لا يُمكن أن يكونَ المثقف إعلاميًا، أو الإعلاميُّ مثقّفًا

أولاً: المُثقّفون أمثال زكي نجيب وطه وسارتر وفوكو وتشومسكي حينَ يطرحونَ مشاكلَ الطقس العام؛ يُفضلون حضور إعلامٍ مهنتهُ التطوير من إنتاج الثقافة العامّة، أعتقد أن التلفاز اليوم أصبحَ أداةً عامةً للتأمُّل ومساحةً مُشرعَنة لـ “النُقّاد والمثقفين والإعلاميين” أن يطرحوا المشاكَل حسبَ الإحساس العام نفسه، أن تكون المواساة في نظرهم شبه منطقية، لكن ألا يتعارض هذا حتى مع قانون الواقع؛ لأنَ الإحساس بدوره يكونُ فردانيًا وليسَ مثل الآراء العقلية أن تكونَ ذات فائدةٍ جوهرية.

ثانياً: إذا شاهدتم، وتمعنتم في سُلطة الإعلام المُنفلتة، والمنهارة تحتَ أساليب “التعددية”، وخديعة الرأي الحُرّ، وأكذوبة مناقشة الآخر، كلها تُعاني اختلالًا في الإستراتيجيات ومشكلاتٍ في النظام العام والجماعي، هذهِ المؤسسات تُنتج إعلاميين يقومونَ بالانتقاص من النظريات والحلول المنطقية حتى يُخِلّوا بالنظام الجماعي، لنختصر ذلك التشوّه: “زجّ آراءٍ عبثية لإرضاء من يوافقوهم بالآراء والتحسبات” مثال الإعلام العربي الذي ما زال لا ينفكُ  أن يكون في الماضي، فهو ابن حداثة اليوم من ناحية التعدّد والرأي الآخر، ومُتخلّفًا من ناحية المواضيع المستهلكة، لأنهُ بكل صراحةٍ تُقال: لم يعُد يؤمن بالقواعد والمفهوم والأسلوب، بل يلجأ للمحاميل الذهنية التعبيرية والأحداث التي يُمكن أن تُقال فقط ولا تُعشعش في التلفزة والصحافة.

ثالثاً: الصورة النمطية عليها أن يُخلع عنها الرداء، والخديعة المُتبلورة بالشكليات يجب ألا تُحترم بعد الآن، فمن الناحية اللُغوية: إن المظهر الجذاب لا يُساعد مجتمعاً تنقصهُ الحكمة؛ فهذهِ المظاهر الإعلامية قد سلَبت مهنة المُثقّف، بل صار مصطلح (مثقّف) مقرونًا بكل من يتحدث بحِرَفية.

رابعاً: أنا من الذينَ يرون أن المُثقّف يجب أن تكون كتابتهُ مخترقةً للسمع والبصر والذهن، كتابةً عقليةً تُقدّم الحلول قبلَ أن تشري في الهدم والتخفيق والاستلاب، لا كتابةً تحافظ على طغمة الأمير والقائد والشيخ، بل تغتصبُ الذات ولا تكون ملجأً للتجميل.

خامساً: نحن ينقصنا خُبراء يُحللون مدى مصداقية الإعلاميين. نحن نمتلك هؤلاء نعم، لكنهم تحجّروا في مهنة المثقّف أيضًا، تعدّدت شخصياتهم وتضاربوا بين جدولين: مُثقّفٌ ضبابي، وإعلاميٌّ مستهتر، وكلا الدورين يجعلُ  من المجتمع فاشلاً تارة، ومُحمّلًا  بالأعباء تارة، لكنهُ لا يقدّم أداتهُ النشطة في تصنيف الذوات التلفزيونية. نحن في عصر التلفزة البيداغوجية والرأي “الرأي المنفلت”.

إعلان

‏أُحبًُّ سارتر جدًا، كان يحتقر الأدب التقليديّ والمعلومات التي تعلّمها من جدهِ وكتبهِ، التي لا ترى الأدب سوى وسيلةً للتأدُّب والخلاص وتطهير النفس، في مذكراتهِ “الكلمات” يقول سارتر:

هذهِ ليست وظيفة الأدب. ليس الأدب سوى مرآةٍ نرى فيها أنفُسنا.

هكذا قَدَّم الكاتب مُجاهد عبد المُنعِّم كتاب سارتر عاصفة على العصر: هذا الكِتاب ثمرة عشقٍ لـسارتر دامَ لأكثَر من إثنيَّ عشرَ عامًا عاشَ  خلالها هذا المُفكّر العظيم في أنفاسي، كانَ ملحي وشرابي، كانَ يشغُل روحي فيما عدا لحظات النَوم”

أتذكر تلكَ اللحظات التي قرأتُ فيها كتاب سارتر (الوجودية منزعٌ إنساني) وكيفَ ذلكَ الصدى الذي حطّم رؤيتي بنظرته الثاقبة عن الإنسان الذي أدركهُ، بأنهُ حبيس انفعالاته، وأن سياقهُ الضئيل لا يُمكن أن يسبقَ الوجود ولا الماهية، لأن الوجود يسبقهُ دائماً.

