان قُتيبة بن مسلم الباهلي، هو فاتح المدن في عهد خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز، وحين وصل إلى سمرقند، افتتحها بدون أن يدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية ثم يمهلهم ثلاثاً كما هي العادة في فتح البلاد على يد المسلمين، ولكن مع سمرقند الأمر اختلف، ولما علم عن ذاك الأمر كهنتها أرسلوا رسالة إلى عمر بن عبد العزيز مع رسولٍ سمرقنديّ أبلغوه بذاك الطارئ الذي طرأ عليهم، فأخذ عمر بن عبد العزيز الرسالة وقرأها ثم كتب على ظهرها :ـ”من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند أن انصب قاضياً ينظر فيما ذكروا.”

ولما عاد الرسول حاملاً رسالة عمر إلى الكهنة، أيقنت قلوبهم أن الأمر لن يتزحزح عن ما هو عليه، فمن ذاك القاضي الذي ينصرهم عن ذويه وأهل ملته!! ورغم ذلك فقد عُقدت الجلسة وكان القاضي هو جُميع بن حاضر الباجي، وعرضوا عليه مظلمتهم، فسأل القاضي خليفة قُتيبة (أن قتيبة كان قد وافته المنية): أنت ماذا تقول؟
قال: لقد كانت أرضهم خصبة واسعة فخشي قُتيبة إن أذنهم وأمهلهم، أن يتحصنوا عليه.
فقال القاضي: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله، وما خرجنا فاتحين الأرض أشراً وبطراً.
وقضى القاضي بخروج المسلمين من سمرقند، وعلى قائد المسلمين أن يفتحها باتباع مبادئ المسلمين كما هو المعتاد منهم.
وقضت قلوب أهل سمرقند عليهم بإسلام وجههم لله واتباع ذلك الدين الذي لا مثيل له، فما وجدوه كان وثال واضح للعدل والرحمة في أبهى صورها، فأسلم أغلب أهلها وقليلاً منهم دفع الجزية.

هكذا كانت همة رجالها في حماية حقوق أرضهم الغالية سمرقند، ولم يكن ذلك هو فقط ما فعله أهلها لحمايتها، بل عرضوا أرواحهم للقتل دفعة واحدة دون التردد ولو للحظة أمام عدوان غادر من عدو غاشم هابهم جنود شداد غلاظ وهربوا من مواجهة ذاك العدو، أما رجال سمرقند فلم يفعلوا بل فضّلوا الموت على أن يحيوا على أرضها موصومين بعار الخوف والتجابن.

إعلان

فرق واضح بين رجالٍ ورجال

عند الهجوم التتري الغاشم، تقهقر الجيش الذي عيّنه “محمد بن خورازم شاه” زعيم الدولة الخوارزمية، فعلى الرغم من أن عدد الجيش كان يُقدّر بخمسين ألف جندي خوارزمي زيادة عن أهلها فكان سكانها كثيرون يُقدّرون بمئات الآلاف ورُغم ذلك دبّ الرعب في قلوب الجنود الخوارزميين لما عرفوه من أحداث دارت في بخاري بين جنودها وبين الجيش التتري وخافوا من المواجهة المعروف مصيرهم فيها، ولما فشل أهل سمرقند بإقناعهم في حرب أعداء وطنهم.. قرروا أن يخرجوا هم لمواجهة التتار، وبالفعل خرج سبعون ألفا من شجعان البلد وخير رجالها، ولإن أهل سمرقند لم يكونوا على دراية بفنون القتال ولا بخطط الخداع، فوقعوا في فخ تلك الخدعة التي أدارها التتار عليهم بمنتهى البراعة
_ما الذي فعله التتار ؟

مع تقدم رجال سمرقند أخذ الجيش التتري ينسحب للخلف، فتشجّع رجال سمرقند وظنوا أنهم قد استطاعوا أن يدبّوا الرعب في قلب الجيش التتري وتقدموا أكثر حتى خرجوا عن حدود مدينتهم، وهما أحاطهم الجيش التتري وقتلوهم عن بكرة أبيهم، قتلوهم دفعة واحدة، قتلوا سبعون ألف من شجعان سمرقند وهم يدافعون عن تراب وطنهم. 
ودخل التتار سمرقند ، وطلب جنود الجيش الخوارزمي المتخاذل الأمان منهم، وأعطوهم الأمان الوهمي وبمجرد أن فتحوا لهم أبوابها، حتى فعلوا مثل ما فعلوا في بخاري فقتلوا رجالها وجنود الجيش الخوارزمي وانتهكوا حرمات نساءها ودمّروا ممتلكاتها، فهكذا عرفنا سمرقند وعرفنا أهل سمرقند.
سمرقند أبية شامخة… ورجالها حقاً رجال..رأسهم مرفوعة سواء كانوا على قيد الحياة أو حتى واراهم التراب.

مساهمة من دينا البديوي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.