لَقد نُعتَ سارتر بالفوضوية، وسُميّ من الشيوعيينَ باللامادي، واشتكت منهُ المسيحية بأنهُ مُعتبّطٌ في إلحاده، أما المُثقفون بعد الحرب العالمية قد وصفوهُ بالرجل الكريه، لأن الفرنسيين آنذاك مُنهارو النفسية، وهو يتحدّث خارج إطار انهيارهم، عن مدى سخافة الأمل الذي هو حقُ الناس في المضيّ.

سارتر أرادَ أن يُعطي منهجهُ “الوجوديّ  العدميّ” للجمهور، فالوجودية مساءة الفهم، وحُرِّفت عن رسالتها “الككيغاردية”. لمَ وجودية ككيغورد و سارتر صامدة؟ لأنها تقع على الأصل، المعاناة البشرية، التي يُراد بها نزع هيمنة الحرب والقادة دونَ أن تخدم أيّ  حزبٍ أو اتجاهٍ إيديولوجي.

الوجودية عندَ فيودور دوستويفسكي

“إذا كان الله غير موجود، سيُصبح كل شيءٍ مُباح”.

هنا تكمن نقطة بدء الوجودية، يرى سارتر أن المؤمن لا يُمكن أن يستغني عن الله لأنهُ مَصدرٌ لأخلاقه، فقد يكونُ كل شيءٍ مباحًا إن لم يكن موجودًا عنده، وبالتالي يكون مُهمَلًا، لأنه لا يجد ما يمكن الانشداد إليه لا من داخل ذاتهِ ولا من خارجها، إنهُ لا يجد في البدء أيّ  عذرٍ لنفيهِ، فإذا كان الوجود سابقًا للماهية حقاً، لن يتسنّى أبدًا تفسير أيّ شيءٍ بالرجوع إلى طبيعةٍ إنسانيةٍ مُعطاةٍ وجامدة، وبعبارةٍ أخرى: ليس هناكَ  من حتميةٍ في هذا العالَم، فالإنسان حرٌ تمامًا، عندها سيُصبح خطِرًا أكثر مما يُبرّر توغّله العنيف عن آلهته.

كتبَ فيكتور هيوغو مرةً

“ليس الدين إلا الظل الذي يُلقيه الكون على الذكاء البَشري”

فالدين يُشكّل تحديًا كبيرًا للبيولوجيا، لأنهُ مظلّة تعوم فوقَ “المادة والطاقة والحياة الأرضية”.
حسناً، لنُراجع موقف “إيڤان كارامازوف” في رواية دوستوفيسكي “إذا تم نفي الله سيكونُ كُل شيءٍ مباح”، فهذهِ الصياغة تتطلّب معرفةً ثاقبةً لقارئٍ فطِن، بأنَ الأخلاقيات تتطلّب إرثًا دينيًا كمصدرٍ لتبرير قيمها، إلّا  أنّه الأكثر وضوحًا أنّ المُتديّنين لا يسلكون أخلاقيًا سلوكًا مُتحيزًا كما المؤمنين، فالدين لو كانَ مفيدًا لكُل عصرٍ، كجهازٍ متطوّر لبثّ الأخلاق، لما كانَ يعيش على خُطط الماضي، إذًا يُصبح المُستقبل بيد الدوغمائية الإيديولوجية.

الموضة الوجودية

أتذَكّر تلكَ العبارة الثقيلة الوَقْع لآدورنو

“كُل أثرٍ فنيٍّ هو جريمةٌ مُسَرّحة”.

مالذي نعيه من هذه العبارة؟ إنها الأدوار المسرحية والمقاهي الثقافية المُستَعِرّةُ بالابتذال قد أخذت اسمًا لألمع الفلسفات حتى تَظهر بصورة المُمكّن والعارِف. لقَد وجدتُ كُتّابًا يستخدمون هذهِ العبارة بشكلٍ تَرَفيٍّ عادة، لأنَ الوجودي لا يؤمن بقوة العواطف أن تكونَ مصدرًا للأخلاق، إن أغلب القُرّاء الذينَ جرفتهم القراءة القاصرة لفهم العدمية التي قصدها نيتشه، هُم نفسهم الذين يستخدمون هذه الكلمة “الوجودية”، سيواجهون صعوبةً كبيرةً في تفسيرها، فبما أنها أصبحت اليوم موضةً عندَ السارد وكاتب المقالات، يَخلقونَ عن طيب خاطر، مثلما يُعلّق فالح عبد الجبار ساخرًا من فلسفة محمد الصدر، بأنهُ كانَ يُشبه جان جاك روسو، لكنَ فلسفته كُتِبَت عن طيب خاطر، لذلك يُشار للوجودية بأنها نزعةٌ لموسيقيٍّ أو كاتبٍ أو شاعر، أو رسامٍ ما، وأن محرّرًا في صحيفة أضواء، يُوقّع بإسم الوجودي، هكذا اتسع مدلول العبارة في الواقع على نحوٍ لم يعُد دالاً على أيّ  شيءٍ البتة، ويبدو أنهُ في غياب مذهبٍ رائدٍ مماثلٍ للسيريالية، لجأ الناس المتلقّفون الفضيحة والنشيطون فيها إلى هذهِ الفلسفة التي ليس بإستطاعتها مع ذلك، أن تُقدم لهُم شيئاً في هذا المجال، وفي الواقع، فالوجودية هي المنزع الأقل فضحًا والأشدّ تزمُّتًا وهي موجهةٌ بالتحديد إلى التقنيين والفلاسفة رُغم ذلك، يمكنها أن تُعَرف بسهولة.

كيركغارد والقلق الإنساني

لا يخلو العالَم من دوافع القلق، والحياة هي الكذبة التي بفضلها يدوم موطِن الحقيقة، فليسَ  هناكَ  من تفاؤلٍ رسميٍّ يُحتذى بهِ، يظهر القلق حتى وإن كان مُقَنعاً، وهذا القلق هو الذي يسميه كيركغارد “قلق إبراهيم” القصة المعروفة في الأبجديات الإبراهيمية، لقد أمر الملاك إبراهيم أن يُضحّي بابنه، وكان بالإمكان أن يَسير كل شيءٍ على ما يرام لو أن ملاکًا جاءَ حقيقةً وقال: “أنت إبراهيم، عليكَ  أن تُضحّي بابنك” غير أنهُ بإمكان أيّ  شخصٍ  أن يتساءل أولاً إن كان “من جاء” حقًا ملاکًا وإن كان هو حقاً إبراهيم؟ ما الذي يُثبت ذلك؟ كانَت هُناك إحدى المُصابات بالجنون تعتريها هلوسات، تَدّعي أن هُناك من يُكلمها عبر الهاتف ويُعطيها أوامر، وعندما سألها الطبيب : لكن من الذي يكلّمك، كانت تجيب : “يقول المتكلّم إنهُ الله” فَمن الذي يُثبت لي بالفعل أنهُ الله؟

إبراهيم والملاك كما عَرفتهُ الوجودية

إن جاءنيّ ملاكٌ  فمن الذي يُثبت بأنهُ ملاك؟ وإذا سمعتُ أصواتًا، فمن الذي يُثبت بأنها آتيةٌ من السماء وليس من الجحيم أو من أنا عُليا، أو عَن حالةٍ مرضيّة؟ من يُثبت أنها مرسلةٌ إليّ أنا؟ من يُثبت أنيّ مُكَلّفٌ حقًا كي أفرض تصوّري عن الإنسان، وأفرض اختياري على الإنسانية؟ لن أظفر أبداً بأيّ  حُجّة، ولا أيَّ  علامة أُقنع بها نفسي، فإذا كان هناكَ  صوتٌ مرسلٌ إليّ، فأنا فقط مَن يُقرّر دومًا أن هذا الصوت هو صوت الملاك أم لا، وإذا إعتبرت أن فعلاً ما حسن، فأنا من يختار القول بأن الفعلَ هذا حَسنٌ وليس سيئاً، لا وجود لشيءٍ من شأنهُ أن يشير إليّ بأنهُ إبراهيم، ومع ذلك فأنا مُجبرٌ في كل لحظةٍ على القيام بأفعالٍ مثالية، كُلّ  شيءٍ يجري بالنسبة إلى كل إنسان وكما لو أنّ الإنسانية كانت تُراقب ما يفعلهُ، فكل إنسانٍ يخاطب نفسهُ: هل أنا حقاً من يكون جديرًا بأن يفعل وفقَ الطريقة التي تحمل الإنسانية على الاهتداء بأفعالهِ؟ وإذا لم يطرح ذلك على نفسهُ، فهو يعني أنه يواري قلقهُ.

الوجودية الملحدة

إن الوجودية الملحدة التي أمثلها -كما يقول سارتر- أكثر تماسكًا، هي تُعلن أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فيوجد على الأقل كائنٌ يكون الوجود لديه سابقًا للماهية، كائنٌ يوجد قبل أن يكون قابلاً للتعريف وفق أيّ مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول هيدغر، ماذا يعني هنا أن الوجود سابق للماهية؟ إذ يعني أن الإنسان يوجد أولاً، يلتقي بالعالم وينبثقُ فيهِ، ثم يعرف بعد ذلك، وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثّله الوجودي قابلاً للتعريف، فذلك لأنهُ لا يمثّل شيئًا في المنطلق ولا يكون كذلك إلا لاحقاً، ولا يكونُ إلا على النحو الذي سيُنشئه لنفسه.

إعلان

اترك تعليقا